الأربعاء، 14 أكتوبر 2026 — 1 جمادى الأولى 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
تقارير

الأشرطة النادرة في مواجهة الضياع.. من يملك الذاكرة الموسيقية الجزائرية؟

Author
هارون عمري 30 سبتمبر 2026
X Facebook TikTok Instagram

تتوزع التسجيلات الأصلية لرواد الموسيقى الجزائرية بين أرشيفات مؤسسات البث العمومي، ورصيد شركات إنتاج قديمة، ومجموعات خاصة تحتفظ بأشرطة وأسطوانات نادرة، إضافة إلى ما بقي لدى الفنانين وعائلاتهم، ولا تتوافر إلى اليوم قاعدة وطنية موحدة تحدد مكان كل تسجيل وحالته التقنية والجهة التي تملك نسخته الأصلية أو حقوق استغلاله، وهو فراغ يهدد جزءاً من الذاكرة السمعية بالضياع ويعقد مسار رقمنتها وإتاحتها للباحثين والجمهور.

وتكشف المبادرات التي يقودها جامعو التسجيلات والمهتمون بالأرشيف الموسيقي عن حجم المواد التي ما تزال خارج الحفظ المؤسسي، إذ أوضح زكرياء أخروف، مؤسس منصة ANRA، أن فريقاً من المهتمين يعمل على البحث عن الأشرطة والأسطوانات والأقراص القديمة واقتنائها ورقمنتها، ضمن شبكة تضم سهيب كيحل وأرسلان بن قاسمي وإسماعيل ديوماد، بهدف إنقاذ محتويات نادرة من التلف وإبقائها متاحة للأجيال القادمة.

أرشيف موزع بين المؤسسات والخواص

يصعب تقديم إجابة واحدة عن المكان الذي تستقر فيه التسجيلات الأصلية لكبار الفنانين الجزائريين، لأن ظروف إنتاجها وحفظها اختلفت من مرحلة إلى أخرى، فالتسجيلات المنجزة داخل استوديوهات الإذاعة أو التلفزيون يمكن أن تظل ضمن أرشيف المؤسسة التي تولت إنتاجها أو بثها، بينما توجد تسجيلات أخرى لدى شركات الأسطوانات والكاسيت التي موّلت عمليات التسجيل والتصنيع والتوزيع، وتحتفظ بعض أسر الفنانين بنسخ أصلية أو تسجيلات خاصة لم تدخل التداول التجاري.

وانتقلت مواد كثيرة إلى جامعي الأسطوانات والأشرطة عقب توقف شركات الإنتاج أو غلق محالها وتصفية مخزوناتها، ووصل بعضها إلى الأسواق الشعبية والمزادات والمجموعات الخاصة من دون بيانات دقيقة عن مصدره، وفي حالات أخرى قد لا يعرف صاحب الشريط الحالي إن كانت النسخة التي يملكها تسجيلاً أصلياً أم نسخة معدة للتصنيع أو البث.

وتزداد صعوبة الجرد بسبب طبيعة الحوامل القديمة، إذ يمكن أن توجد المادة نفسها على شريط استوديو ونسخة إذاعية وأسطوانة تجارية وشريط كاسيت أعيد إنتاجه لاحقاً، ولا تعني حيازة أقدم نسخة متاحة بالضرورة امتلاك النسخة الأم أو الحقوق القانونية المرتبطة بالتسجيل.

حيازة الشريط لا تحدد الحقوق

تتطلب مسألة الملكية التمييز بين ملكية الدعامة المادية والحقوق المرتبطة بالمحتوى المسجل عليها، فقد يمتلك شخص شريطاً أو أسطوانة نادرة بصفته مقتنياً لها، من دون أن يمنحه ذلك حق نسخ التسجيل أو توزيعه أو إتاحته تجارياً عبر المنصات الرقمية.

ويفصل الأمر رقم 03-05 المؤرخ في 19 يوليو 2003 والمتعلق بحقوق المؤلف والحقوق المجاورة بين حقوق مؤلفي المصنفات الأدبية والفنية، وحقوق فناني الأداء، وحقوق منتجي التسجيلات السمعية أو السمعية البصرية وهيئات البث، وهو ما يجعل العمل الغنائي الواحد مرتبطاً بأكثر من صاحب حق، من بينهم الشاعر والملحن والمؤدي ومنتج التسجيل، وفق العقود والظروف القانونية التي رافقت إنجاز العمل.

وقد تكون الأسرة صاحبة حقوق موروثة عن الفنان في التأليف أو التلحين أو الأداء، بينما تحتفظ شركة الإنتاج بحقوق مرتبطة بالتسجيل الذي أنجزته ومولته، وقد تملك مؤسسة بث تسجيلاً أنتجته داخل استوديوهاتها، لذلك لا يمكن تحديد المالك القانوني للماستر اعتماداً على اسم الفنان أو مكان العثور على الشريط وحدهما.

العقود أساس إثبات الملكية

يبدأ تدقيق ملكية الماستر الأصلي بالبحث عن عقد الإنتاج أو التسجيل، باعتباره الوثيقة التي تحدد عادة الجهة التي تولت تمويل التسجيل والإشراف عليه، والحقوق التي احتفظ بها الفنان أو تنازل عنها، ونطاق الاستغلال المتفق عليه ومدته والمناطق التي يشملها.

وعند غياب العقد، تصبح عملية الإثبات أكثر تعقيداً، ويمكن الاستناد إلى وثائق متفرقة، منها سجلات الاستوديو وفواتير التسجيل والتصنيع وأرقام القوالب المحفورة على الأسطوانات وبيانات الأغلفة والإيداع القانوني ومراسلات الفنان مع المنتج وسجلات هيئات التسيير الجماعي، إضافة إلى شهادات العاملين في التسجيل أو الورثة، مع بقاء القيمة القانونية لكل عنصر مرتبطة بفحص الوثائق وربطها بتاريخ الإنتاج.

ويفترض التحقيق التقني مقارنة النسخ المتاحة ومعاينة نوع الشريط وسرعته وعدد مساراته والرموز المكتوبة عليه وجودة الصوت وتسلسل التسجيل، لأن النسخة التي تبدو قديمة قد تكون نسخة بث أو نسخة معدة للمصنع، بينما يكون الماستر الحقيقي محفوظاً في مكان آخر أو مفقوداً.

الشركات المنحلة تعقد التتبع

يطرح اختفاء شركات الأسطوانات والإنتاج القديمة إشكالاً إضافياً، لأن توقف الشركة عن النشاط أو إفلاسها لا يؤدي تلقائياً إلى انتقال حقوقها إلى الفنان أو سقوطها، فقد تكون أصولها قد أحيلت إلى شركة أخرى، أو بيعت أثناء التصفية، أو آلت إلى الشركاء والورثة وفق الوضعية القانونية لكل مؤسسة.

ويحتاج تحديد صاحب الحق في هذه الحالات إلى مراجعة السجل التجاري ووثائق إنشاء الشركة وحلها ومحاضر التصفية وعقود التنازل عن الأصول، مع التحقق من وجود خلف قانوني احتفظ بكتالوج التسجيلات، أما إذا تعذر الوصول إلى وثائق تثبت انتقال الملكية، فيبقى استغلال التسجيل تجارياً معرضاً لنزاع محتمل بين المنتج السابق والفنان وورثته وأي جهة تدعي شراء الرصيد.

ويتولى الديوان الوطني لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة حماية المصالح المعنوية والمادية للمؤلفين وأصحاب الحقوق المجاورة وذويهم، وتكوين بطاقات تحدد وضع المصنفات والأداءات، كما تشمل مهامه جمع مصنفات التراث الثقافي التقليدي وحفظها وإتاحتها للجمهور والباحثين، وهو ما يمنحه دوراً رئيسياً في بناء مرجعية تساعد على توثيق أصحاب الحقوق، مع بقاء الفصل في المنازعات المتعارضة من اختصاص الجهات القانونية والقضائية المختصة.

مبادرة لإنقاذ الأشرطة النادرة

في تصريح خص به “الأيام نيوز”، أوضح زكرياء أخروف أن توثيق المبادرات ينطلق أساساً من تحديد المشكلة التي تستهدفها كل مبادرة، والتعرف بدقة على طبيعة الموضوع، ثم تحديد الأهداف والمخرجات التي يراد الوصول إليها، بما يسمح بتحويل الفكرة من الجانب النظري إلى العمل التطبيقي.

وأشار إلى أن التعامل مع أي مشكلة يقتضي أولاً فهمها وتحديد أبعادها، ثم الانتقال إلى مرحلة العمل والتحقيق والبحث عن حلول عملية، وهو المسار الذي تسعى منصة ANRA إلى دعمه من خلال المنتدى واللقاءات والمبادرات والتعريف بها عبر وسائل الإعلام.

وأوضح أن من بين المبادرات التي يعمل عليها الفريق مبادرة إنقاذ الأشرطة والأسطوانات النادرة والحفاظ عليها، من خلال إنشاء شبكة تضم مجموعة من المهتمين بهذا المجال، من بينهم سهيب كيحل وأرسلان بن قاسمي وإسماعيل ديوماد، حيث يعمل أفراد المجموعة على البحث عن الكاسيتات والأقراص المدمجة والمواد السمعية القديمة واقتنائها من أجل الحفاظ عليها وإنقاذ محتواها من الضياع.

وأضاف أن عملية الحفظ تشمل أيضاً رقمنة هذه المواد، من خلال تجهيز الأشرطة والتسجيلات القديمة وتحويل محتواها إلى صيغ رقمية تضمن استمراريتها وإمكانية الرجوع إليها مستقبلاً، مؤكداً أن هذا العمل يقوم على البحث والجمع والاقتناء والرقمنة ضمن مسار جماعي ومنظم.

وأكد أخروف أن أي مبادرة تحتاج إلى معرفة المشكلة وتحديد الغاية منها، ثم الانتقال إلى العمل الميداني والتحقيق للوصول إلى نتائج ملموسة، مشيراً إلى أن توثيق الذاكرة السمعية يتطلب جهداً متواصلاً وشبكة من الأشخاص المهتمين والمتعاونين، بما يساهم في صون التسجيلات النادرة وإبقائها متاحة للأجيال القادمة.

سجل وطني للماستر الموسيقي

تحتاج معالجة الملف إلى سجل وطني متخصص في التسجيلات الموسيقية والحوامل الصوتية، يتضمن اسم العمل والفنان والمؤلف والملحن والمؤدي والمنتج، وتاريخ التسجيل ومكانه، ونوع الحامل، وموقع النسخة الأصلية، وحالتها التقنية، والحقوق المثبتة والوثائق التي تستند إليها.

ويمكن أن يربط السجل بين أرشيفات الإذاعة والتلفزيون والديوان الوطني لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة والمكتبة الوطنية والمراكز الثقافية وأسر الفنانين وجامعي التسجيلات، مع اعتماد رقم تعريفي لكل تسجيل ونسخة رقمية مخصصة للحفظ، ووضع ضوابط واضحة للوصول إليها واستعمالها.

وتتطلب الرقمنة إعداد محضر تقني وقانوني لكل مادة، يسجل مصدرها وهوية مالك الدعامة والجهة التي أجازت نسخها، مع الاحتفاظ بالملفات الرقمية غير المضغوطة ونسخ احتياطية متعددة، لأن نشر نسخة منخفضة الجودة على الإنترنت لا يعوض حفظ التسجيل بصيغة أرشيفية مستقرة.

وقد تحول المبادرات الفردية دون فقدان مواد نادرة في المدى القريب، غير أن استمرار الحفظ يحتاج إلى إطار مؤسسي يتيح لأصحاب المجموعات الخاصة إيداع نسخ رقمية من مقتنياتهم مع الاحتفاظ بملكية الدعائم، ويضمن لأسر الفنانين توثيق حقوقها، ويمنح الباحثين والجمهور وصولاً منظماً إلى التراث، فالذاكرة الموسيقية تحتاج إلى تحديد مصدر كل تسجيل وتاريخه ووضعه القانوني قبل رقمنته أو إعادة نشره.

Author هارون عمري
شاعر،أكاديمي وكاتب صحفي بصحيفة «الأيام نيوز»، له ديوان "أولى المرايا وآخر الصور"
↑