الأبعاد الجيوسياسية لـ”الهيدروجين”أو مستقبل الصراع على الشمس

لطالما تمّ الترويج للهيدروجين على أنه الإِكْسِير الذي سيفك أحجية الطاقة النظيفة. هذا العنصر الكيميائي الأخف وزناً وأكثرها وفرة في الكون، فهو يشكل (92%) من ذرّات الكون المرئي و(73%) من كتلته. لكن الهيدروجين نادرًا ما يوجد على الأرض في شكله النقي، وهذا ما كان يُعرف عنه قبل اكتشاف “الهيدروجين الطبيعي” في مكامن أرضية، لأن المعروف عنه دائمًا هو أنه غالبًا ما يتواجد مندمجا كيميائيًا مع عناصر أخرى، وعلى الأخص جزيئات الماء (H2O).

 الجزء الأول: الصراع على الأرض أولاً.. “الهيدروجين الطبيعي” في مالي

يُطرح الهيدروجين كخيار أمثل لتخزين الطاقة المتجددة ونقلها إلى مختلف نقاط الاستخدام النهائي، مهما تباعدت المسافات بين نقطة الإنتاج ونقاط هذا الاستخدام النهائي. كما يُطرح كحل جذري لأزمة اختلال المناخ العالمي جراء انبعاثات الغازات الدفيئة، كون الهيدروجين هو العنصر المحقق لدورة “صفر كربون” مثالية، فهو يُنْتَج من تحليل الماء، ويحرر معه غاز الأكسجين عالي النقاوة، وعند إعادة استخدامه لإنتاج الطاقتين (الكهربائية والحرارية) عن طريق السيرورة الكهرو كيميائية في خلايا الوقود، فإن العنصر الوحيد المصاحب لإنتاج الطاقة هو بخار الماء. ويمكنه إنتاج الطاقة الحرارية في المحركات وتُوربينات الاحتراق، كما يمكن استخدامه كمادة وسيطة. لذلك يمكن استخدام الهيدروجين عبر مجموعة واسعة من التطبيقات، في المباني والمصانع والمنشآت الثابتة، ومركبات النقل والأجهزة المحمولة، في جميع قطاعات النشاطات.

بينما يتمحور تركيز معظم أبحاث الهيدروجين حول التحديات التقنية وعقبات التكلفة لاقتصاديات نشره على نطاق واسع، نجد قلّة من الدراسات التي تولي عناية خاصة بالدوافع الجيوسياسية لتطوير الهيدروجين كحامل طاقوي وأبعاد ذلك وعواقبه، ومدى إمكانية إعادة رسم جغرافية جديدة لتجارة الطاقة العالمية من خلاله، ونشوء فئة من مُصدِّري الطاقة مُغايرة للموجودة والمهيمنة حاليا، وإعادة تشكيل العلاقات الجيوسياسية والتحالفات بين البلدان عن طريق إنتاج ونقل واستخدام الهيدروجين.

الآن علينا التساؤل بجدية ومسؤولية: لما أطلقت فرنسا عمليتها العسكرية «عملية سيرفال أو القط المتوحش» في جمهورية مالي في  جانفي 2013 ؟

وقبل الحديث عن مستقبل الصراع على الشمس، أو مستقبل الصراع على “الهيدروجين الشمسي”، أي الهيدروجين المنتج عن طريق استخدام الطاقة الشمسية لتحليل الماء كهربائيا لإنتاج هذا الهيدروجين. سنبسط العرض بداية حول صراع آخر يجري على الأرض حول “الهيدروجين الطبيعي”، وهو صراع خفي مشتد حول هذا “الهيدروجين الطبيعي”، هذه الثورة المستعرة في الخفاء، والتي تبشر بإمكانية تجاوز “معضلة الماء” توافرًا، وتحليةً، ونزعًا للمعادن والشوائب وتقطيرًا، بما سيسمح من خفض كلفة إنتاج الهيدروجين لصالح الاستخدامات الطاقوية.

في نهاية شهر مارس/آذار من هذه السنة 2021، نشر الموقع الفرنسي “H2-mobile”، مقالة بعنوان “فرنسا لديها ورقة تلعبها في الهيدروجين الطبيعي” بقلم “فيليب شويرر” الذي يكتب رفقة المؤسس المحرر “ميشيل توريغروسا” وبمعية “أديلين أديلسكي” و “جان لوك بونسين” في هذا الموقع الذي يعنى بنشر المعلومات حول المركبات التي تعمل بالهيدروجين، وشرح دور الهيدروجين في منظومة النقل اليوم وغدًا وإبراز تكامله مع مصادر الطاقة الأخرى. مما جاء في هذه المقالة:

الهيدروجين الأبيض، الذي يُطلق عليه أيضًا “الهيدروجين الأصلي” أو “الهيدروجين الطبيعي”، يعتبر بطريقة ما هدية من الأرض، حيث يوجد هذا الهيدروجين الطبيعي في المياه الجوفية بعمق عدة آلاف من الأمتار، لكن هناك أيضًا مصادر له على بعد 100 متر أو أقل، مثل ذلك الذي اكتشف في مالي عام 1987، أثناء عملية حفر للعثور على المياه. إنتاج الهيدروجين الطبيعي لا يتسبب في أية انبعاثات لثاني أكسيد الكربون لأنه ينتج بشكل طبيعي من قبل الكوكب، واستخدامه وتشغيل مكامنه سيكون منافسا لإعادة التشكيل له بالبخار. رغم أن هذا الهيدروجين الطبيعي المكتشف في الآبار ليس نقياً، فهو يكون مختلطا مع غازات أخرى، خاصة النيتروجين وأيضًا الهيليوم. في حالة الغاز الثاني، يمكن لإنتاج الهيليوم أن يسهم في تغطية تكاليف إنتاج “الهيدروجين الطبيعي”، الذي تزدهر استخداماته ويكثر الطلب عليه، وقد جرى تطوير الأغشية خصيصًا لفصل الغازين (الهيدروجين والهيليوم).

أول قمة عالمية تسلط الضوء على الهيدروجين الطبيعي، وهي “قمة H-Nat 2021”. هذه القمة التي ناقشت، من بين ما جرى عرضه في فعاليتها، فكرة “الانتقال من الحديث عن الهيدروجين كمجرد ناقل للطاقة إلى مصدر حقيقي للطاقة”.

كما أشار محرر المقالة إلى أن “الهيدروجين الطبيعي” بات يجتذب اهتمامًا متزايدًا من الصناعيين والسياسيين، بسبب تزايد اكتشاف مصادر جديدة له في العالم. وتشير تقديرات تدفقات هذا “الهيدروجين الطبيعي” إلى أنها مهمة ويمكن أن تلبي جميع احتياجات العالم من الهيدروجين. ومع ذلك، فإن القطاع الناشئ لهذا المنتج الطبيعي لم يتم إدراجه بعد في الاستراتيجية الوطنية الفرنسية للهيدروجين حتى عام 2030، والتي تبلغ ميزانيتها 7,2 مليار يورو، يكتب “فيليب شويرر” مستغرباً.

و هنا يأتي التساؤل حول الأجندة الخفية لفرنسا في جمهورية مالي ؟!!

لكن قبل ذلك، دعونا نتحدث قليلا عن المساعي الحثيثة لتحديد مصادر “الهيدروجين الطبيعي” المحلي في فرنسا، فالتقارير تشير إلى وجود “الهيدروجين الطبيعي” في فرنسا منبعثا من الآبار، لكن بتراكيز بعيدة جدا عن تلك التركيزات الاستثنائية التي وجدت في آبار جمهورية مالي. كما توجد في خندق الراين، وفي الحوض الباريسي، وفي أقاليم أخرى، حتى في قلب مزارع الكُرُوم في “كوت دور”. لكن الاستكشاف الجيولوجي لهذا “الهيدروجين الطبيعي” في فرنسا يعيد بعث النقاش حول استخدام “التشقيق الهيدروليكي” في عملية فتح مسامات التجويفات وتوسعة نفاذيتها لتحريره بكميات كبيرة واستغلاله. لذلك يجري حاليا تحضير المقاربات المنهجية والأسس العلمية وبناء فلسفة ومنطق جديد لتبرير ذلك للسكان المحليين ولإقناع الجمعيات البيئية وحشد السلطات العامة، لمباشرة مرحلة التشاور القانوني، حتى تكون فرنسا مع موعد أول استغلال محلي لهذا “الهيدروجين الطبيعي” في سنة 2025. مع هذه المساعي الحثيثة القائمة، فأين هو صدق كل ذلك الضجيج الصاخب الذي صاحب استخدام تقنية “التشقيق الهيدروليكي” فيما عُرف بـ”الغاز الصخري” ؟؟!!.

في بداية شهر جوان/يونيو من هذه السنة 2021، أقيمت أول قمة عالمية تسلط الضوء على الهيدروجين الطبيعي، وهي “قمة H-Nat 2021”. هذه القمة التي ناقشت، من بين ما جرى عرضه في فعاليتها، فكرة “الانتقال من الحديث عن الهيدروجين كمجرد ناقل للطاقة إلى مصدر حقيقي للطاقة”، وهي فكرة “غير مُستساغة” حاليا، وقد عمدت هذه القمة إلى ذلك بناءً على الفرضية القائلة بأن الهيدروجين الموجود في باطن الأرض و القابل للاستخراج هو متجدد لأنه يتم إنتاجه طبيعيا في التجويفات الجيولوجية باستمرار تحت الأرض، وهي فرضية جذابة تستحق قمة مثل هذه !!.

من بين المشاركين في فعاليات هذه القمة التي عقدت بتقنية التحاضر عن بعد، كان “عليو ديالو” رئيس شركة “هيدروما Hydroma”، وهي الشركة الرائدة عالميا في مجال الهيدروجين الطبيعي، والتي أنشأت في عام 2012 وحدة تجريبية لإنتاج الكهرباء من التحويل الطاقوي للهيدروجين في منطقة بوراكيبوغو في جمهورية مالي على بعد 50 كيلومترًا من باماكو، بعد اكتشاف انبعاثات لغازات تتكون من “الهيدروجين الطبيعي” بنسبة تتجاوز (98%) من تركيبتها، فتقرر استغلال ذلك في جمهورية مالي. وفي عرضه تحدث “عليو ديالو” عن دور الجيولوجيين الفرنسيين “آلان برينزوفر” و “إريك ديفيل” في اكتشاف وتحقيق النجاح الباهر في بوراكيبوغو بجمهورية مالي. وهنا يجدر بنا التذكير بأن الباحث الجيولوجي الفرنسي “آلان برينزوفر” أمضى 20 عامًا مشتغلا في المعهد الفرنسي للبترول والطاقات الجديدة (IFPEN)، وكذلك “إريك ديفيل” هو أيضا جيولوجي في (IFPEN). هذا المعهد الذي كان سابقا يُعرف باسم “المعهد الفرنسي للبترول” (IFP).

وهذا يجعلنا نعود إلى تاريخ 12 أفريل/نيسان من سنة 2013، أين تسبب “بيان صحفي” صادر عن المعهد الفرنسي للبترول والطاقات الجديدة (IFPEN) في اندفاع إعلامي نحو هذا الموضوع المتعلق بـ”الهيدروجين الطبيعي”. خاصة وأن اكتشاف هذا الهيدروجين الطبيعي حديث عهد على كل الأوساط، حيث تمّ ذلك لأول مرة في عام 2010، بفضل (Google Earth)، عند معاينة المنخفضات الدائرية في الأرض قرب موسكو بروسيا، باكتشاف انبعاث الهيدروجين منها.

الآن علينا التساؤل بجدية ومسؤولية: لما أطلقت فرنسا عمليتها العسكرية «عملية سيرفال أو القط المتوحش» في جمهورية مالي في  جانفي 2013 ؟

وللموضوع  متابعة لاحقة …