الإثنين، 07 سبتمبر 2026 — 23 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
حوارات

الأديبة الفلسطينية “نبيهة جبارين”: 35 عاما في ميدان التربية ولا أزال تلميذة في مدرسة الطفولة

Author
إيمان مصاروة 25 أغسطس 2026
X Facebook TikTok Instagram

“نبيهة جبارين”، شاعرة وأديبة فلسطينية كرست معظم أعمالها الإبداعية للأطفال: شعرا وقصصا. وهي قبل ذلك، متخصصة في مجال التربية، قضت أكثر من ثلاثة عقود في الميدان التربوي وتنشئة الأطفال، قالت: منحني الأطفال شهادة “طفلة كبيرة”، فلم أكن معلمة لهم فحسب، بل كنت تلميذة في مدرسة الطفولة.

في هذا الحوار، تكشف لنا “جبارين” بعض أسرار الكتابة للطفل، والفرق بينها وبين الكتابة للكبار، وكيف نوظف الأدب في تكوين فكر ووجدان الأطفال، وكيف نوطد علاقتهم بالكتاب، وموضوعات أخرى.

الأيام نيوز: بعد 35 عاما في ميدان التربية، ماذا تعلمتِ من الأطفال أكثر مما تعلموا هم منكِ؟ وهل ترين أن الطفل يربي المربي كما يربي المربي الطفل؟

نبيهة جبارين: بعد خمسة وثلاثين عاما في ميدان التربية أستطيع القول بثقة إن أكبر شهادة حصلت عليها لم تكن مهنية، بل إنسانية؛ فقد منحني الأطفال شهادة “طفلة كبيرة” لم أكن معلمة لهم فحسب، بل كنت تلميذة في مدرسة الطفولة بكل ما فيها من عفوية وصدق ودهشة.

لقد علمني الأطفال أن أنظر إلى العالم بعيون لم تُثقلها الأحكام المسبقة، وأن أُصغي إلى التفاصيل الصغيرة التي يصنع منها الكبار حياتهم ثم يغفلون عنها، ومن خلالهم أدركت أن التربية ليست عملية تلقين في اتجاه واحد وإنما حوار إنساني متبادل ينمو فيه المربي كما ينمو الطفل، حيث تركت هذه التجربة أثرا عميقا في شخصيتي.

“الإبداع الذي لا يترك أثرا في الوعي ولا يضيء زاوية في النفس يبقى مجرد صناعة لغوية مهما بلغت أناقتها”

وفي كتاباتي استلهمت من عالمهم كثيرا من الأفكار والرؤى والمواقف، ووسعت خبرتي في فهم النفس الطفولية، وآليات تفكيرها، وطريقتها الفريدة في اكتشاف الحياة. لذلك أؤمن أن الطفل يربي المربي بقدر ما يربيه المربي؛ فالعلاقة التربوية الحقيقية هي علاقة بناء متبادل، يُهذب فيها كل طرف الآخر، ويمنحه شيئا من إنسانيته.

الأيام نيوز: انطلقتِ من التعليم إلى الإبداع! ثم عاد الابداع ليخدم التربية! هل كانت الكتابة امتدادا لرسالتك التعليمية أم كانت محاولة لتعويض ما عجزت المدرسة عن قوله؟

نبيهة جبارين: لا أؤمن بوجود إبداع حقيقي يخلو من رسالة! فالإبداع الذي لا يترك أثرا في الوعي ولا يضيء زاوية في النفس يبقى مجرد صناعة لغوية مهما بلغت أناقتها، لذلك لم تكن الكتابة بالنسبة إلي خروجا من ميدان التربية بقدر ما كانت امتدادا طبيعيا له وبأدوات أكثر رحابة وحرية.

فالمدرسة تعلم ضمن حدود المنهج، أما الأدب فينفذ إلى ما هو أبعد من المناهج، ينفذ إلى الوجدان والخيال وبناء الإنسان من الداخل، لذلك وجدت في الكتابة مساحة أستطيع من خلالها أن أزرع القيم دون وعظ وأن أغرس المعرفة دون تلقين، وأقدم للطفل متعة جمالية تفتح عقله وقلبه في آن واحد، فأنا لا أكتب لألقن بل لأمنح الطفل تجربة يعيشها ليكتشف الحقيقة بنفسه.

الرسالة التربوية التي تُقدم مباشرة قد تُنسى، أما الرسالة التي تتخفى في حكاية جميلة أو شخصية محببة أو صورة آسرة، فإنها تستقر في الوجدان وتبقى أثرا طويل الأمد! لذلك أؤمن أن أجمل تربية هي تلك التي تأتي في ثوب الإبداع، وأصدق إبداع هو ما يجعل الطفل أكثر وعيا وإنسانية من غير أن يشعر أنه يتلقى درسا.

الأيام نيوز: يرى بعض النقاد أن أدب الطفل هو أصعب الأجناس الأدبية لأنه يخاطب عقلا يتكون ووجدانا يتشكل، ما الذي يجعل النص صالحا لأن يبقى في ذاكرة الطفل سنوات طويلة؟

نبيهة جبارين: أوافق هذا الرأي تماما: فأدب الطفل في تقديري هو الاختبار الأصعب لأي كاتب، لأنه لا يخاطب قارئا مكتمل التكوين، بل إنسانا تتشكل رؤيته للعالم، وتبنى قيمه الأولى، وتولد أسئلته الكبرى والطفل يقرأ بعينيه وبقلبه وحدسه، لذلك يرفض الزيف بسرعة فلا يمنح ثقته إلا للنص الصادق. والنص الذي يبقى في ذاكرة الطفل ليس الأكثر وعظا، بل الأكثر قدرة على ملامسة وجدانه وإثارة دهشته واحترام ذكائه.

“الغاية ليست أن يحفظ الطفل فكرة بقدر أن يعيشها ويصل إليها بإرادته”

الكاتب الحقيقي لا يكتب من فوق الطفل، بل ينزل إلى عالمه ويرى الأشياء بعينيه، ويصغي إلى أسئلته، ويتحدث بلغته دون أن يتخلى عن عمق الفكرة وجمال اللغة، فلا أفكر حين أكتب للطفل في تلقينه قيمة أو إعطاءه درسا مباشرا، بل أسعى إلى بناء تجربة جمالية وإنسانية يعيشها بنفسه.

أستلهم دهشته، وأستعير منطقه الطفولي، وأرافق خياله حتى أصل إلى عالمه الداخلي. هناك، تتسلل الفكرة في هدوء، وتستقر القيمة في أعماقه من غير أمر أو وعظ، فتتحول القراءة إلى أثر باق، لا إلى درس عابر. وأعتقد أن هذا هو سر الأدب الذي يبقى حيا في ذاكرة الطفل، حتى بعد أن يكبر.

الأيام نيوز: بين المعلومة والمتعة، وبين التربية والحرية، كيف تحققين التوازن حتى لا يتحول النص إلى درس مباشر يفقد جماله الأدبي؟

نبيهة جبارين: أؤمن أن اللحظة التي يتحول فيها النص الأدبي إلى درس مباشر يفقد جزءا كبيرا من روحه وجماله فالطفل لا يحب أن يملى عليه ما يفكر به، لكنه يعشق أن يكتشفه بنفسه، ولذلك أحرص على ألا أقدم المعلومة أو القيمة التربوية في صورة أوامر بل أجعلها تنبض داخل الحكاية، وتتشكل في سلوك الشخصيات وتختبئ بين الصور والأحداث والحوار.

فالغاية ليست أن يحفظ الطفل فكرة بقدر أن يعيشها ويصل إليها بإرادته، لأن ما يكتشفه الإنسان بنفسه يرسخ في وجدانه أكثر مما يلقن له لذلك أترك للطفل مساحة للتأمل والسؤال والاستنتاج، وأحترم حقه في أن يشارك في بناء المعنى دون أن يكون متلقيا سلبيا له.

إنني أرى أن الأدب يربي عندما يرفع إصبعه واعظا حيث يفتح نافذة للدهشة، ويوقظ الحس الإنساني ويمنح الطفل متعة القراءة أولا، فإذا خرج الطفل من النص وهو يشعر بالسعادة، ثم اكتشف واكتسب قيمة ومعرفة ورؤية جديدة فقد حقق الأدب رسالته بأرقى صورها، لأن أجمل القيم هي تلك التي تصل إلى القلب متخفية في ثوب الجمال.

الأيام نيوز: شغلتِ منصب اول مرشدة لأدب الأطفال في “لواء حيفا”. كيف تقيمين واقع أدب الطفل العربي اليوم؟ وهل تطورت الكتابة للطفل بالسرعة نفسها التي تطورت بها حاجات الطفل؟

نبيهة جبارين: لقد وضعتِ إصبعكِ على الجُرح.. ولامس هذا السؤال إحدى أكثر القضايا إلحاحا في المشهد الثقافي، فعندما توليت مهام أول مرشدة لأدب الأطفال في “لواء حيفا” كان عدد الكتاب محدودا، وكانت الأعمال تعرف بأسمائها وأصحابها لأن الكتابة للطفل آنذاك كانت تُبنى في معظمها على وعي برسالتها التربوية والأدبية وليس على منطق الإنتاج السريع.

فقد شهدنا توسعا كبيرا في عدد الإصدارات والكتاب، وهذا في حد ذاته مؤشر صحي لكنه لا يعني بالضرورة تطورا نوعيا، فالكم لا يصنع الجودة وكثرة الكتب لا تعني كثرة الأدب، لقد أصبح النشر أكثر سهولة وبالمقابل فإن الكتابة للطفل لم تصبح أسهل إنما ازدادت مسؤوليتها، لأن طفل اليوم أكثر وعيا وأكثر انفتاحا على العالم، وتنافِسُ الكتابَ وسائلُ رقمية شديدة الجاذبية والتأثير.

“الهاتف يمنح الطفل إجابات سريعة وصورا جاهزة، أما الكتاب فيمنحه فرصة التخيل ويعلمه الصبر”

وأرى أن المشكلة ليست في كثرة من يكتبون للطفل بل باعتقاد بعضهم أن الكتابة له هي أبسط أنواع الكتابة، بينما الحقيقة أنها من أكثرها تعقيدا، فالطفل لا يحتاج إلى نصوص تملأ رفوف المكتبات بل إلى نصوص تحترم عقله، وتغذي خياله، وتبني ذائقته الجمالية وتمنحه قيما إنسانية من خلال الفن.

ولا أعمم هذا الحكم فهناك كتاب ومبدعون يقدمون أعمالا رفيعة المستوى تستحق التقدير، لكنني أرى أن جزءا غير قليل من الإنتاج المعاصر بات يخضع لمنطق السوق، والسعي وراء الشهرة وسرعة النشر أكثر مما يخضع لمعايير الجودة الفنية والتربوية، لذلك فإن حاجات الطفل تطورت بوتيرة متسارعة، بينما لم تتطور الكتابة الموجهة إليه بالعمق والسرعة نفسيهما، وما نحتاجه اليوم مزيدا من الكتاب الذين يدركون أن الكتابة للطفل مسؤولية حضارية قبل أن تكون مشروعا للنشر.

الأيام نيوز: في زمن الشاشات والذكاء الاصطناعي، هل ما يزالَ الكتاب قادرا على منافسة الهاتف في تشكيل خيال الطفل، أم أننا بحاجة إلى إعادة تعريف مفهوم القراءة؟

نبيهة جبارين: للأسف الشديد لا شك أن الشاشات والذكاء الاصطناعي أحدثا تحولا جذريا في عالم الطفولة، ولم يعودا مجرد وسيلتين للترفيه بل أصبحا شريكين في تشكيل الوعي واللغة والخيال والقيم، وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها أو تجاهلها، لكن الخطأ لا يكمن في التكنولوجيا نفسها، وإنما في أن نسمح لها بأن تحل محل الكتاب لا أن تكون أداة مكملة له.

إن الهاتف يمنح الطفل إجابات سريعة وصورا جاهزة، أما الكتاب فيمنحه فرصة التخيل ويعلمه الصبر، ويشارك في بناء عالمه الداخلي، فالطفل الذي يشاهد قصة على الشاشة يتلقى الصور مكتملة بينما الطفل الذي يقرأها يرسم شخصياتها وأماكنها وأحداثها في خياله، وهنا تتكون القدرة على الإبداع والتأمل والتفكير النقدي. لذلك لا أرى أن القضية هي منافسة بين الكتاب والهاتف، بل بين ثقافة الاستهلاك السريع وثقافة البناء العميق! وإذا خسر الكتاب هذه المعركة سنفقد إحدى أهم الأدوات التي تُنمي الوجدان واللغة والخيال.

ورغم كل ما حققته التقنيات الحديثة من تطور لا أزال أؤمن أن الكتاب سيبقى المرجع الأعمق في تكوين الإنسان، فالعلاقة بين القارئ والكتاب ليست علاقة معلومات فقط بل علاقة وجدانية وحسية تبدأ من لحظة احتضان الكتاب وتقليب صفحاته، واستنشاق رائحة الورق، وتنتهي بأثر يبقى في الذاكرة طويلا.، إن هذه التجربة الإنسانية المتكاملة لا تستطيع أي شاشة مهما بلغت من الذكاء أن تحل محلها أو تعوضها بالكامل.

الأيام نيوز: كتبتِ أكثر من أربعين كتابا للأطفال واليافعين، هل تكتبين انطلاقا من رؤية تربوية مسبقة، أم أن الفكرة الأدبية هي التي تقودك ثم تأتي الرسالة تلقائيا؟

نبيهة جبارين: أعتقد أن الفكرة الأدبية هي التي تقودني أولا فلا أجلس إلى الكتابة وفي ذهني درس أريد تلقينه، لأن الأدب الذي يولد من نية الوعظ يفقد كثيرا من سحره، وما يجذبني في البداية هو الحكاية، أو الشخصية، أو سؤال يثير فضولي، فأمنحه حياة فنية تليق بعالم الطفل.

ولأنني ابنة الميدان التربوي، وقد عشت مع الأطفال عقودا طويلة، فإن الرؤية التربوية لا تغيب عن النص بل تتغلغل فيه بصورة طبيعية، حتى أصبحت جزءا من تكويني الفكري والإبداعي، إنها لا تفرض على الحكاية وإنما تنمو معها كما تنمو الروح في الجسد.

“ّالمكان في قصصي يحمل ذاكرة وثقافة وهوية، وليس مجرد إطار للأحداث”

لهذا أسعى دائما إلى أن أغرس القيمة داخل النسيج الفني للنص، فإذا انتهى الطفل من القراءة وهو يشعر أنه عاش مغامرة جميلة، أو ضحك، أو تأمل، ثم اكتشف بعد ذلك أنه اكتسب قيمة أو فكرة أو موقفا إنسانيا، فأنا أعد أن النص قد حقق رسالته، فالأدب الحقيقي لا يلقي الدروس بقدر ما يصنع الوعي، ولا يوجه الطفل بأوامر إنما يقوده إلى الاكتشاف، وهذا في نظري هو جوهر الكتابة للطفل.

الأيام نيوز: كثير من أعمالك تستلهم الطبيعة والقرية والبيئة الفلسطينية، هل ترين أن المكان في أدب الأطفال عنصر جمالي فقط أم هو أداة لبناء الهُوية والانتماء؟

نبيهة جبارين: لا أنظر إلى المكان في أدب الأطفال بوصفه خلفية للأحداث أو عنصرا جماليا يزين النص، فأنا أراه أحد أهم مكونات بناء الهوية، فالطفل لا ينتمي إلى وطن لم يتعرف إلى ملامحه، ولا يحب أرضا لم يعشها في خياله قبل أن يراها في الواقع.

لذلك أحرص أن تكون القرية الفلسطينية، والحقول، وأشجار الزيتون، والينابيع، والطيور، والأزقة، والبيوت القديمة، جزءا حيا من عالم قصصي، لأنني أؤمن أن الأدب هو الوسيلة الأجمل لترسيخ الانتماء، فأنا لا أقول للطفل: “أحب وطنك”، بل أجعله يحب الوطن من خلال الحكاية فيتعلق بأمكنته، ويأنس بطبيعته، ويشعر أن هذا المكان يشبهه وينتمي إليه.

إن المكان في قصصي يحمل ذاكرة وثقافة وهوية، وليس مجرد إطار للأحداث! فحين يرتبط الطفل وجدانيا بمكانه يصبح الحفاظ عليه والدفاع عنه سلوكا نابعا من القناعة لا من التوجيه، لذلك أؤمن أن أدب الطفل يسهم في بناء الإنسان قبل أن يبني القارئ، وأن غرس بذور الانتماء في سنوات الطفولة الأولى هو أحد أعظم الاستثمارات في مستقبل الوطن.

الأيام نيوز: كيف يمكن لأدب الطفل أن يحمي الهُوية الوطنية والثقافية في ظل العولمة المتسارعة، دون أن يتحول إلى خطاب مباشر أو شعارات؟

نبيهة جبارين: أعتقد أن حماية الهوية الوطنية والثقافية لا تتحقق بالشعارات فالأدب الذي يرفع صوته بالوعظ المباشر يفقد تأثيره سريعا، أما الأدب الذي يبدع عالما جميلا ويحبب الطفل بلغته وأرضه، وتاريخه، وقيمه، فإنه يرسخ الهوية في أعماقه من غير أن يشعر.

“أزمة الطفل المعاصر لم تعد أزمة معرفة بقدر ما أصبحت أزمة علاقة”

إن أدب الطفل هو أدب أولا وأخيرا، وإذا فقد شروطه الجمالية تحول إلى خطاب تعليمي أو منشور توعوي ولم يعد قادرا على أسر خيال الطفل أو كسب وجدانه، لذلك فإنني أؤمن بأن الهوية تبنى بالتجربة الجمالية حين يرى الطفل نفسه في شخصيات القصة، ويسمع لغته، ويتجول في قراه، ويتنفس رائحة حقوله، ويتفاعل مع قيم مجتمعه في سياق فني مشوق.

وفي زمن العولمة لا تكون المواجهة برفض الآخر وإنما بتعميق معرفة الطفل بذاته! فالطفل الواثق من لغته وثقافته وتاريخه هو الأقدر على الانفتاح على العالم دون أن يذوب فيه، ومن هنا تصبح القصة وسيلة لبناء الوعي والانتماء عبر الجمال، لأن ما يصل إلى العقل بالموعظة قد ينسى، أما ما يصل إلى القلب بالفن فيبقى حيا في الذاكرة، ويغدو جزءا من شخصية الإنسان.

الأيام نيوز: نلاحظ حضور الأسرة والجَد والجـدة والأم في عدد كبير من أعمالك! هل ترين ان أزمة الطفل المعاصر هي في فقدان العلاقات الإنسانية أكثر من فقدان المعرفة.

نبيهة جبارين: أعتقد أن أزمة الطفل المعاصر لم تعد أزمة معرفة بقدر ما أصبحت أزمة علاقة، فنحن نعيش في عصر تتدفق فيه المعلومات بلا حدود، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الطفل ينمو في بيئة أكثر دفئا أو أكثر تماسكا.

لقد قربتنا التكنولوجيا من الشاشات، لكنها في كثير من الأحيان أبعدتنا عن الإنسان، ولهذا يتكرر حضور الأسرة، والأم، والجد، والجدة في أعمالي، لأنني أؤمن أن الأسرة هي المدرسة الأولى لتكوين الوجدان، ومنها يتعلم الطفل الحب، والحوار، والرحمة، والانتماء، فالطفل الذي كان يصغي إلى حكايات جدته، ويجد الطمأنينة في حضن أمه، ويكتسب القيم من سلوك والديه بات يقضي جزءا كبيرا من يومه مع أجهزة لا تمنحه الدفء الإنساني ولا تستطيع أن تعوض العلاقة الحية مهما بلغت من التطور.

“الأطفال ينسجمون ويتعاطفون جدا مع شخصيات القصة، فتصل السلوكيات والمبادئ والقيم إليهم بشكل مخفي وراء السطور والكلام”

ولا أدعو إلى رفض التكنولوجيا فهي أصبحت جزءا من حياتنا، لكنني أرفض أن تحل محل الأسرة في التربية، أو أن تصبح المصدر الأول الذي يشكل وجدان الطفل وقيمه، لذلك أحرص في قصصي على إعادة الاعتبار للعلاقات الإنسانية داخل الأسرة، لا بوصفها حنينا إلى الماضي، خاصة أنها الركيزة التي تُبنى عليها شخصية الطفل المتوازنة، والقادرة على أن تحب ذاتها، وأسرتها، ومجتمعها، ووطنها.

الأيام نيوز: شاركتِ في إعداد مناهج الطفولة المبكرة، برأيك اين تنتهي حدود المنهج المدرسي، وأين تبدأ مسؤولية الأدب في بناء الإنسان؟

نبيهة جبارين: برأيي تنتهي حدود المنهج المدرسي عندما يقتصر على نقل المعرفة دون أن يرسخ منظومة القيم والهوية، أما الأدب فتبدأ رسالته حيث يعجز المنهج؛ إذ يتولى بناء الوعي وصقل الشخصية، وتعميق الانتماء الديني والقومي والوطني، وتنمية الحس الإنساني والأخلاقي ليسهم في إعداد إنسان متوازن الفكر راسخ الهوية، وقادر على أداء دوره بإيجابية ومسؤولية في مجتمعه.

الأيام نيوز: هل تؤمنين أن القراءة المبكرة قادرة على الحد من العنف والتنمر وتعزيز الذكاء العاطفي لدى الأطفال؟ وما التجارب التي اقنعتكِ بذلك؟

نبيهة جبارين: نعم! إن القراءة المبكرة أو القصة المحكية لها دور إيجابي وفعال في الحد من العنف والتنمر، وتعزيز الذكاء العاطفي لدى الطفل.. فالأطفال ينسجمون ويتعاطفون جدا مع شخصيات القصة التي تُقرأ أو تُحكى لهم، أو التي يقرؤونها.. بشكل تلقائي ودون برمجة السلوكيات والمبادئ والقِيَم التي تمر خلال مجريات القصة بشكل مخفي وراء السطور، أو الكلام.

ولي تجربة في هذا المجال، فقد كان أحد الأطفال في إحدى سنوات عملي أسمر بشكل لافت، وفي فترة أخرى كانت إحدى البنات تعاني من مشاكل في جلدة الرأس مما يؤثر على نمو شعرها وشكله وإمكانية ترتيبه، فكان الأطفال يبتعدون عنهما ولا يتقبلون التقرب والتعامل معهما.

ودون أن أذكر المشاكل بشكل مباشر، كنت أستقبل كلا منهما عند الباب، وأتقصد أن أجلس بجانبه عند قراءة القصة، أو أي فعالية جماعية أخرى، وألفتُ قصة شفوية تعالج مشكلة الطفل: “طفل وقع على الأرض بعد أن علقت رجله في مشبك حديدي ولم يستطع أن يخرجها، وصار يبكي، والأطفال يضحكون وإن جربوا لا ينجحون، حتى جاء طفل يكسو جسمه ووجهه شعر كثيف أسود كان يبتعد عنه زملاؤه ولا يشاركونه اللعب. فتقدم ونجح في مساعدة الطفل العالق لأنه يتمتع بقوة كافية، فأصبح صديقا له، ثم أصبح الأطفال جميعهم أصدقاءه”.

الأيام نيوز: حصلتِ على جوائز عديدة، كان آخرها جائزة “مَجمع اللغة العربية”. ماذا تمثل الجائزة للمبدع؟ هل هي تتويج للماضي، أم مسؤولية تجاه المستقبل؟

نبيهة جبارين: أسعدتني هذه الجائزة في بعدها المعنوي أكثر بكثير من قيمتها المادية لأنها تمثل اعترافا مؤسسيا بقيمة الجهد العلمي والأدبي، وتؤكد أن الإبداع الجاد والإخلاص للكلمة لا يزالان يجدان من يقدرهما ويحتفي بهما.

هذا في تقديري هو أسمى أشكال التكريم، فالجائزة ليست تتويجا لمسيرة مضت فحسب بل هي شهادة ثقة ومسؤولية أخلاقية ومعرفية تدفع المبدع إلى أن يكون أكثر وعيا بما يكتب وأكثر التزاما بما يقدمه، إنها تعكس تقدير “مجمع اللغة العربية” لما أنجزتُه، وفي الوقت نفسه، تضع على عاتقي مسؤولية مضاعفة لمواصلة العطاء والارتقاء بالمنجز الأدبي والعلمي بما يليق بثقة هذه المؤسسة العريقة وبالقارئ الذي ينتظر دائما ما هو أجود وأعمق.

الأيام نيوز: كتابك البحثي؛ “بين الحاء والباء” يعكس اهتماما باللغة، بينما كتب الأطفال تعكس اهتماما بالخيال، كيف تلتقي اللغة العلمية مع اللغة الإبداعية في مشروعك الثقافي؟

نبيهة جبارين: إن لم تكن اللغة مطواعا لقلم الكاتب فليس هناك إبداع. فالكتابة للبالغين تسبر أغوار اللغة، وتنمنمها بلقطات بيانية وبلاغية تلائم الفكرة، وترتقي بها إلى أعلى المستويات التعبيرية، فيتمتع القارئ باللغة والفكرة بمستواه الفكري والعلمي.

“التربية على حب المكان هي الخطوة الأولى في بناء الانتماء للوطن بكل أبعاده الحضارية والإنسانية”

أما الكتابة للأطفال فهي تحتاج إلى الكثير من الحرص في انتقاء المفردات المعبرة والملائمة لمستواهم الفكري واللغوي.. وحملهم على أجنحة الخيال.. فلا أُثقل عليهم في فهمها والتفاعل معها، مع الحرص على نقاء المشاعر في إتاحة الفرصة لامتصاص القيمة التربوية بلطف، كما تمتص الزهرة قطرات الندى.

الأيام نيوز: في ديوان “عيون القدس”، حضرت المدينة رمزا شعريا، وفي قصص الأطفال حضرت القرية والطبيعة! كيف توفقين بين الهَم الوطني والهم التربوي؟

نبيهة جبارين: أؤمن بأن الهم الوطني والهم التربوي ليسا مسارين متوازيين، بل هو مشروع ثقافي واحد تتكامل فيه الرؤية وتتنوع أدوات التعبير، ففي ديوان “عيون القدس” سعيت إلى استعادة الذاكرة الحضارية لمدننا الفلسطينية، وإبراز ما تختزنه من تاريخ عريق، ومعالمَ شاهدة على عمق الهوية وأصالتها، إيمانا بأن الوعي بالوطن يبدأ من معرفة تاريخه والاعتزاز بإرثه الحضاري فتتجدد في النفس مشاعر الانتماء والمسؤولية تجاهه.

وانطلقت في قصص الأطفال من العالم الأقرب إلى وجدان الطفل من القرية، والطبيعة، وفضاءات الطفولة الأولى، لأن الانتماء لا يلقن إنما يبنى عبر التجربة والذاكرة والعلاقة الحميمة بالمكان، وحين ينمو الطفل وهو يحمل في وجدانه صور الحقول والأشجار والأزقة وملامح بيئته الأولى، فإن هذا الارتباط الوجداني يتحول مع الزمن إلى وعي وطني راسخ، وإلى محبة صادقة للأرض والإنسان، لذلك أرى أن التربية على حب المكان هي الخطوة الأولى في بناء الانتماء للوطن بكل أبعاده الحضارية والإنسانية.

الأيام نيوز: في مجموعتك “نواطير” للقصة القصيرة جدا، انتقلتِ إلى جنس أدبي مختلف! ماذا أضاف هذا الفن إلى تجربتك، وما الذي لا تستطيع القصة القصيرة جدا قوله مقارنة بقصة الطفل؟

نبيهة جبارين: مثل كتاب “نواطير” تجربة مختلفة في مسيرتي الإبداعية، فقد سعيت من خلال القصة القصيرة جدا إلى تكثيف المعنى واختزال الحدث، وبناء دلالة واسعة بأقل قدر من الكلمات إيمانا بأن النص الموجز قادر إذا أحسن بناؤه، على أن يفتح آفاقا واسعة للتأويل والتفكير.

كما أرى أن هذا الجنس الأدبي ينسجم مع إيقاع العصر ويستجيب لذائقة قارئ يبحث عن نص مكثف لا يفقد عمقه رغم قصره، غير أن القصة القصيرة جدا بطبيعتها لا تحتمل الامتداد في رسم الشخصيات أو بناء المشاهد والتفاصيل، بل تعتمد على الإيحاء والاقتصاد اللغوي وتترك مساحة كبيرة للقارئ كي يشارك في إنتاج المعنى.

“أدب الطفل ليس جنسا أدبيا سهلا أو هامشيا، بل هو من أصعب أشكال الكتابة لأنه يخاطب العقل في طور التكوين”

أما قصة الطفل فلها خصوصيتها الفنية والتربوية فهي تحتاج إلى بناء حكائي أكثر اتساعا، وشخصيات واضحة، وأحداث متدرجة، وتفاصيل تنسجم مع عالم الطفل الإدراكي والوجداني، فتساعده على التفاعل مع النص والتماهي مع شخصياته، واستيعاب رسالته! فإن اختلاف الجنسين الأدبيين يعود إلى الشكل والمتلقي وخصائصه العمرية والمعرفية، ومستوى قدرته على التأويل واستخلاص الدلالات الكامنة وراء النص.

الأيام نيوز: مِن خلال لقاءاتك التطوعية مع الطلاب وأولياء الأمور، ما أكثر سؤال يطرحه الأطفال اليوم ويكشف حجم التحول الذي يعيشه هذا الجيل؟

نبيهة جبارين: من خلال لقاءاتي التطوعية مع الأطفال وأولياء الأمور، يتكرر سؤالان يكادان يكونان الأكثر حضورا: كيف بدأتِ الكتابة؟ ومن أين تولد الأفكار؟ وعندما أخبرهم أن علاقتي بالكتاب بدأت منذ الطفولة، وأن القراءة كانت ولا تزال الرفيق الأقرب الذي غذّى الخيال، ووسّع الأفق، وأمدّني بمادة الإبداع، أجد في دهشتهم ما يكشف عن تحول ثقافي عميق. فكثير منهم يستغرب أن يبقى الكتاب حاضرا في حياة الإنسان حتى اليوم، وهذه الدهشة تحمل دلالة مقلقة، لأنها تشير إلى اتساع الفجوة بين الأجيال والكتاب، وإلى تراجع ثقافة القراءة أمام هيمنة الوسائط الرقمية وإيقاعها المتسارع.

لقد أصبح الهاتف الذكي والشاشات مصدر المعرفة والترفيه الأول لدى كثير من الأطفال، بينما تراجع الكتاب إلى هامش اهتماماتهم. ومن هنا أرى أن مسؤوليتنا لا تتوقف عند تشجيع الأطفال على القراءة، بل تمتد إلى إعادة بناء علاقتهم بالكتاب بوصفه أداة لتكوين الوعي، وتنمية الخيال، وصناعة الشخصية، وليس وسيلة لاكتساب المعلومات فقط.

الأيام نيوز: هل تعتقدين أن مؤسساتنا الثقافية والتعليمية منحت أدب الطفل المكانة التي يستحقها، أم لا يزال يُنظر إليه بوصفه أدبا هامشيا؟

نبيهة جبارين: أعتقد أن أدب الطفل شهد في مرحلة من المراحل اهتماما متزايدا من بعض المؤسسات الثقافية والتربوية، وكان ذلك تطورا إيجابيا أسهم في إبراز قيمته بوصفه ركيزة أساسية في بناء وعي الأجيال، غير أن هذا الاهتمام مع مرور الوقت لم يواكبه تأسيس معايير نقدية وتربوية واضحة تضبط جودة ما ينتج للأطفال، فتحول هذا المجال لدى بعض الجهات إلى مساحة مفتوحة للنشر والتسويق أكثر من كونه مشروعا ثقافيا وتربويا.

إن أدب الطفل ليس جنسا أدبيا سهلا أو هامشيا بل هو من أصعب أشكال الكتابة لأنه يخاطب العقل في طور التكوين، ويسهم في بناء القيم واللغة والخيال والذائقة، ولذلك فإن خطورته تكمن في أثره البعيد لا في حجمه أو بساطة لغته. إنني أرى أن هذا الأدب لا يزال بحاجة إلى رعاية مؤسسية أكثر عمقا وإلى لجان متخصصة تضع معايير علمية وأدبية وتربوية حتى يبقى الكتاب الموجه إلى الطفل أداة لبناء الإنسان، لا مجرد منتج يخضع لقوانين السوق أو وسيلة لتحقيق الشهرة والربح.

الأيام نيوز: كيف تنظرين إلى العلاقة بين الكاتب ورسام كتب الأطفال؟ وهل يمكن للرسم أن يغير تأويل النص، أو يضيف إليه طبقة جديدة من المعنى؟

نبيهة جبارين: أرى أن العلاقة بين كاتب أدب الطفل ورسام الكتاب ليست علاقة مهنية بل هي شراكة إبداعية تقوم على التكامل في بناء التجربة الجمالية والمعرفية للطفل، فالطفل في مراحله الأولى يتلقى العالم بعينيه قبل أن يتلقاه بالكلمات ولذلك لا يقل الرسم أهمية عن النص، إنما يشكل معه خطابا واحدا تتكامل فيه اللغة مع الصورة.

“أتعامل مع الطفل بوصفه إنسانا كامل الأهلية في التلقي والفهم”

ولا ينبغي أن يكون الرسم مجرد ترجمة بصرية لما يقوله النص، بل أن يضيف إليه أبعادا دلالية وجمالية جديدة، وأن يفتح أمام الطفل آفاقا أوسع للتأمل والتخيل، فالصورة المبدعة قادرة على توسيع دائرة التأويل، وإثارة الأسئلة، وإغناء التجربة القرائية، بحيث يصبح الكتاب وحدة فنية متكاملة يتعانق فيها النص والرسم لإنتاج معنى أكثر عمقا وتأثيرا، فإن نجاح كتاب الطفل لا يتحقق بإبداع الكاتب وحده أو الرسام وحده، وإنما بانسجام رؤيتيهما في خدمة عالم الطفل ووعيه وخياله.

الأيام نيوز: ما الصفات التي ينبغي أن يمتلكها كاتب أدب الأطفال قبل أن يمتلك أدوات الكتابة؟ وهل تكفي الموهبة وحدها؟

نبيهة جبارين: قبل أدوات الكتابة، يحتاج كاتب أدب الأطفال إلى صفات أساسية، في مقدمتها محبة الأطفال والطفولة، واحترام الطفل وعقله وقدراته، والوفاء لهذا الجيل والعمل على إفادته تربويا وتعليميا وثقافيا. وينبغي أن يكون العمل مثريا للطفل عاطفيا ومعلوماتيا وأدبيا، من خلال تحبيبه باللغة الأدبية عبر الوصف والتعبير، إلى جانب اعتماد أسلوب سلس يجذب انتباه الطفل إلى الإصغاء والإفادة مما يسمع أو يقرأ.

والموهبة وحدها لا تكفي، لأن الكتابة للأطفال لها أساليبها وقوانينها التي تتلاءم مع الجيل والقدرات العقلية والحالة النفسية والاجتماعية. لذلك على كاتب أدب الأطفال أن يكون مطلعا على هذه الأطر الخاصة.

إن كاتب أدب الأطفال يحتاج، قبل امتلاك أدوات الكتابة، إلى امتلاك منظومة من القيم والصفات الإنسانية والفكرية التي تؤهله للتعامل مع الطفل بوصفه إنسانا كامل الأهلية في التلقي والفهم. وفي مقدمة هذه الصفات تأتي محبة الطفولة والإيمان بقيمتها، واحترام الطفل وعقله وقدرته على التفكير والتخيل، إلى جانب الشعور بالمسؤولية تجاه بناء وعيه وتنمية شخصيته معرفيا وتربويا وثقافيا.

كما ينبغي أن يحرص الكاتب على تقديم نصوص تثري الطفل وجدانيا وفكريا وجماليا، فتُوسع مداركه، وتُنمي خياله، وتُعزز صلته باللغة العربية من خلال أسلوب أدبي رشيق، واضح، وجاذب، يراعي خصائص المرحلة العمرية ويحفز الطفل على القراءة والتأمل.

أما الموهبة فتمثل نقطة الانطلاق لكنها لا تكفي وحدها، فالكتابة للطفل ليست فعلا عفويا، بل هي مجال أدبي وتربوي له أسسه الفنية والنفسية والتربوية، ويتطلب معرفة بخصائص النمو، وطرائق التلقي، ومستويات الإدراك واللغة لدى الأطفال لذلك فإن نجاح كاتب أدب الأطفال يتحقق من خلال تكامل الموهبة مع المعرفة المتخصصة والخبرة والاطلاع المستمر على مستجدات أدب الطفل واحتياجاته المتغيرة.

الأيام نيوز: إذا طُلبَ منك اليوم إعادة كتابة أول كتاب نشرتِهِ، فما الذي ستغيرينه في رؤيتك الفنية أو التربوية بعد كل هذه الخبرة؟

نبيهة جبارين: لو طُلب مني اليوم إعادة كتابة أول كتاب نشرته للأطفال فلن أغير فيه حرفا.. لأنني كتبته بحبر المحبة والوفاء والانتماء لهذا الجيل. فأنا بطبعي أحب الطفولة والأطفال، وقد انتشر هذا الكتاب منذ اول إصدار له وحتى يومنا هذا في كل أنحاء البلاد لجيل (روضة – بستان)، ولُحنَ وغناه الأطفال بكل محبة ومتعة.

هذا الكتاب هو “أنشودة الصباح” الذي وُزع على الروضات والبساتين في كل أنحاء البلاد مرتين ضمن مشرع “الفانوس للمطالعة”، وذلك للمرة الأولى منذ بدء العمل بهذا المشروع. وكذلك كتاب آخر تم توزيعه مرتين بعنوان: “يا طير الطاير” وهو عبارة عن رحلة في جميع أرجاء الوطن وزيارة بعض المدن والقرى مع التعرف على المعالم التي تشتهر بها.

الحمد لله، فأنا أكتب للأطفال من أجل الاطفال أولا ومن أجل المتعة والإفادة التعليمية والتربوية والأدبية، ولا أنتظر مقابلا.. بل حبا بالطفولة والاطفال.

الأيام نيوز: ما القضية التي لا تزال تؤرقك، وتشعرين أنكِ لم تعبري عنها بعد، رغم هذا الرصيد الكبير من المؤلفات؟

نبيهة جبارين: القضية التي لعلها تؤرقني هي بعض السلوكيات الاجتماعية السلبية.. ولكنني لا أريد تحويل القصة إلى درس تعليمي، كما أنني لا أريد لفت انتباه الاطفال إلى هذا المجال الذي يمكن أن يؤذي نفسيتهم ويمنع عنهم متعة القصة والقراءة.

الأيام نيوز: كيف تحلمين أن يتذكركِ أطفال اليوم بعد عشرين أو ثلاثين عاما؟ ككاتبة قصص، أم كمربية، أم كإنسانة تركت أثرا في وجدانهم؟

نبيهة جبارين: أحلم أن يتذكرني أطفال اليوم بعد عشرين أو ثلاثين عاما كإنسانة تحلت بالإنسانية في كتاباتها، وفي عملها كمربية أطفال.. لأن الكتاب ممكن أن يُهمَل أو يُنسى، والعمل مع الأطفال يمكن أن يُنسى ولا يُحفظ الأثر الطيب.. إلا إذا كانت الإنسانية عنوانا للكاتب وللمربي، فالإنسانية تجعله حاضرا مع ترددات الصوت على أول صفحات الذكريات.

الأيام نيوز: لو أردتِ أن توجهي رسالة واحدة إلى كل معلم وكل ولي أمر تختصر خلاصة رحلتكِ التربوية والأدبية، فماذا ستكون؟

نبيهة جبارين: رسالتي إلى كل معلم وكل ولي أمر أن يتذكرا دائما أن الطفل ليس مشروعا للإنجاز فحسب، بل هو إنسان يتشكل وجدانه قبل معارفه. امنحوه الاحترام قبل التوجيه، والإصغاء قبل إصدار الأحكام، واتركوا له مساحة ليعيش طفولته بكل ما فيها من براءة ودهشة واكتشاف.

ربوا أبناءكم بالقدوة الصالحة أكثر من الأوامر، فالسلوك الصادق أبلغ أثرا من آلاف النصائح. وازرعوا في نفوسهم حب الفضيلة، والقراءة، والحوار، والانتماء، حتى يتكونوا أفرادا واثقين بأنفسهم، قادرين على التفكير والإبداع. وأتمنى أن يصبح البيت والمدرسة فضاءين متكاملين يحتضنان الطفل بالمحبة والأمان، فيشتاق إليهما كل صباح، ويشعر أنه ينتقل بين عالمين يمنحانه المعرفة والطمأنينة معا، لا بين مكانين يثقلان روحه بالخوف أو الضغط.

الأيام نيوز: أخيرا، بعد هذه المسيرة الممتدة بين التربية والأدب والبحث، هل تشعرين أن رسالتكِ قد اكتملت، أم أن المبدع الحقيقي يبقى مؤمنا بأن أجمل كتبه لم يُكتب بعد؟

نبيهة جبارين: نعم، فبعد هذه المسيرة الطويلة بين التربية والأدب والبحث، فإنني لا أزالُ أشعر أن رسالتي لم تكتمل بعد، وأن أجمل كتبي لم أكتبه بعد. فإنني أحب أن أعطي أكثر وأكثر.. وأن ما أحلم بكتابته أجمل وأكثر تأثيرا وإمتاعا وفائدة.. (وأسأل الله أن يقدرني على تحقيق ذلك).

Author إيمان مصاروة
كاتبة من الجليل – الناصرة – فلسطين