الخميس، 11 يونيو 2026 — 24 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

الأدوية عبر شبكات التواصل.. سوق موازية تهدد الأمن الصحي للمجتمع

Author
إيمان عبروس 02 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تعد الأدوية من أكثر المنتجات ارتباطا بصحة الإنسان وسلامته، ما يجعل تداولها خاضعا لضوابط قانونية ورقابية صارمة تضمن جودتها وفعاليتها، غير أن الانتشار الواسع للمنصات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي أفرز ظاهرة مقلقة تتمثل في عرض وبيع الأدوية عبر قنوات غير رسمية وخارج الشبكات الصيدلانية المعتمدة.

وقد أثار هذا الواقع مخاوف متزايدة بشأن سلامة المستهلك، في ظل صعوبة التحقق من مصدر هذه المنتجات وظروف حفظها وجودتها، الأمر الذي يطرح تساؤلات جدية حول مخاطر هذه الممارسات وسبل التصدي لها لحماية الصحة العمومية.

وتثير هذه الظاهرة مخاوف متزايدة لدى المختصين والمهنيين بالنظر إلى ما قد ينجر عنها من مخاطر صحية جسيمة، نتيجة تداول أدوية مجهولة المصدر أو مغشوشة أو مقلدة أو غير خاضعة لشروط الحفظ والتخزين المعتمدة.

كما تطرح تساؤلات جدية حول سبل حماية المستهلك، وتعزيز الرقابة في ظل اتساع الفضاء الرقمي، وتزايد عدد الصفحات والحسابات التي تستغل مواقع التواصل الاجتماعي للترويج لمنتجات صيدلانية بعيدا عن الرقابة الصحية والقانونية.

وفي هذا السياق، أكد الدكتور متيوي نور الدين، رئيس المجلس الوطني لأخلاقيات مهنة الصيادلة، في تصريح خص به “الأيام نيوز”، أن انتشار بيع الأدوية عبر شبكات التواصل الاجتماعي يشكل ظاهرة صحية مقلقة تستوجب التعامل معها بقدر كبير من الحزم واليقظة، بالنظر إلى انعكاساتها المباشرة على صحة المواطنين والأمن الصحي الوطني.

منصات التواصل تتحول إلى سوق موازية للدواء

يرى متيوي أن الفضاء الرقمي أصبح، خلال السنوات الأخيرة، مجالا خصبا لانتشار ممارسات غير قانونية مرتبطة بتسويق المنتجات الصيدلانية، حيث يتم عرض أدوية ومكملات ومواد علاجية عبر صفحات وحسابات مجهولة دون أي رقابة مهنية أو صحية.

وأوضح أن خطورة هذه الممارسات تكمن في خروجها الكامل عن المسار القانوني المعتمد لتداول الدواء، وهو ما يجعل المستهلك عرضة لاقتناء منتجات لا تتوفر فيها الضمانات الأساسية المتعلقة بالجودة والفعالية والسلامة.

وأشار إلى أن الدواء يختلف عن بقية السلع الاستهلاكية، باعتباره منتجا حساسا يرتبط مباشرة بصحة الإنسان، الأمر الذي يستوجب إخضاعه لمعايير صارمة في التصنيع والتخزين والنقل والتوزيع والتسويق.

مخاطر صحية متعددة تهدد المرضى

وحذر متيوي من أن بيع الأدوية عبر شبكات التواصل الاجتماعي يفتح المجال أمام تداول منتجات مجهولة المصدر أو مقلدة أو مغشوشة أو منتهية الصلاحية، فضلا عن أدوية قد تكون تعرضت لظروف حفظ غير مطابقة للمعايير الصحية.

وأكد أن استعمال مثل هذه المنتجات قد يؤدي إلى فشل العلاج أو تأخر الشفاء أو ظهور مضاعفات صحية خطيرة، كما قد يسبب تفاعلات دوائية غير متوقعة تهدد سلامة المرضى، خاصة بالنسبة للأشخاص المصابين بأمراض مزمنة أو الذين يخضعون لعلاجات دقيقة.

وأضاف أن غياب الرقابة على هذه المنتجات يجعل من الصعب التحقق من مكوناتها الحقيقية أو ظروف تصنيعها أو مدى مطابقتها للمعايير المعتمدة، وهو ما يضاعف حجم المخاطر المحتملة على المستهلك.

الرقابة الرقمية ضرورة لحماية الصحة العمومية

وأكد الدكتور متيوي أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب تعزيز آليات الرقابة والمكافحة عبر مختلف المستويات، بداية بالمراقبة المستمرة للمنصات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي التي تستغل في عرض وتسويق الأدوية بطريقة غير قانونية.

وأشار إلى أهمية غلق الصفحات والحسابات والمواقع الإلكترونية المتورطة في الترويج أو البيع غير المشروع للمنتجات الصيدلانية، باعتبارها إحدى الخطوات الأساسية للحد من انتشار هذه التجارة الموازية.

كما شدد على ضرورة تطوير آليات الرصد الإلكتروني التي تسمح بالكشف المبكر عن الأنشطة المشبوهة وتتبع مصادرها واتخاذ الإجراءات اللازمة ضد القائمين عليها.

تنسيق مؤسساتي لمواجهة الشبكات غير القانونية

ومن بين الإجراءات التي يراها ضرورية، دعا المتحدث إلى تعزيز التنسيق بين الوكالة الوطنية للمواد الصيدلانية ومصالح الأمن والعدالة والهيئات المختصة بمكافحة الجرائم الإلكترونية.

وأوضح أن فعالية مكافحة هذه الظاهرة تقتضي تضافر جهود مختلف المؤسسات المعنية من أجل رصد المخالفات، وتتبع مرتكبيها وتطبيق القوانين السارية بصرامة.

ويرى أن العمل المشترك، بين الجهات الصحية والأمنية والقضائية، يمثل أحد أهم مفاتيح النجاح في الحد من انتشار شبكات الاتجار غير المشروع بالدواء، وحماية السوق الوطنية من المنتجات المشبوهة.

عقوبات رادعة لحماية المنظومة الدوائية

وأكد الدكتور متيوي أن التصدي لهذه الظاهرة يمر أيضا عبر تطبيق عقوبات إدارية وتأديبية وجزائية رادعة ضد كل المتورطين في تسويق أو توزيع الأدوية خارج الأطر القانونية المعتمدة.

وأشار إلى أن الردع القانوني يشكل عاملا أساسيا للحد من الممارسات غير المشروعة وحماية المنظومة الصحية الوطنية من الاختراقات التي قد تمس سلامة الدواء وجودته.

كما يساهم تطبيق العقوبات في توجيه رسالة واضحة مفادها أن صحة المواطن تبقى أولوية لا تقبل المساومة أو الاستغلال التجاري.

التوعية.. خط دفاع أساسي للمستهلك

وبالتوازي مع الإجراءات الرقابية، شدد متيوي على أهمية تكثيف الحملات التحسيسية الموجهة للمواطنين حول مخاطر اقتناء الأدوية عبر قنوات غير معتمدة.

وأوضح أن رفع مستوى الوعي لدى المستهلك يساهم بشكل كبير في الحد من الطلب على هذه المنتجات، ويشجع المواطنين على اللجوء إلى المسارات القانونية الآمنة للحصول على العلاج.

وأكد أن الثقافة الصحية تمثل أحد أهم الأسلحة في مواجهة الظواهر المرتبطة بالغش والتضليل والتسويق غير المشروع للمنتجات الصيدلانية.

الصيدلي.. الحارس الأول لسلامة الدواء

وفي حديثه عن دور الصيدلي، أوضح المتحدث أن الصيدلي الممارس في الصيدلية يشكل خط الدفاع الأول في حماية المريض وضمان سلامة الدواء.

وأشار إلى أن من واجبات الصيدلي التبليغ الفوري عن أي نشاط مشبوه أو عروض غير قانونية تتعلق بالمنتجات الصيدلانية، فضلا عن توجيه المرضى وتوعيتهم بمخاطر شراء الأدوية من مصادر مجهولة.

وأضاف أن الدور التوعوي للصيدلي يكتسي أهمية كبيرة بالنظر إلى العلاقة المباشرة التي تربطه بالمواطنين، وقدرته على تقديم المعلومات الصحيحة والإرشادات اللازمة المتعلقة بالاستخدام الآمن للأدوية.

المدير التقني ومسؤولية ضمان الجودة

كما أبرز متيوي نور الدين، الدور المحوري الذي يضطلع به الصيدلي المدير التقني داخل المؤسسات الصيدلانية، باعتباره المسؤول عن ضمان احترام الأحكام القانونية والتنظيمية المتعلقة بتوزيع المنتجات الصيدلانية.

وأوضح أن من مهامه السهر على تطبيق إجراءات صارمة لضمان الجودة والتتبع، والتأكد من مطابقة جميع المنتجات المتداولة للمعايير المعتمدة.

وأكد أن هذه المسؤولية تشمل أيضا التأكد من عدم تسويق أي منتج غير مسجل أو غير حاصل على رخصة التسويق، مع اكتشاف أي محاولة لإدخال منتجات مقلدة أو غير مرخصة إلى السوق الوطنية والإبلاغ عنها.

مجلس أخلاقيات المهنة في مواجهة الظاهرة

وأشار المصرح إلى أن المجلس الوطني لأخلاقيات وتنظيم مهنة الصيدلة يواصل أداء دوره في توعية الصيادلة بالمخاطر المرتبطة بالاتجار غير المشروع بالأدوية.

كما يعمل على ترسيخ احترام أخلاقيات المهنة وقواعدها التنظيمية، وإبلاغ السلطات المختصة بكل الممارسات غير القانونية التي من شأنها المساس بسلامة الدواء أو الصحة العمومية.

وأكد أن حماية المنظومة الوطنية للدواء تستدعي مشاركة جميع الفاعلين، من مؤسسات وهيئات مهنية وممارسين ومواطنين، في إطار رؤية مشتركة تضع سلامة المريض فوق كل اعتبار.

الأمن الصحي مسؤولية جماعية

ويرى رئيس مجلس أخلاقيات مهنة الصيادلة، أن التوسع المتسارع للفضاء الرقمي يفرض تطوير أدوات الرقابة والتوعية بما يتماشى مع طبيعة التحديات الجديدة، فكلما تطورت وسائل التسويق الإلكتروني، ازدادت الحاجة إلى تعزيز الحماية القانونية والتقنية للمستهلكين.

ويؤكد أن حماية الصحة العمومية تقتضي اعتماد سياسة صارمة قائمة على اليقظة الدائمة والتطبيق الصارم للقوانين، مع ترسيخ ثقافة احترام المسار القانوني للدواء باعتباره الضمان الأساسي لوصول منتجات آمنة وفعالة وذات جودة إلى المواطن.

وفي ظل تنامي التجارة الرقمية وتعدد قنوات التسويق غير الرسمية، يبقى الرهان الأكبر هو تحقيق توازن بين الاستفادة من مزايا التحول الرقمي وحماية المجتمع من الممارسات التي قد تعرّض صحة المواطنين للخطر.

وهو ما يجعل من مكافحة بيع الأدوية عبر شبكات التواصل الاجتماعي مسؤولية جماعية تستدعي تضافر جهود السلطات العمومية والمهنيين ووسائل الإعلام والمجتمع المدني، من أجل الحفاظ على الأمن الصحي الوطني وتعزيز الثقة في المنظومة الدوائية.

Author إيمان عبروس
صحفية خريجة جامعة الجزائر 3 – كلية علوم الإعلام والاتصال. تهتم بالشأن الاقتصادي الصحي والاجتماعي