السبت، 06 يونيو 2026 — 19 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

الأسرة في زمن التحولات.. هل المشكلة في عمل المرأة أم في غياب الشراكة؟

Author
بثينة صايفي 09 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

لم تعد المرأة الجزائرية، اليوم، تتحدث عن أدوارها اليومية بوصفها تفاصيل عابرة من حياة الأسرة، بل باعتبارها عبئا مركبا يتقاطع فيه الاجتماعي بالاقتصادي والنفسي، فمن داخل البيوت إلى فضاءات العمل، ومن مسؤوليات الأمومة والرعاية إلى متطلبات المساهمة المادية وتدبير شؤون الأسرة، تجد كثير من النساء أنفسهن في مواجهة ازدواجية أدوار تتسع يوما بعد آخر، في ظل تحولات اجتماعية متسارعة شهدها المجتمع الجزائري خلال السنوات الأخيرة.

ويبدو النقاش حول هذا الملف شديد الحساسية والتعقيد، إذ تتجاذبه رؤيتان متناقضتان؛ الأولى تنظر إلى خروج المرأة إلى الحياة العامة باعتباره مكسبا لا رجعة فيه، والثانية ما تزال تحصرها في أدوار تقليدية مرتبطة بالبيت والأسرة، وبين هذا وذاك، تضيع أحيانا حقيقة ما تعيشه المرأة الجزائرية من ضغوط يومية، وتغيب المعالجة الواقعية لصالح سجالات فكرية لا تلامس عمق المعاناة.

لقد أسهم انفتاح المرأة على التعليم والعمل في إعادة تشكيل مكانتها داخل المجتمع، ومنحها فرصا أوسع للمشاركة والإنتاج والاستقلالية، غير أن هذا التحوّل رافقه تراكم متزايد للمسؤوليات، حتى باتت المرأة مطالبة بالنجاح في المجالين معا؛ داخل البيت وخارجه، من دون أن يقابل ذلك دائما تغير مماثل في توزيع الأدوار الأسرية أو في النظرة الاجتماعية تجاهها.

وفي خضم هذه التحولات، يبرز تساؤل جوهري حول طبيعة التوازن داخل الأسرة الجزائرية المعاصرة: هل أصبحت المرأة تتحمّل أعباء تفوق طاقتها سعيا لإثبات ذاتها وتحقيق استقلالها، أم أن التحولات الاجتماعية أفرزت شكلا جديدا من الاتكالية أعاد تحميلها مسؤوليات إضافية؟

 

بين العمل والأسرة… التحدي الحقيقي هو التوازن

وفي هذا السياق يرى الدكتور عبد الكريم بكار أن النقاش حول عمل المرأة غالبا ما يُختزل في ثنائية “مع أو ضد”، بينما الواقع الاجتماعي أكثر تعقيدا من هذا الطرح، فعمل المرأة، بحسبه، قد يكون ضرورة اقتصادية في بعض الأسر، وقد يكون اختيارا مرتبطا بالطموح الشخصي أو الرغبة في الإسهام داخل المجتمع، لذلك، لا ينبغي أن ينحصر الجدل في مسألة العمل بحد ذاته، بل في كيفية الحفاظ على استقرار الأسرة وتوازنها وسط التحولات الاجتماعية والمعيشية.

ويؤكد بكار أن نجاح الأسرة لا يرتبط بوجود نموذج واحد ثابت للحياة الأسرية، بل بقدرة أفرادها على بناء تفاهم حقيقي حول مسؤولياتهم اليومية، فبعض الأسر تتمكن من تحقيق التوازن من خلال وضوح الأدوار وتقاسم المسؤوليات وإعادة ترتيب الأولويات داخل البيت، بعيدا عن الصراع الدائم، وفي المقابل، قد تظهر المشكلات ليس بسبب عمل المرأة، وإنما نتيجة غياب التفاهم حول إدارة الوقت وتوزيع الأعباء وفهم احتياجات كل طرف داخل الأسرة.

ويشير المتحدث إلى أن المشكلة الأساسية في كثير من الأسر التي تعمل فيها المرأة لا تتعلق بعدد ساعات العمل، بل بما يسميه “الإرهاق العاطفي” الناتج عن تحمّل المرأة لعبء مزدوج يجمع بين المسؤوليات المهنية والمنزلية دون وجود مساندة حقيقية، ويرى أن هذا الوضع قد يخلق ضغطا نفسيا مستمرا يؤثر على دفء العلاقات داخل البيت، خاصة عندما تشعر المرأة بأنها تتحمل المسؤولية وحدها.

 

الأسرة تُبنى بالتكامل لا بالصراع

وفي هذا السياق، يدعو بكار إلى إعادة النظر في مفهوم المسؤولية الأسرية، معتبرًا أن الرجل مطالب بالانتقال من دور “المراقب” إلى دور “الشريك” الفعلي داخل الأسرة، فالمسؤولية، بحسبه، ليست مجرد مهام تُوزع بين الطرفين، بل روح من التعاون والتقدير المتبادل، ويضيف أن شعور كل طرف بتقدير تضحيات الطرف الآخر يخفف من الإحساس بالتعب، ويخلق حالة من الرضا والانسجام تُعيد الدفء والاستقرار إلى البيت.

الدكتور عبد الكريم بكار.. كاتب وباحث في مجالات التربية والفكر الإسلامي
الدكتور عبد الكريم بكار.. كاتب وباحث في مجالات التربية والفكر الإسلامي

ويخلص الدكتور عبد الكريم بكار إلى أن استقرار المجتمع لا يتحقق عبر الجدل المستمر حول الأدوار التقليدية، بل من خلال القدرة على جعل هذه الأدوار متكاملة ومتعاونة بدل أن تكون متصارعة، فالتحدي الحقيقي اليوم، حسبه، لا يكمن في سؤال “هل تعمل المرأة؟”، وإنما في كيفية الحفاظ على التوازن الأسري وسط متغيرات الحياة المتسارعة.

 

من “الكم” إلى “الكيف”.. إعادة تعريف الوقت الأسري

يرى بكار أن الأسر المعاصرة مطالبة بالتخلي عن فكرة “الكم” في قضاء الوقت داخل البيت، لصالح التركيز على “الكيف”، فمع تعدد المسؤوليات وضغط الحياة اليومية، لم يعد البقاء لساعات طويلة في المنزل معيارا كافيا لنجاح العلاقات الأسرية، بل أصبح “الوقت النوعي” هو الأساس في بناء تواصل حقيقي وفعّال بين أفراد الأسرة.

ويؤكد أن نصف ساعة من الحوار العميق والاحتواء العاطفي بين الوالدين والأبناء قد تكون أكثر تأثيرا من ساعات طويلة من الحضور الجسدي البارد والخالي من التفاعل، فالقيمة لا تكمن في مدة البقاء معا، بل في جودة هذا التواجد وما يحمله من إنصات وتفاعل واهتمام حقيقي.

ويضيف أن تحقيق التوازن الأسري يبدأ عندما يدرك أفراد الأسرة أن المطلوب ليس مجرد حضور جسدي، بل “حضور ذهني وقلبي” كامل في اللحظات المشتركة، بعيدا عن ضغط العمل ومشاغل الحياة الخارجية، فبهذا المعنى، تتحول اللحظات البسيطة داخل البيت إلى مساحة حقيقية للدفء والتواصل وإعادة بناء الروابط العاطفية بين أفراد الأسرة.

 

شهادة من الواقع.. “العمل لم يخفف العبء بل ضاعفه”

تقول خولة، وهي عاملة في القطاع الخاص، إنها وجدت نفسها تتحمّل مسؤولية كاملة داخل العمل وخارجه، حيث لم يعد دورها يقتصر على الوظيفة فقط، بل امتد إلى إدارة شؤون المنزل ورعاية الأبناء بشكل شبه كامل، وتضيف أن هذا الوضع انعكس سلبا على التوازن داخل الأسرة، إذ أصبح زوجها، حسب تعبيرها، يعتمد بشكل متزايد على مجهودها، ما أدى تدريجيًا إلى تراجعه عن بعض مسؤولياته الأسرية.

 

بين الحاجة والضغط الاجتماعي.. “لم أختر العمل وحدي”

وتوضح المتحدثة أنها في الأصل لم تكن تنوي العمل خارج البيت، لكنها وجدت نفسها أمام ضغوط اجتماعية واقتصادية فرضت عليها هذا الخيار، فهي ترى أن متطلبات الحياة الحديثة وارتفاع تكاليف المعيشة جعلا من الصعب على الرجل وحده تحمّل أعباء الأسرة كاملة، لذلك، قررت الخروج إلى العمل ليس كاختيار منفصل، بل كمساهمة منها في دعم زوجها وتخفيف الضغط المالي عن الأسرة، رغم ما ترتب عن ذلك من أعباء إضافية داخل البيت.

 

المسألة ليست صراعا بقدر ما هي توازن يجب أن يكون

لا يمكن اختزال المسألة في كونها صراعا بين الرجل والمرأة، بقدر ما هي، وفق رأي عدد من المتخصصين، اختلال في توازن تقاسم الأدوار داخل الأسرة، ففي الوقت الذي تسعى فيه المرأة إلى إثبات حضورها داخل البيت وخارجه، حتى وإن كان ذلك على حساب صحتها واستقرارها النفسي، يبدو الرجل في بعض الحالات وكأنه استفاد ظاهريا من هذا الوضع عبر تراجعه عن جزء من مسؤولياته الأسرية، غير أن هذه المعادلة، في عمقها، تُغفل طرفا أساسيا يتأثر بشكل مباشر، وهم الأطفال، أي أجيال المستقبل الذين يدفعون ثمن هذا الارتباك في توزيع الأدوار داخل الأسرة.

وقد طُرحت هذه الإشكالية أيضًا على مستوى الفكر، بالنظر إلى أهميتها وتأثيرها المجتمعي، وهو ما تناوله المفكر الجزائري الراحل، مالك بن نبي، في كتابه “شروط النهضة”، حيث يؤكد أن قضية المرأة لا يمكن فصلها عن قضية الرجل، بل إن القضيتين في جوهرهما تعكسان إشكالية واحدة تتعلق بالفرد والمجتمع معًا.

ويذهب بن نبي إلى التأكيد على أن الرجل والمرأة يمثلان قطبي الإنسانية، ولا معنى لأحدهما دون الآخر، مشيرا إلى أن المرأة ليست فقط كيانا مستقلا، بل عنصر أساسي في صناعة الرجل وصياغة دوره في المجتمع، كما أن للرجل إسهاماته التاريخية في مختلف مجالات الإبداع، ومن هذا المنطلق، ينتقد مقاربة القضية من زاوية شعاراتية أو عاطفية، معتبرا أن الإشكال لا يقتصر على فئة دون أخرى، بل يرتبط بمسار المجتمع ككل ومستقبله الحضاري.

كما يرى أن للمرأة دورا جوهريا في خدمة الحضارة، وفي ترسيخ قيم الجمال والأخلاق، من خلال أدوارها كأم وزوجة وشريك في بناء المجتمع، ويقترح في هذا السياق ضرورة وعي جماعي بطبيعة هذا الدور، عبر نقاش مجتمعي مسؤول يحدد مهام المرأة في خدمة الصالح العام، بدل الاكتفاء بخطابات عامة لا تستند إلى رؤية علمية دقيقة.

ويختم بن نبي فكرته بالتأكيد على أن قضية المرأة لا يمكن حلها عبر مقالات أو خطابات منفصلة، لأنها قضية متعددة الأبعاد تمس مختلف جوانب المجتمع، وأن الحل الحقيقي يكمن في إدماج المرأة والرجل معا في مشروع إنساني ومجتمعي متكامل، يقوم على الشراكة والتكامل لا على التنازع أو التقابل.