الأثرياء الجدد.. ظاهرة “غسل” المال الفاسد

تتعرض المجتمعات الإنسانية على اختلاف انتماءاتها، عقب كل أزمة أو ثورة أو حركة تغيير، إلى ما يعرف بالآثار الانشطارية أو النتائج الجانبية، والتي كثيرا ما تكون غير إيجابية ولا صحية، وذلك بالنسبة للأهداف المسطرة أو النتائج المرجوة من هذا الحراك أو ذاك.

يتجلى كل ذلك من خلال الشكل الجديد الذي تأخذه الخارطة الاجتماعية لتمركز الثروة وتوزيع العوائد وتقاسم الخيرات، حيث يتفاجأ الناس بظهور أغنياء جدد واختفاء الكثير من الأسماء الثرية، وصعود طبقات دنيا ونزول طبقات عليا وهكذا إلى أن يأخذ المجتمع وجها جديدا مغايرا تماما لملامحه القديمة.

يحدث هذا عندما ينفذ بعض موات الضمائر فاقدي الأخلاق إلى عمق دواليب السلطة وصناعة القرار، مستغلين في ذلك الفراغات التشريعية والتنافسية، وكذا الرقابية لبسط سلطانهم في زرع الفوضى وتعميم الضبابية على آليات التسيير وأدوات الحكم الراشد والديمقراطي، في إدارة شؤون الدولة ومصالح المجتمع، فيصبح مقياس الولاءات والانتماءات أعظم شأنا من معايير الكفاءة والنزاهة والأخلاق، لتتفاقم بذلك الأمراض الاجتماعية وتنهار القيم وتذوب المعايير ويتقلص سلطان القانون وتتقزم مؤسسات الدولة، فيتحول النظام الحاكم إلى مجرد عصابات مافياوية تستتر بالشرعية التاريخية حينا وبالشرعية الشعبية أحيانا أخرى.

فلا غرو إذا أن تصبح ظاهرة غسل الأموال أو تبييضها، بالنسبة لدول العالم الثالث، إحدى الموبقات التي تعيق وبشكل رهيب كل محاولات الانطلاق والتحرك لقاطرة التنمية والتطور. ذلك أن هشاشة البُنى الاقتصادية لهذه الدول تكون قد ساهمت إلى حد كبير في استشراء هذا الطاعون الآكل من موائد الجهل والتخلف وغياب الوعي وانهيار القيم وانعدام الإحساس بالمسؤولية والانتماء.. ونوائب أخرى لا حصر لها، إذ يكفي ما يتداول في الأوساط الفاعلة من مصطلحات ومفردات هجينة الأحرف مقلوبة المعاني لتبرير التجاوزات واستباحة المحرمات؛ فالرشوة صارت هدية والنهب أصبح تنافسا والاحتيال دهاء والسرقة شطارة.. وهلم جرا، إلى أن ينفرط العقد، فتتجاوز الأمور كل الحدود ويخرج الوضع عن السيطرة، فتتعرى المؤسسات الاقتصادية والمالية، وتفصح عن جرائم وفضائح تقدر بعشرات آلاف الملايير.

خلال إحدى جلساته الحوارية، ذكر سي “بلعيد عبد السلام” –رحمة الله عليه- أنه دعي كرئيس حكومة إلى المشاركة في أشغال منتدى برلين بألمانيا العام 1993م، حول محاربة تجارة المخدرات والأسلحة والاتجار بالبشر وبعض الممنوعات الأخرى -من منظور غربي طبعا-. قال، حاولت اغتنام الفرصة بأن قايضت الدول الأوروبية، موازاة مع ذلك، بالتوقيع على معاهدة دولية لمحاربة الرشوة وتهريب الأموال العمومية باتجاه الدول المتقدمة.. معللا موقفه ذاك بأن مشكلة المخدرات والأسلحة وتجارة البشر، لا تأتي في المقام الأول من المصائب التي تهدد اقتصاديات دول العالم الثالث، وإنما النهب والتبديد والتهريب والاختلاس.. هذه الموبقات التي تطال الأموال العمومية، هي المصيبة والطامة والكارثة.. ليُقابَل طرحه –طبعا- بالرفض من قبل الدول الكبرى، لأن المستفيد الأكبر من هذه الأموال هي بنوك هذه الدول واقتصادياتها.

ومع ظهور بؤر جديدة لتوظيف الأموال الفاسدة، والمسماة؛ الجنان الضريبية، والتي تنشط خارج مجال هيمنة الدول، وكذا استفادة قوى كبرى من هذه البؤر، أصبحت ظاهرة غسل الأموال تشكل خطرا كبيرا يهدد مصالح الدول، بالخصوص الدول الناشئة أو السائرة في طريق النمو، ويمس حتى بسيادتها وأمنها، وكذا ضرب استقرارها وزرع البلبلة والشكوك، ومن ثم يسهل تفجير الأزمات الاجتماعية، وضعضعة البرامج والاستراتيجيات المعدة والمرسومة من قبل هذه الدول للحفاظ على قدراتها وطاقاتها الاقتصادية.

ومن هنا، يمكن القول بأن المصيبة قد تعقدت، وصار من الحكمة بمكان التصدي لها في إطار إستراتيجية دولية شاملة، تأخذ بعين الاعتبار حقوق كل الأطراف وتصون مصالح الجميع، بعيدا عن سياسات الهيمنة والسيطرة والعدوانية الغربية. ولذا، فإن المراصد الاقتصادية والأمنية العالمية، لم يعد خفيا عليها تزايد ظاهرة غسيل الأموال وتفاقم تداعياتها، إلا أنها في كل مرة تدرجها ضمن باب مخاطر زحف العولمة، خاصة العولمة المالية والاقتصادية.

إن خطر إلغاء الرقابة على الصرف، وتحرير حركة دخول وخروج الأموال عبر الحدود الوطنية دون تحفظ ولا معرفة مسبقة من جانب السلطات، وكذا انفتاح الأسواق المالية المحلية أمام المستثمرين الأجانب، تكون فرصة أخرى لفتح قنوات إضافية لغسل الأموال الفاسدة.

كما أصبح من الضروري جدا، وقبل الدخول في حرب شاملة، وضع تعريف جامع شامل لهذه الظاهرة/الجريمة وتحديد أركانها. في هذا السياق، يجمع الكثير من المهتمين والمعنيين، على أن ظاهرة غسل الأموال وشرعنتها، هي تلك العمليات المتتابعة والمستمرة في محاولة إدخال الأموال القذرة الناتجة عن أنشطة خفية غير مشروعة؛ تجارة المخدرات، الاختلاسات، نهب الثروات الطبيعية المحمية، ثم تلك الأنشطة التي تمارس من خلال ما يسمى بالاقتصاد الخفي أو الاقتصاد الموازي لدورة النشاط الاقتصادي الرسمي أو الظاهر.. وذلك لإكسابها صفة شرعية عبر الجهاز المصرفي وأجهزة الوساطة المالية الأخرى.

من زاوية أخرى، يرى آخرون بأنها عملية يقوم من خلالها أصحاب رؤوس المال المكتسبة من نشاطات إجرامية غير قانونية، بنقل هذه الأموال من بلد المنشأ، أين مارسوا أنشطتهم المشبوهة عن طريق المبادلات التجارية والأنشطة الاقتصادية الحرة إلى بلد ثان، ثم يعيدونها إلى بلدانهم الأصلية، لكن هذه المرة بصفتها أموالا طاهرة مكتسبة عن طريق المتاجرة والاستثمار وبطرق شريفة ونزيهة.

مهما يكن من أمر، فإن هذه الظاهرة قد شاعت في العديد من بلدان العالم وصار لها مختصون خاصة في البلدان المتقدمة اقتصاديا، التي تمتلك شبكة واسعة من العلاقات الاقتصادية العالمية، يتمكنون من خلالها من إضفاء صفة الشرعية والنظافة على رؤوس أموال كثيرة قد جمعت بنشاطات غير قانونية كجرائم الإفلاس والرشوة والسرقة، وأخرى غير مشروعة كتجارة المخدرات والأسلحة، وأحيانا محرمة دوليا كتجارة الرقيق والأعضاء البشرية، وثمة جرائم أخرى كثيرة تدخل في هذا الإطار، وتحتاج عائداتها الى تبييض في الخارج لتعود الى بلد المنشأ ويتم توظيفها في استثمارات مختلفة على أنها أموال نظيفة مصدرها نشاط اقتصادي خارجي لا غبار عليه.

في بعض الدول يعمد الكثير من النشطاء المشبوهين من أجل تبييض أموالهم القذرة إلى وسائل متعددة، أهمها أسلوب الودائع المصرفية المجهولة الهوية. وهي أن يودع شخص أموالا غير نظيفة في شكل سندات لحاملها –بمعنى أنها لا تحمل اسم مالكها-، ثم يتقدم بطلب قرض من ذات البنك أو من غيره في حدود المبلغ المكتتب في السند، مقدما تلك السندات كضمان لذلك القرض، وبالتالي تتحول ودائعه المشبوهة إلى قروض نظيفة لا شبهة فيها.

في كثير من الدول التي يشيع فيها ما يطلق عليه تعريف الأسواق السوداء أو الاقتصاد الموازي، فإن أصحاب الأموال القذرة لا يجدون صعوبات كبيرة في توظيف أموالهم وتنظيفها، إلا أن آثار عمليات التوظيف هذه تكاد تتحدث عن نفسها من خلال بعض الأنشطة التجارية والصناعية؛ فالمستويات الخيالية التي بلغها سعر العقار  مثلا، يكاد يفضح نشاط أصحاب الأموال القذرة، هذا دون الحديث عن أنشطة الاستيراد والأسماء الوهمية والسجلات التجارية المستعارة، والتضخيم الفاحش للفواتير، وكذا بعض الصناعات والأنشطة الخدماتية، والتي كثيرا ما تخلف آثارا اقتصادية سلبية على الاقتصاد الوطني، والتي غالبا ما تتركز في تهديم وإفلاس الكثير من مؤسسات القطاع العام، وفي حصول هزات وانهيارات مالية على مستوى البنوك والمؤسسات المالية.

فمثلا عملية تدفق مبالغ ضخمة بصورة مفاجئة في الأسواق أو تبخرها، يفقد السلطات العمومية سيطرتها على السياسة المالية للبلد، ناهيك عن ما يلحق الاقتصاد الوطني من أضرار مادية ومعنوية، تتمثل بالأساس في الصورة المشوهة التي يصبح عليها، ثم ضعف العوائد الضريبية والمداخيل الجبائية، والأهم من كل ذلك؛ السمعة السيئة التي تلحق بالبلد وبمؤسساته الاقتصادية.

وعلى ما تم تبيانه، تكون الجزائر قد أعلنتها حربا لا هوادة فيها على كل أشكال الانحراف الاقتصادي والمالي، وبالخصوص هذه الظاهرة السرطانية العابرة للحدود والأعراف، وبالتالي فمعرفة خصائص عمليات غسيل الأموال تصبح مهمة جدا من أجل تشريح علمي وعملي للواقع الاجتماعي/الاقتصادي للبلد، خاصة بعدما أصبحت الجرائم الاقتصادية والمالية تدار بمساهمة خبراء مختصين على علم تام بقواعد الرقابة والإشراف في الدول، وما يوجد بها من ثغرات يمكن النفاذ منها.

إن احتدام المنافسة بين البنوك في ظل العولمة، يفسر تزايد عمليات غسيل الأموال جزئيا من خلال التسابق بين البنوك لجذب المزيد من العملاء وزيادة معدلات الأرباح، ويفضي إلى انتشار التهرب الضريبي وتنامي القروض سيئة السمعة التي تخفي وراءها الفساد والرشوة وسرقة أموال البنوك. وقد يساعد في كل ذلك تباين التشريعات وقواعد الإشراف والرقابة بين الدول المختلفة، مما يفتح المجال لوجود بعض التغييرات التي تستطيع أن تنفذ من خلالها هذه الأموال القذرة، خاصة وأن بعض الدول أصبحت تشجع عمليات غسيل الأموال، بإعلانها صراحة أنها على استعداد لتلقي الأموال مهما كان مصدرها وتقدم لها التسهيلات الممكنة.

المهم أنه لا بد من اتخاذ وسائل الحيطة والحذر، في تعامل البنوك مع الأنشطة المصرفية المختلفة، نظراً لان تركيز غاسلي الأموال يتم عبر القنوات المصرفية باعتبارها مرتعاً خصباً لتجارتهم، خصوصاً إذا ما وجدوا ثمة غفلة فيما يتعلق بالنظام الرقابي العام للدولة وعليه يجب كحد أدنى:

  • تبني مزيداً من الإجراءات الفاحصة لطرائق التسيير والعمل داخل البنوك.
  • التحقق من شخصية العميل خصوصاً الشركات والمؤسسات الأجنبية، مع عدم التفريط في أي معلومة مهما كان شأنها.
  • عدم قبول أي عميل يخفي معلومات سواء كان عن قصد أو عن غير قصد.
  • يجب الانتباه إلى أن المنظمات التي تعمل في غسيل الأموال، كثيرا ما تعمد إلى تغيير وتشتيت أنشطتها.
  • تقديم تقارير دورية حول نشاط البنك مع تحليل لها.

وللوقوف على حجم الأرقام الرهيبة، يكفي الإشارة إلى ما ورد في بعض التقديرات التي تلوح إلى أن حجم الأموال التي يجري غسلها في العالم، تقدر بما بين نصف تريليون وثلاثة تريليون دولار سنوياً، بينما ترفع تقديرات أخرى هذا الرقم إلى ما بين 1.5 تريليون و5 تريليون دولار سنويا، أي من خمسة إلى عشرة في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لجميع دول العالم.

إن ظاهرة غسل الأموال تضعف من قدرة السلطات والقيادات الاقتصادية على تنفيذ برامجها المالية وتحقيق أهدافها الكلية، فالتحويلات المالية الكبيرة والمكثفة في حركة رؤوس الأموال المغسولة تؤثر سلبا على أسواق المال ومستويات أسعار الصرف والفائدة، وتضعف الثقة في الاقتصاد الوطني، كما لا ينبغي أيضا إهمال دور غسل الأموال في الأنشطة الإرهابية والإجرامية والأخلاقية والاجتماعية والنفسية المرتبطة بها، بما في ذلك التأثير السلبي على عدالة توزيع الموارد والثروات ومستوى دخل الفرد، وما ينجم عنه من فرض القيم الفاسدة على المجتمع وحماية مصلحة فئة خارجة على القانون.

لا بد من الإشارة هنا إلى أن مفهومي غسيل الأموال وتبييض الأموال، وإن اختلفا في التعبير فإنهما يلتقيان في المضمون، وهو اللجوء إلى الطرق المختلفة من أساليب التحايل والخداع، من أجل إضفاء صفة الشرعية على الأموال المتحصل عليها من المصادر غير الشرعية، التي سبق الإشارة إلى بعض منها؛ مثل تجارة الرقيق والمخدرات وتجارة الأسلحة غير الشرعية والسرقات والأموال المتحصل عليها من الرشاوى والاختلاسات وغيرها.

في الختام لابد وأن نعرج على موقف الإسلام من هذه الظواهر المعاصرة، فقد حرم الله سبحانه وتعالى المال القذر، وأموال السحت والسرقة والاحتيال، ودعا إلى التجارة في المال الحر الخالي من أي دنس، والى تملك المال الحلال. فقد حرم تملك كل شيء من شأنه إيقاع الضرر بالنفس أو بالغير، كما حرم الاتجار به ودعا إلى الكسب الحلال وأمر به.. فتجارة المخدرات والرقيق والاتجار بالدعارة والقمار والأسلحة غير المشروعة، وهي المصادر غير الشرعية التي تدخل بها عملية غسل الأموال، كلها نهى الإسلام عنها، كما أجمع على ذلك علماء الأمة في أكثر من ملتقى وعلى أكثر من صعيد وبأكثر من لسان.