الإثنين، 07 سبتمبر 2026 — 23 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
حوارات

الأديبة والأكاديمية “ليندة شويتن”: الواقع وحده يفتقر إلى السحر والأفكار تأتيني على شكل “إشراقات”

Author
ردوان كريم 19 أغسطس 2026
X Facebook TikTok Instagram

تُعدّ “ليندة شويتن” من أبرز الأصوات الأدبية الجزائرية المعاصرة الناطقة بالفرنسية، إذ نجحت في الجمع بين البحث الأكاديمي والإبداع الأدبي. نالت درجة الدكتوراه سنة 2012 من جامعة إيرلندا الوطنية في غالواي عن أطروحة خصصتها للكاتبة والمستكشفة إيزابيل إيبرهارت، قبل أن تواصل مسيرتها أستاذة وباحثة في جامعة بومرداس، بالتوازي مع مشروع أدبي متنوع شمل: الرواية، القصة القصيرة، الشعر، الدراسات النقدية.

دخلت عالم الرواية سنة 2017 بإصدار روايتها الأولى (Le Roman des Pôv’Cheveux)، ثم رسخت حضورها في المشهد الأدبي الفرنكفوني بفوزها سنة 2019 بـ”جائزة آسيا جبار للرواية” عن روايتها (Une valse). وفي سنة 2022 أصدرت مجموعتها القصصية (Des Rêves à leur portée)، قبل أن تنشر ديوانها الشعري الأول (J’ai connu les déserts) سنة 2023، ثم رواية (Les Blattes orgueilleuses) سنة 2024.

ولم يقتصر حضورها الشعري والنثري على النشر، إذ بلغت القائمة النهائية لـ”جائزة ليوبولد سيدار سنغور الدولية للشعر” مرتين، في عامي 2025 و2026، وهو ما يعكس الحضور المتنامي لتجربتها الشعرية على الصعيد الدولي. كما نشرت عددا من الدراسات والمقالات الأكاديمية، وأسهمت في مؤلفات جماعية تناولت الأدب والثقافة والسلطة، واختيرت للمشاركة في الإقامة الأدبية بالمدينة الدولية للفنون في باريس، ثم في إقامة كامارغو بمدينة كاسيس الفرنسية.

في أعمالها، يتجاور الخيال مع التأمل في النفس الإنسانية، وتغدو الرواية فضاء لاستكشاف الإنسان في هشاشته وتعقيداته، كما يتحول الشعر لديها إلى مساحة للتأمل والتعبير عن التجربة الإنسانية في أبعادها المختلفة. وقد جعل هذا التنوع في مشروعها الأدبي والأكاديمي تجربتها تحظى باهتمام النقاد والقراء داخل الجزائر وخارجها.

الأيام نيوز: لكل رواية أولى حكايةٌ تسبقها. كيف بدأت رحلتك مع الكتابة الروائية؟ ومتى أدركتِ أن الأدب سيكون خيارك الحقيقي؟

ليندة شويتن: قد لا تصدقونني، لكن حلم الكتابة يسكنني منذ طفولتي. فمنذ أن التحقت بالمدرسة في سن الرابعة، شعرت بأن ميلا قويا إلى القراءة بدأ ينشأ في داخلي؛ بل إن هذا الميل يعود إلى ما هو أبعد من ذلك. فبحسب الرواية العائلية – ولكن، هل هي مجرد رواية؟ – كانت كلمة “كتاب” أول كلمة نطقتُ بها في حياتي (تضحك).

وبمجرد أن بدأت أتعلم فكّ الحروف، شرعت في قراءة كل ما يقع بين يدي، ولا بد أن أقول إن والدي شجّعني كثيرا على ذلك؛ فقد كان يشتري لي الكثير من كتب الأطفال، باللغة العربية أولا، ثم سرعان ما بدأ يشتريها لي بالفرنسية أيضا.

وما كادت رغبتي في القراءة تبدأ حتى أعقبتها، تقريبا على الفور، الرغبة في الكتابة. فبدأت أكتب قصائد قصيرة مناسباتيّة، غالبا بمناسبة عيد ميلاد إحدى صديقاتي، كما كنت أكتب قصصا صغيرة مستوحاة من تلك التي قرأتها.

كنت في الثامنة أو التاسعة من عمري، وكنت بالفعل أقول لكل من يريد أن يسمعني إنني سأصبح كاتبة. ولم أتخلَّ يوما عن هذه الفكرة؛ فقد ظللت أرددها حتى في المرحلة المتوسطة والثانوية. بل إن صديقاتي في تلك الفترة لا سزلن يتذكرن ذلك حتى اليوم.

بعد ذلك، أخذتني الحياة في مساراتها: تجربة العيش في بلدان أخرى، والدراسات المتقدمة، والكتابات الأكاديمية… لكنني عدت في نهاية المطاف إلى عشقي الأول. وهكذا تحقق الحلم أخيرا، بعد أكثر من ثلاثين عاما من التأخير!

الأيام نيوز: من هم الكتّاب الذين تركوا الأثر الأعمق في تكوينك الأدبي؟ وهل هناك روائي أو روائية أسهم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تشكيل صوتك السردي؟

ليندة شويتن: أعتقد أن كل كاتب هو حصيلة قراءاته، أو بالأحرى حصيلة القراءات التي أثّرت فيه، وهذا ينطبق عليّ أنا أيضا، بطبيعة الحال. في صِغري، قرأتُ بشكل أساسي كلاسيكيات أدب الأطفال، ثم، منذ مرحلة المراهقة، اتجهت إلى قراءة الكلاسيكيات الفرنسية، تلاها الأدب الفيكتوري.

الأسلوب الجميل للروايات الكلاسيكية الفرنسية جعلني أحب الجمال اللغوي والكتابة به، الذي نجدها في روايات مثل (Une Valse)؛ غير أن الكتّاب الذين كان لهم التأثير الأكبر فيّ ليسوا من الناطقين بالفرنسية.

وأذكر، في المقام الأول، الكاتب الأمريكي “مارك توين”، بما يتميز به من ذكاء حاد وفكاهة لاذعة تقوّض الأفكار الجاهزة. وقد أثّرت رائعته “مغامرات هاكلبيري فين” بشكل خاص في روايتي الأولى (Le Roman des Pôv’Cheveux)، التي يشبه بطلها بطل رواية “توين” شخص لا يعتقد أنه شديد الذكاء، ويتحدث بلغة متواضعة وغير متقنة، لكنها لا تمنعه، رغم ذلك، من إطلاق تأملات مليئة بالحقيقة والعمق.

كما أن تأثير “توماس هاردي” كان كبيرا بالقدر نفسه. فمنذ دخولي الجامعة، وبمجرد أن تمكّنت من قراءة الكتب باللغة الإنجليزية، التهمت رواياته بشغف، وقد سحرتني الطريقة التي كان يمزج بها بين الدقة والجدية والفكاهة في تصويره لإنجلترا الريفية في القرن التاسع عشر، ولا سيما بطلاته ذوات الشعر الداكن، وشخصياتهن القاتمة والمتعالية.

وأخيرا، كان “هانس كريستيان أندرسن”، الذي قرأته في صغري، مصدر دهشة كبيرة لي. فقد وجدت حكاياته في غاية الرقة والنفاسة، وكانت العوالم التي يبتكرها، أحيانا من لا شيء، تأسرني وتملؤني سحرا. وقد حاولت أن أعيد خلق شيء من ذلك الجو الساحر في بعض قصصي القصيرة. وبعد ذلك، قرأت الكثير من الكتّاب الآخرين، لكن لو كان عليّ أن أحتفظ بثلاثة أسماء فقط، فسأختار الأسماء التي ذكرتها للتو.

الأيام نيوز: لكل كاتب طقوسه الخاصة وعلاقته الحميمة مع الكتابة. كيف تولد الفكرة لديك؟ وهل تنتظرين الإلهام، أم أن الكتابة نفسها هي التي تستدعيه؟

ليندة شويتن: اعتدت أن أقول إن الأفكار تأتيني على شكل “إشراقات”، أي على هيئة إدراكات قد تظهر في أي لحظة، وقد تكون أحيانا نتيجة تفاصيل بالغة التفاهة. والمثال الذي أستشهد به كثيرا هو فكرة روايتي الأولى، التي ولدت من مجرد تساقط بعض الشعر الذي كنت أعاني منه آنذاك (ولا أزال أعاني منه إلى اليوم).

وبما أن الأفكار قد تخطر في أي وقت، فقد ضاعت مني، للأسف، أفكار كثيرة لأنني لم أتمكن من تدوينها في الوقت المناسب؛ لكنني الآن أحاول أن أسجلها كلما أتيحت لي الفرصة.

غير أن الأمر يختلف عندما يتعلق بالكتابة نفسها. فكثيرا ما أنتظر إلى أن تصبح لديّ رغبة قوية في الكتابة، وهو ما يؤدي غالبا إلى تدفق سلس ومكثف؛ لكن الوجه الآخر لهذا الأمر هو أنني قد أمضي أشهرا طويلة من دون أن أكتب، كما أنني لا أعمل بطريقة منهجية على مشروع معين إلى أن أنتهي منه.

قد أكتب اليوم جزءا من قصة قصيرة، وغدا جزءا من رواية، وفي اليوم التالي قصيدة، ثم أبدأ قصة قصيرة أخرى بعد شهرين، وأعود إلى القصة الأولى بعد ستة أشهر، وهكذا.. وهذا يعني أن عدة مشاريع قد تظل قيد الإنجاز لفترة طويلة جدا، ولا أعرف أبدا كم من الوقت سيستغرق كل مشروع، ولا أيّها سينتهي أولا.

وهذا يبطئ إلى حد كبير عدد المشاريع التي يمكن أن تصبح قابلة للنشر، لكن ماذا عساي أن أفعل؟ فهذا هو الثمن الذي لا بد من دفعه حتى تظل الكتابة بالنسبة إليّ مساحة للحرية، لا قيدا أو التزاما مفروضا.

الأيام نيوز: يبدو الخيال في أعمالك أكثر من مجرد أداة للسرد؛ إنه يكاد يكون فلسفة للكتابة. كيف تنظرين إلى دوره في بناء عالمك الروائي؟

ليندة شويتن: بإمكاني أن أقول لكم أنّ الخيال، بالنسبة إليّ، هو ما يفصل الإبداع الأدبي عن مجرد العمل الصحفي أو كتابة السيرة، لكن الأمر ليس بالضرورة كذلك. فهناك الكثير من كبار الكتّاب الذين يستمدون إلهامهم أساسا من الواقع، ويقولون إنهم لا يملكون أي خيال؛ ومن بينهم، على سبيل المثال، ألبير كامو ولُو كليزيو، إلى جانب كتّاب آخرين أقل شهرة، مثل ألبيرتين سارازان، التي بدأت أهتم بها مؤخرا.

هؤلاء الكتّاب يروون ما عاشوه أو ما يلاحظونه من حولهم، لكنهم يفعلون ذلك ببراعة؛ بقدرة على استيعاب سيكولوجية الشخصيات، وبخلق أماكن لها روح، وبأسلوب لا يُنسى، أو بكل هذه العناصر مجتمعة.

أما بالنسبة إليّ، فالخيال حاضر بقوة، لأن الواقع وحده يبدو لي خاليا من السحر؛ ولعل ذلك يعود إلى تأثير الحكايات التي كنت ألتهمها في طفولتي، ومنها حكايات “أندرسن” الجميلة التي تحدثت عنها آنفا.

تعلمون، إن حبي للقراءة نفسه وُلد من رغبة في الهروب من واقع رتيب خانق، كان يتعين فيه طاعة القواعد الموضوعة، ومشاهدة النساء والفتيات وهن يؤدين الأعمال المنزلية، ولا يتحدثن إلا عن الأطفال أو الطبخ.

وفي المقابل، كان العالم الذي تقدّمه لي الكتب يبدو لي أجمل وأكثر حرية، وهذه الحرية تحديدا هي ما يمنحني إياه الخيال. ففي عالم الخيال يصبح كل شيء ممكنا، ولا يشعر المرء بأنه ملزم بواجب الدقة في وصف أماكن أو شخصيات موجودة بالفعل.

ومع ذلك، يظل الواقع حاضرا في كتاباتي، التي تتأرجح بين هذين العالمين، تماما كما أفعل أنا نفسي؛ فأنا، كما يقولون، قدماي راسختان في الأرض، لكن رأسي في الغيوم (تضحك).

الأيام نيوز: تتصدر الشخصيات التي تعيش صراعات نفسية وعزلة داخلية معظم أعمالك، حتى يبدو البعد النفسي سمة بارزة في تجربتك الروائية. هل تستمدين هذه الشخصيات من الواقع، أم من قراءاتك وتأملاتك في النفس الإنسانية؟ وهل تفضلين أن تطرح الرواية الأسئلة أكثر مما تقدم الإجابات؟

ليندة شويتن: بالنسبة إليّ، الأمر واضح؛ فالرواية تثير من التساؤلات أكثر مما تقدّم من إجابات. وأنا أرفض دائما، وبشدة، ذلك الدور الذي يُنسب أحيانا إلى الكتّاب، والمتمثل في إعطاء الدروس أو، على الأقل، تمرير الرسائل. أن أعطي دروسا أو أقدّم إجابات، يا لها من نزعة إلى الادعاء! من أكون أنا حتى أفعل ذلك؟

طبعا، لديّ طريقتي الخاصة في رؤية الأشياء، وهي تنعكس بالضرورة في كتاباتي، لكنني لا أستطيع بأي حال من الأحوال أن أفرضها على الآخرين. لا يسعني سوى أن أطرحها، بأكبر قدر ممكن من الدقة والتوازن، وأن أدعو القراء إلى التفكير. وهذه، بالنسبة إليّ، هي المهمة الأساسية للأدب، إلى جانب خلق الجمال، بطبيعة الحال.

أما فيما يتعلق بالشق الآخر من سؤالك، فأقول إن أيّا من شخصياتي لم يُبنَ على شخصية حقيقية بعينها. أستمد، بالطبع، من أشخاص عرفتهم بعض السمات التي أريد رسمها، كصفة من صفات الشخصية، أو ملامح جسدية معينة، أو حادثة ما، لكن عدة أشخاص حقيقيين يساهمون عادة في تكوين شخصية واحدة من شخصياتي الروائية، التي أضيف إليها دائما الكثير من السمات والأحداث المتخيلة.

لذلك، أقول إن شخصياتي ليست مستمدة مباشرة من الواقع؛ بل هي بالأحرى نتاج معرفتي بالطبيعة البشرية، التي اكتسبتها من خلال الملاحظة، والتفاعل، والقراءة، ومن تلك القدرة على سبر أغوار النفس البشرية، وهي قدرة أراها من صميم خصوصية الروائي.

الأيام نيوز: تحمل روايتك (Une valse) عنوانا يستدعي في الذاكرة الثقافية أغنية “جاك بريل” الشهيرة (Une valse à mille temps). هل جاء هذا الاختيار بوحي من ذلك العالم الموسيقي، أم أنه وُلد من منطق الرواية ورمزيتها الخاصة؟

ليندة شويتن: أعترف بأنني لم أفكر إطلاقا في أغنية “جاك بريَل”، مع أني أعرفها جيدا، عندما كنت أكتب (Une Valse). فعنوان الرواية ورمزية “رقصة الفالس” نشآ بالأحرى من كل ما توحي به مدينة “فيينا”، بشكل طبيعي تماما فيما أعتقد، وهي المدينة التي كنت قد اخترت بالفعل أن أجعل جزءا من أحداث الرواية يدور فيها.

كنت أريد أن أحكي قصة شابة لم تكن الظروف إلى جانبها كثيرا، فإذا بها تجد نفسها فجأة أمام فرصة لمغادرة حياتها اليومية الكئيبة والانطلاق إلى النمسا. ولكي تنسى تعاستها ومعاناتها، تحلم بهذه الرحلة التي طال انتظارها. لكن، كيف يمكن أن نحلم بفيينا من دون أن نفكر في عظمتها وفي رقصات الفالس الراقية؟

غير أن شهيرة، بطلة الرواية، تعيش في مكان قليل الانفتاح على الغرب، وتسود فيه اللغة العربية أساسا؛ ولذلك، فليست أغنية “بريَل” الشهيرة (Une Valse à mille temps) هي التي ترافق أحلامها، وإنما أغنية “ليالي الأنس” الشهيرة للمطرية “أسمهان”.

الأيام نيوز: تجمعين بين هوية الباحثة والأستاذة الجامعية، وهوية الروائية التي تكتب من رحابة الخيال. كيف توفِّقين بين صرامة البحث الأكاديمي وحرية الكتابة الإبداعية؟ وهل تنجحين في الفصل بين القراءة الأكاديمية والقراءة التي تغذي الكاتبة في داخلك؟

ليندة شويتن: نعم، أستطيع أن أفصل بين متطلبات الموضوعية و”البرود” الأكاديمية، وبين الحرية الأكبر التي تمنحها الكتابة الإبداعية. في العمل البحثي، يجب الالتزام بالنصوص محل الدراسة وبالوقائع المثبتة؛ ولا يُسمح بحرية التأويل إلا ضمن هذه الحدود. إضافة إلى ذلك، ينبغي التركيز على ما هو جوهري، وإعطاء الأولوية للوضوح، وبالطبع، عدم نسيان توثيق المصادر والاستشهاد بها. لقد أمضيت ما يقارب عقدين من الزمن وأنا أحاول الالتزام بهذه المعايير، ولذلك فأنا أعرفها جيدا.

وفي الكتابة الإبداعية أيضا، أحب الوضوح، ولست من أنصار الإفراط في الزخرفة والتكلف، لكنني ألعب بالأماكن والوقائع، وأسمح لنفسي ببعض التعقيدات والأساليب البلاغية التي لا تكون في محلها في الكتابة الأكاديمية. أما قراءاتي، حتى الأكاديمية منها، فهي تغذي أحيانا كتاباتي الإبداعية، بمعنى أنها تساعدني على إدراك تعقيد العالم، وفهم آليات النفس البشرية والمجتمع، وتعميق تأملاتي الفلسفية..

لكن، بطبيعة الحال، لا يتعلق الأمر بتطبيقها بطريقة مدرسية، لأن ذلك من شأنه أن يسلب العمل الروائي كل عفويته، وبالتالي كل سحره أيضا. فالأمر لا يسير بهذه الطريقة، أو على الأقل، ليست هذه هي الطريقة التي أعمل بها أنا.

فكل هذه المعارف التي اكتسبتها تصبح، بصورة غير محسوسة، جزءا لا يتجزأ مني، ومن هويتي، ومن الطريقة التي أنظر بها إلى العالم، ثم تتجلى بالقدر نفسه من الدقة والخفاء في العوالم الأدبية التي أبتكرها، ولا سيما في شخصياتي.

الأيام نيوز: كيف تقرئين واقع الأدب الجزائري اليوم في سياقه العربي والعالمي؟ وما الذي يحتاجه، في رأيك، ليستعيد حضوره الدولي الذي صنعته أسماء مثل: محمد ديب، آسيا جبار، كاتب ياسين؟

ليندة شويتن: أعتقد أن الأدب الجزائري عرف فترة من الركود، ولا سيما خلال العشرية السوداء، لكنه بدأ يتعافى منها ببطء، ولكن بثبات. ومن دون أن نصل إلى حد مقارنته بعمالقة الأدب الجزائري، أمثال: محمد ديب، كاتب ياسين، آسيا جبار، على وجه الخصوص، أعتقد أن لدينا كتّابا ممتازين. وأفكر، على سبيل المثال، في: ميساء باي، مصطفى بن فضيل، أو سميرة نقروش في مجال الشعر. فهؤلاء الكتّاب يثيرون الإعجاب بجرأة كتاباتهم، ومتانة أفكارهم وعمقها، أو بقلمهم الرشيق؛ وكما كان حال أسلافهم العظام، فإن كلماتهم لا يتردد صداها في الجزائر فحسب، بل تتردد أيضا في آفاق أخرى. إنها أسماء راسخة، ومن الصعب أن يطويها النسيان، وبالطبع، هناك الكثير من الأسماء الأخرى.

الأيام نيوز: يشهد الأدب النسوي الجزائري تطورا متواصلا منذ رائدات مثل: فاطمة آيت منصور عمروش، آسيا جبار. كيف تنظرين إلى هذا المسار؟ وأين تضعين تجربتك وتجربة الجيل الجديد من الروائيات ضمن هذا الامتداد؟

ليندة شويتن: نعم، بالفعل، أعتقد أن الأدب النسائي الجزائري يشهد ازدهارا كبيرا. فلفترة طويلة، كانت الكتابة تُعدّ امتيازا للرجال، وليس في الجزائر وحدها، بالمناسبة. أما اليوم، فأصبح لدينا عدد كبير من الكاتبات، ولا يسعني إلا أن أفرح بذلك.

ومن بينهنّ كاتبات فرضن أسلوبهن وشخصيتهن الأدبية، سواء هنا أو في أماكن أخرى. لقد سبق أن ذكرتُ: ميساء باي وسميرة نقروش، لكن يمكنني أن أذكر أسماء أخرى، مثل: سارة حيدر أو الراحلة أمينة مكحلي.

أما أنا، فمن الصعب عليّ أن أتحدث عن عملي وعن المكانة التي يحتلها في أدبنا المعاصر. وكل ما يمكنني قوله هو أنني أحاول أن أقدّم صوتا خاصا بي، وُلد من مخيلتي ومن حصيلة تجاربي وقراءاتي وتأملاتي. أحاول أن أضفي على كتاباتي شيئا من العمق، وأن أتحلى فيها بالصرامة على مستوى الأسلوب، من دون أن أقع في نخبوية مفرطة، وأن أضيف إليها شيئا من السحر.

هذه هي مكوّناتي، وبكل صدق، لستُ مستاءة كثيرا مما كتبته حتى الآن، رغم أنه من الواضح أن الكتابة مغامرة لا يتوقف فيها المرء عن البحث عن ذاته، واكتشافها، والتقدم.

الأيام نيوز: بحكم تخصصك في الأدب الإنجليزي، وبالنظر إلى تجربتك الطويلة مع الأدب الناطق بالإنجليزية، ما أبرز الكتّاب الذين ترين أن أعمالهم تستحق أن يكتشفها القارئ على نطاق أوسع، وما الأسماء التي كان لها تأثير خاص في تكوينك الأدبي؟

ليندة شويتن: في الأدب الناطق بالإنجليزية، كما هو الحال، على ما أعتقد، في جميع الآداب، كنوز أدبية هائلة، ولا يمكنني أن أذكرها كلها، لسبب بسيط هو أنني شخصيا لم أقرأ كل شيء، ولا يزال أمامي الكثير لأقرأه. ولو كان عليّ أن أذكر بعض الأسماء فقط، فسأبدأ بكتّاب التيار الحداثي، مثل: جيمس جويس، ولا سيما صاحب “أهل دبلن” و”صورة الفنان في شبابه”، ودي. إتش. لورانس، وويليام فوكنر، وكاثرين مانسفيلد، وفيرجينيا وولف، التي يثير فكرها إعجابي بشكل خاص.

وسأذكر أيضا، بالطبع، مارك توين وتوماس هاردي، اللذين يكتبان بأسلوبين مختلفين تماما، لكن كليهما كان له تأثير كبير فيّ، كلٌّ بطريقته، كما سبق أن شرحت. ثم هناك شكسبير العظيم، ولا سيما مآسيه.

أما في الشعر، فيمكنني أن أذكر: والت ويتمان، إميلي ديكنسون، لانغستون هيوز.. في الواقع، أفضل أن أتوقف هنا، لأن القائمة قد لا تنتهي أبدا (تضحك).

الأيام نيوز: هل غيّرت الجوائز والتقدير النقدي شيئا في “ليندة شويتن” الكاتبة، أم أنك لا تزالين تكتبين بالدهشة نفسها التي صاحبت روايتك الأولى؟

ليندة شويتن: لا، إن الجوائز وتقدير النقاد والقراء لم يغيّرا بالتأكيد شيئا في علاقتي بالكتابة. فلا أزال أكتب بالصرامة نفسها، والشغف نفسه، والدهشة نفسها، لأستعير كلمتك. والأمر بسيط: إذا لم أشعر بحضور هذه المكوّنات الثلاثة، أتوقف عن الكتابة إلى أن أشعر بأنها قد عادت من جديد؛ ولهذا السبب لا أكتب بطريقة منتظمة ومنهجية.

أما الأثر الوحيد الذي تركه صدى كتاباتي في نفسي، فهو أنه عزّز قناعتي بأنني لم أخطئ المكان الذي اخترته. لكنني واعية بأن الطريق لا يزال طويلا، والأهم من ذلك، أن المرء لا يستطيع أن ينتج عملا يبقى في الذاكرة من دون أن يجتمع فيه الشغف والصرامة معا.

الأيام نيوز: كثير من الشابات الجزائريات يمتلكن موهبة الكتابة، لكنهن يواجهن تحديات مختلفة في بداية الطريق. ما الرسالة التي تودين توجيهها إليهن انطلاقا من تجربتك الإنسانية والأدبية؟

ليندة شويتن: كما قلت في جواب سابق، لا أحب كثيرا تقديم النصائح، لأنني أجد في ذلك شيئا من الغرور لا أعرف كيف أصفه؛ لكنني مع ذلك أقول للقارئات الشابات أن يغذين فكرهن وخيالهن بكثرة القراءة، من دون أن يقلدن أحدا أبدا، وأن يتساءلن عن العالم وعن أنفسهن حتى لا يقعن في فخ المسلّمات والبديهيات، وأن يحافظن، بطبيعة الحال، على شغفهن مهما كانت العقبات التي تعترض طريقهن.

إذا كانت كتاباتكن تتجنب العبارات المبتذلة وتحمل طابعا خاصا ومميزا، فستصلن إلى ما تطمحْن إليه عاجلا أم آجلا.