الأربعاء، 07 أكتوبر 2026 — 23 ربيع الثاني 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
الجزائر

اكتئاب ما بعد الولادة.. هل يصيب الآباء أيضا؟

Author
بثينة صايفي 23 أغسطس 2026
X Facebook TikTok Instagram

أعاد الحديث عن الصحة النفسية للأمهات بعد الولادة إلى الواجهة سؤالًا آخر غالبًا ما يبقى في الظل: ماذا عن الأب؟ فمع قدوم الطفل، لا تبدأ مرحلة جديدة بالنسبة إلى الأم وحدها، بل يجد الأب نفسه أيضًا أمام مسؤوليات وضغوط وتغيرات قد تؤثر في حالته النفسية.

وبينما يحظى اكتئاب ما بعد الولادة لدى الأمهات بقدر أكبر من الاهتمام والوعي، لا تزال معاناة بعض الآباء أقل حضورًا في النقاش العام، رغم أنها قد تظهر في صور مختلفة، من بينها الغضب والانسحاب والقلق المفرط واضطراب النوم.

اكتئاب الآباء.. وجه آخر لمعاناة ما بعد الولادة

يوضح الطبيب عدوان ياسين أن الحديث عن “اكتئاب ما بعد الولادة“ينصرف غالبًا إلى الأم، باعتبارها الطرف الذي يمر مباشرة بتغيرات جسدية وهرمونية ونفسية كبيرة خلال الحمل والولادة، بينما يُغفل في كثير من الأحيان ما يمكن أن يعيشه الأب خلال الفترة نفسها، ويشير إلى أن الأب بدوره قد يواجه ضغوطًا نفسية متزايدة مع قدوم الطفل، سواء بسبب المسؤوليات الجديدة، أو تغير نمط الحياة، أو القلق المرتبط بصحة المولود والأسرة، فضلًا عن الضغوط المادية والاجتماعية التي قد ترافق هذه المرحلة.

وفي هذا السياق، يتحدث الطبيب عن وجود ما يُعرف بـ اكتئاب الآباء في الفترة المحيطة بالولادة (Paternal Perinatal Depression)، وهي حالة يمكن أن تظهر لدى الأب خلال فترة الحمل أو بعد ولادة الطفل، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها مجرد حالة مزاجية عابرة، فقد يجد الأب نفسه أمام تغيرات كبيرة في حياته اليومية، مع تراجع ساعات النوم، وارتفاع مستوى المسؤوليات، وتغير طبيعة العلاقة مع الزوجة، وهو ما قد ينعكس على حالته النفسية وقدرته على التكيف مع المرحلة الجديدة.

ويرى عدوان ياسين أن أهمية الحديث عن هذه الحالة تكمن في أن الأب غالبًا ما يُنظر إليه باعتباره الطرف الذي يجب أن يكون قويًا ومتزنًا وقادرًا على تقديم الدعم للزوجة والطفل، ما قد يدفعه إلى إخفاء ما يشعر به أو تجاهل الأعراض التي يعيشها، وبذلك، قد تتحوّل المعاناة النفسية إلى تجربة صامتة لا يلتفت إليها المحيطون به، رغم أنها قد تؤثر في حياته الشخصية والعائلية وفي علاقته بزوجته وطفله.

ويؤكد الطبيب أن الاعتراف بإمكانية معاناة الأب نفسيًا بعد ولادة الطفل لا يعني التقليل من معاناة الأم، وإنما يوسع دائرة الاهتمام بالصحة النفسية للأسرة ككل، ويضع الأب أيضًا ضمن الأشخاص الذين يحتاجون إلى الملاحظة والدعم خلال هذه المرحلة الحساسةليست مجرد حالة عابرة.

ويؤكد الطبيب أن هذه الحالة لا ينبغي اختزالها في حزن عابر أو ضعف في الشخصية، كما لا يمكن التعامل معها باعتبارها أمرًا سيمر تلقائيًا، فهي معاناة حقيقية قد تنعكس على الحالة المزاجية للأب، ونومه، وقدرته على التركيز، فضلًا عن علاقته بزوجته وأبنائه.

“الصورة الاجتماعية النمطية للأب باعتباره الشخص الذي ينبغي أن يكون قويًا، وقادرًا على تحمل المسؤولية وتقديم الدعم للزوجة والطفل، قد تزيد من صعوبة اعترافه بما يمر به”

ويلفت الطبيب عدوان ياسين إلى أن من أبرز الإشكالات المرتبطة باكتئاب الآباء في الفترة المحيطة بالولادة، صعوبة التعرف على الحالة وتشخيصها، خصوصًا في ظل غياب إطار تشخيصي واضح ومحدد لها، ويوضح أن هذه الحالة، بحسب تصريحه، لا تزال غير معترف بها رسميًا في كتب التشخيص، كما لا توجد لها معايير واضحة بالقدر نفسه الموجود في بعض الاضطرابات النفسية الأخرى، الأمر الذي يجعل رصدها والتعامل معها أكثر تعقيدًا.

ويشير إلى أن محدودية الدراسات والأبحاث المتعلقة باكتئاب الآباء تزيد من صعوبة فهم الحالة وتحديد طبيعتها وأعراضها بدقة، خصوصًا أن التجربة النفسية للأب خلال فترة الحمل وما بعد الولادة قد تختلف من شخص إلى آخر، فقد يمر بعض الآباء بأعراض واضحة، بينما تظهر لدى آخرين بصورة أكثر خفاءً، ما يجعلها قابلة لأن تُفسَّر على أنها مجرد ضغوط مرتبطة بالعمل أو المسؤوليات العائلية أو قلة النوم.

ويؤكد عدوان ياسين أن أحد أسباب صعوبة اكتشاف هذه المعاناة يرتبط أيضًا بالطريقة التي يعبّر بها الرجال عادةً عن الضيق النفسي، فالأب الذي يعاني من الاكتئاب قد لا يُظهر بالضرورة الحزن أو البكاء بصورة مباشرة، وإنما يمكن أن تتخذ معاناته أشكالًا أخرى، مثل سرعة الغضب، أو التوتر المستمر، أو الانسحاب من الحياة الأسرية، أو فقدان الاهتمام، أو القلق المفرط بشأن صحة الطفل ومستقبله.

ويضيف أن هذه الأعراض قد لا تُقرأ من المحيطين بالأب باعتبارها مؤشرات على اضطراب نفسي، بل قد يُنظر إليها باعتبارها ردود فعل طبيعية على الضغوط الجديدة التي تفرضها مرحلة الأبوة، وهنا تكمن الخطورة، لأن تطبيع هذه السلوكيات أو التقليل من شأنها قد يؤدي إلى تأخر طلب المساعدة، ويجعل الأب يستمر في معاناته لفترة أطول دون تشخيص أو دعم مناسب.

كما أن الصورة الاجتماعية النمطية للأب باعتباره الشخص الذي ينبغي أن يكون قويًا، وقادرًا على تحمل المسؤولية وتقديم الدعم للزوجة والطفل، قد تزيد من صعوبة اعترافه بما يمر به، فقد يشعر بأنه لا يملك الحق في الشكوى أو التعبير عن هشاشته النفسية في مرحلة يُفترض أن يكون فيها مصدرًا للدعم بالنسبة إلى أسرته.

ومن هذا المنطلق، يرى الطبيب أن التعامل مع الصحة النفسية خلال فترة الحمل وما بعد الولادة ينبغي ألا يقتصر على الأم وحدها، بل يجب أن يشمل الأب أيضًا، مع الانتباه إلى اختلاف الطريقة التي قد تظهر بها الأعراض لديه. فكلما كان الوعي بهذه الحالة أكبر، أصبح من الممكن ملاحظة العلامات مبكرًا، وفتح المجال أمام الأب للحديث عن معاناته وطلب المساعدة قبل أن تنعكس تداعياتها على حياته وعلاقته بأسرته.

عواقب تمتد إلى الأسرة

ويحذر عدوان ياسين من أن تجاهل هذه المعاناة قد يترك آثارًا تتجاوز الأب نفسه، لتطال الأسرة والعلاقات الزوجية والأبناء، إذ يمكن أن تؤدي إلى تصدع العلاقة بين الزوجين، وتأثر الأبناء نفسيًا، بل وقد تصل في بعض الحالات إلى تفكك الأسرة في صمت.

الأب أيضًا يحتاج إلى الدعم

ويشدد الطبيب عدوان ياسين على أن الأب ليس مجرد “داعم أبدي“للأسرة، ولا ينبغي اختزاله في الدور الذي يقتصر على مساندة الزوجة والاهتمام بالطفل وتحمل المسؤوليات المادية والعائلية، إذ إن الأب نفسه قد يمر خلال هذه المرحلة بتحولات وضغوط نفسية عميقة، خصوصًا مع الانتقال المفاجئ إلى مسؤولية الأبوة وما يرافقها من تغيرات في نمط الحياة والعلاقات والأولويات.

ويرى أن تجاهل الجانب النفسي للأب قد يجعله يعيش معاناته في صمت، خاصة عندما يشعر بأن المطلوب منه هو أن يبقى قويًا ومتماسكًا مهما كانت الظروف، وقد يجد صعوبة في التعبير عن مخاوفه أو إرهاقه أو مشاعر الحزن والقلق التي يمر بها، خشية أن يُنظر إليه باعتباره ضعيفًا أو غير قادر على تحمّل مسؤولياته، وبذلك، قد يستمر في أداء أدواره اليومية بينما يخوض في الوقت نفسه معركة نفسية لا يلاحظها المحيطون به.

ويؤكد عدوان ياسين أن منح الأب مساحة للحديث عن مشاعره لا يعني إعفاءه من مسؤولياته تجاه أسرته، وإنما يعني الاعتراف بأنه جزء أساسي من هذه الأسرة وأن صحته النفسية تؤثر أيضًا في استقرارها، فالأب الذي يعاني نفسيًا قد يجد صعوبة في التواصل مع زوجته أو التفاعل مع طفله، وقد يزداد ميله إلى الانسحاب أو العصبية، وهو ما يمكن أن ينعكس بدوره على الأجواء داخل المنزل.

ومن هنا، يبرز دور الزوجة والعائلة والمحيط الاجتماعي في الانتباه إلى التغيرات التي قد تطرأ على سلوك الأب بعد الولادة، وعدم التعامل معها دائمًا باعتبارها مجرد إرهاق أو ضغط عابر، فالتغير المستمر في المزاج، والانسحاب، والعصبية غير المعتادة، أو القلق المفرط، أو فقدان الاهتمام بالحياة الأسرية، كلها أمور تستحق التوقف عندها والتعامل معها بجدية، خصوصًا إذا استمرت وأصبحت تؤثر في حياة الأب وعلاقاته.

كما يشدد الطبيب على أهمية تجاوز الصورة التقليدية التي تضع الأب في موقع “المساند“ فقط، وتجعله آخر من يُسأل عن حالته النفسية، فكما تحتاج الأم إلى الرعاية والمتابعة والدعم بعد الولادة، قد يحتاج الأب أيضًا إلى من يستمع إليه ويفهم ما يمر به، وإلى توجيهه نحو المختصين عندما تكون المعاناة أكبر من أن تُحل بمجرد الدعم العائلي.

ويخلص عدوان ياسين إلى أن اكتئاب الآباء في الفترة المحيطة بالولادة معاناة حقيقية تستحق أن يُسلّط عليها الضوء، ليس فقط من أجل الأب، وإنما من أجل الأسرة بأكملها. فرفع الوعي بهذه الحالة، وتشجيع الآباء على الحديث عن مشاعرهم، وتسهيل حصولهم على المساعدة النفسية المناسبة، يمكن أن يسهم في حماية العلاقة الزوجية وتعزيز قدرة الأسرة على التعامل بصورة أكثر توازنًا مع مرحلة الأبوة الجديدة، والأهم، وفق هذا الطرح، هو أن يدرك الأب أنه ليس مطالبًا بمواجهة معاناته وحده، وأن طلب الدعم لا يمثل ضعفًا، بل خطوة نحو حماية نفسه وأسرته.

↑