الأغنية العربية الملتزمة.. هل تاهت في زحام فوضى الأنترنت وثقافة “الفاست فود”؟

حقّقت الأغنية العربية ـ خلال العقود الأخيرة ـ طفرة كبيرة على مستوى الانتشار، مستفيدة في ذلك من العوالم المفتوحة التي أتاحتها ثورة الاتصال، لكنْ، بالمقابل، تراجعت أغلب آليات الفرز التقليدية التي كانت مفروضة ـ ولو تلقائيا ـ للحفاظ على أعلى مستويات الجودة من حيث الصوت واللحن والمفردة وهي الأسس الثلاث التي تحدّد مدى نجاح أو فشل هذه الأعمال الغنائية أو تلك، وقد حلّ ـ بدلا عن هذه الآليات ـ المتعارف عليها ـ «التريند» وهو المقياس القائم على عدد المشاهدات للأغاني على مواقع التواصل الاجتماعي.

وتبدو المؤسسات الفنية ـ مثال نقابة الموسيقيين أو الرقابة على المصنفات الفنية، فضلا عن لجنة الإيجاز في الإذاعة والتلفزيون ـ غير قادرة على الإلمام بسوق الأغنية المنفلت، ما يعيق إمكانية متابعة المنتج الغنائي أو منحه تأشيرة المرور والرواج، في ظل بروز شبكة الانترنت كبديل للنشر وبالتالي إتاحة فرص التداول والشهرة وفق مقاييس مختلفة.

والمعروف أنه منذ بدايات القرن الماضي، برزت الموسيقى العربية كإحدى أهم أنواع الفنون العابرة للحدود والقادرة على التأثير، لا سيما تلك التي تخاطب وعي المجتمعات العربية، معتمدة على موضوعات جديدة، أهمها التغني بالوطن، لكنْ، ليس بالصورة التي كرّستها الأنظمة السياسية، متضمنة مفردات نضالية تنحاز إلى الطبقات الأكثر فقرا وكفاحاً.

وقد برز المغني المصري سيد درويش، وكذلك الثنائي الشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم في مصر كنماذج لهذا النوع الذي يُطلق عليه مسمّى “الأغنية الملتزمة” ثم تبعهم لاحقا جيل جديد أهمهم إيمان البحر درويش.

وفي لبنان كان صوت فيروز يكرّس مدرسة جديدة في الغناء بمرافقة الأخوين الرحابنة، كما مثلت تجربة مارسيل خليفة امتدادا مهما لمشروع “الأغنية الملتزمة”، وهو ما فعله أيضا الفنانان السودانيان مصطفى سيد أحمد، ومحمد وردي بمرافقة شاعر الثورات الشهير محجوب شريف.

كما شهد المغرب العربي بروز فرق موسيقية مهمة مثل «ناس الغيوان» في المغرب، بينما برز في تونس الفنان لطفي بوشناق، وهذه كلها تجارب ـ رغم التفاوت والاختلاف على مستوى أنماطها الموسيقية ـ إلا أنها كرست مفهوما جديدا لوظيفة الأغنية تتجاوز الجانب الترفيهي، وتذهب في اتجاه إعلان المواقف السياسية والإنسانية.

قضية مزاج عام!

يرفض الناقد الفني المصري الشهير طارق الشناوي، مسمى “الأغنية الملتزمة” كتعريف لأيّ نمط غنائي، ويقول الشناوي ـ في حديثه لـ«الأيام نيوز» ـ إن “الفن يقفز على كل الحواجز والتعريفات والمسميات الجاهزة” مؤكدًا “أن الغناء للوطن أو لقضايا معينة لا يجعل من النمط الفني نفسه ملتزماً”.

ويعترض الشناوي على مفردة “الملتزم” التي “تتعارض مع مفهوم الفن” حسب رأيه، متسائلا: “هل أفلام إسماعيل ياسين ونجيب الريحاني لم تكن ملتزمة بقضايا الوطن فقط لأنها مضحكة؟”.

وبتجاوز إشكالية المسمى أو التعريف “يعترف الشناوي أن ثيرموميتر القياس في الوطن العربي يعتمد غالبا على الماضي، فحتى عند بروز الأسماء التي تمّ ذكرها كنماذج لما يسمى الأغنية الملتزمة، كانت تواجه ببعض الاعتراض باعتبارها خروجا عن المألوف”.

ويذكر الشناوي “أن ظهور الفنان الكبير محمد عبد الوهاب في عشرينيات القرن الماضي قوبل بالرفض، لاتهامه بأنه يفسد الفن الشرقي”.

ويتفق الشناوي مع فكرة تراجع الأغنية الحاملة للقضايا، مع الاعتراض على المسمى، معتبرا أن أسباب هذا التراجع تتعلق “بأن لكل جيل نمطه الغنائي والموضوعاتي سواء في المفردة أو اللحن والأداء”.

ويضيف الفنان أنه من المؤسف: “لو أدى أحدهم الآن “وطني حبيبي الوطن الأكبر” ـ هذه الأغنية التي شكلت وجدان أجيال عربية عدة، وشارك في غنائها نجوم الوطن العربي مثل محمد عبد الوهاب، وردة الجزائرية، شادية، صباح، نجاة الصغيرة وعبد الحليم ـ لو أدى فنان ما اليوم هذا الأوبريت فسوف ينال نصيبه من السخرية”.

وبمزيد من الأسف يقول الشناوي “المزاج العام تغيّر كثيرا ولم يعد يحتمل الأغنية ذات المدلول الثقيل”، مضيفا “لكل جيل تطلعات وهواجس مختلفة تفرز نمطا موسيقيا يخاطب تلك التطلعات والهواجس”.

الأغاني تشكل ذاكرة وطن

من جهته يرى الدكتور محمد سيف، أستاذ بكلية الموسيقى والدراما في السودان، “أن الأزمة لا تتعلق بالأغنية فقط، بل هي أزمة عامة، انعكست سلباً على كافة مناحي الحياة ومن بينها الغناء والموسيقى”.

ويعزي سيف هذا التراجع “إلى سيادة الثقافة الاستهلاكية، التي فرضت شروطها، سواء في الأغنية أو غيرها” مؤكدا في حديثه لـ«الأيام نيوز»، أن “الجيل الجديد ينحاز إلى ثقافة “الفاست فود” إذْ لم يعد ثمة من يحتمل حضور حفل موسيقي طربي يدوم لساعات بمقطوعات موسيقية طويلة، وووصلة من الأفكار والرؤى المضمنة في كلمات الأغنية”.

بالمقابل يقول سيف “إن لشركات الإنتاج الفني الدور الأساسي في تكريس أسلوب الثقافة الاستهلاكية، عبر اختيار هذه الأنماط ودعمها ثم بثها بشكل مكثّف عبر كل الوسائط، والهدف هو الكسب المادي”.

ويضيف سيف “صحيح، إنه خلال الاحتجاجات السودانية الأخيرة التي أطاحت بنظام عمر البشير، تم استحداث أغان جديدة، أقرب ما تكون إلى أغان الراب أو التراب، لأنهما الأقرب لهذا الجيل”، لكن الملاحظ ـ حسب سيف ـ”أن أغاني الفنان محمد وردي ومصطفى سيد أحمد، تم استحضارهما أيضا بشكل كبير، لأنهما مرتبطان بذاكرة الثورات الديمقراطية في السودان”.

ويؤكد سيف،أنه “مهما تراجعت هذه الأنماط الغنائية لدى الجيل الحديث، إلا أنه وفي اللحظات التاريخية مثل الأحداث الشعبية تنبعث من جديد لأنها المكونة لذاكرة عموم الشعب”، مشيرا إلى أنه “ما أن تذكر ثورة مايو التي أطاحت بنظام جعفر النميري، إلا وحضرت أغنية وردي: “أصبح الصبح لا السجن ولا السجان باق”.