الأمم المتّحدة: العالم في حالة طوارئ إنسانية مُزمنَة

“لندَع الأوهام جانبا. فنحن بالفعل وسط بحر هائج، ويلوح في الأفق شتاءٌ يعمُّه السُّخط على المستوى العالمي. وتستَعر أزمة تكلفة المعيشة، وتتهاوى أسُس الثقة، وتشتد مظاهر عدم المساواة بشكل صارخ، ويحترق كوكبنا، ويعاني الناس الأمرّين. علمًا أن أكثر الفئات ضُعفا هي أشدُّها معاناة.

ويتعرض ميثاق الأمم المتحدة، وما يجسّده من مُثل عُليا، إلى خطر مُحدق.” بهذه الكلمات، افتتح رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة، المَجري “تشابا كوروشي”، أشغال الدورة السابعة والسبعين، يوم الثلاثاء الماضي، في المقرّ الدائم للمنظمة الدولية في نيويورك.

المناخ وكورونا والعنف.. الثالوث الأسود للبشرية

“حلولٌ من خلال التضامن والاستدامة والعلم” هو الشعار الذي اعتمدَهُ “تشابا كوروشي” شعارا للدورة السابعة والسبعين للجمعية العامة، التي حَمَل موضوعُها عنوان: “لحظة فاصلة: حلول تحويلية للتحديات المتشابكة”.

وأوضح بأن “التضامن، لأن التفاوتات وصلت إلى مستوى قياسي. والاستدامة، لأننا مدينون لأطفالنا بترك عالم صالح للعيش. والعلم، لأنه يقدم لنا دليلا محايدا على أفعالنا”. وحاول “كوروشي” تلخيص الأوضاع العالمية، قائلا: “نحن نعيش، على ما يبدو، في حالة طوارئ إنسانية دائمة”.

وأرجع الأزمات المنتشرة عبر مختلف جغرافيات كوكب الأرض إلى المناخ، وجائحة كورونا، والعنف بمختلف أشكاله. فقد صرّح بأن “تغيّر المناخ تسبب في موجات حر وفيضانات وجفاف، بينما خلّف الاستهلاك والإنتاج غير المستدامين ندوبا في بيئتنا”.

وأشار إلى أن أكثر من 300 مليون شخص في حاجة ماسة إلى المساعدة والحماية، وتداعيات تغير المناخ، وكوفيد-19، والنزاعات المُسلّحة، دفعت الجوع العالمي إلى “مستويات تنذر بالخطر”.

وأضاف: “وفي الوقت نفسه، بلغ التضخم أعلى مستوياته في 40 عاما، حيث جعل العنف ربع البشرية عالقا في حالة عدم الاستقرار”.

مطالب بالإصلاح.. من يثق في الأمم المتحدة ومجلس الأمن!

لم يُخف “تشابا كروشي” بأن الشعوب لم تعد تثق في الأمم المتّحدة لسلبيتها وعدم فعاليتها في معالجة قضايا الإنسان والكوكب بالعدالة التي تفرضها مواثيق المنظمة وأهدافها.

وأبدى “عزمه لدفع المفاوضات حول إصلاح مجلس الأمن التابع لمنظمة الأمم المتحدة”. وأكّد بأن المنظمة “انحرفت” عن أدوارها، وإصلاحها صار ضرورة لتستعيد كفاءتها التي تبني ثقة الناس فيها، فقد أوضح بالقول: “قدرتنا على إصلاح الأمم المتحدة بكفاءة، ستُحدّد دورها في أعين الناس، في جميع أنحاء العالم”.

وأعرب عن طموحاته، خلال مدّة رئاسته للمنظمة الدولية، حيث قال: “أريد أن أمضي قدما في المفاوضات بشأن إصلاح مجلس الأمن. لقد حان الوقت لأن يُمثل المجلس بشكل متساوٍ سكان الأرض، إن ذلك يعكس واقع القرن الحادي والعشرين. إنها مسألة ثقة في منظمتنا بأكملها وبالنظام العالمي المتعدد الأطراف”.

يُذكر في هذا السياق أن رئيس الوزراء الياباني “شينزو آبي”، كان قد دعا، في سبتمبر/ أيلول عام 2019، على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، إلى ضرورة إجراء إصلاحات في هيكلية مجلس الأمن الدولي. فقد قال “آبي”: “اليابان تبذل جهودا كبيرة لترجمة أفكار الأمم المتحدة وأهدافها. ومع ذلك، فإن الأمم المتحدة، القائمة منذ ثلاثة أرباع القرن، تحتاج إلى إصلاح بهيكلية مجلس الأمن”.

مشاهدُ الدّمار.. هي نوافذ على مستقبلنا

يعتقد “تشابا كروشي” بأن أزمات العالم متشابكة ومترابطة، ولكن حلولها ممكنة، فقد قال: “التحديات كبيرة. ومترابطة. لكنها ليست مستعصية”. وأكّد بأن تفعيل التعاون العلمي هو أهمّ طريق لإيجاد الحلول للقضايا الصعبة، لا سيما قضية المناخ، وأكّد بأن “التعاون العلمي ودبلوماسية المناخ، هي حلول في متناول اليد من أجل التّصدي لتغير المناخ.. لكن علينا أن نضعها موضع التنفيذ”.

شدّد “كروشي” بأن المفاوضات هي الطريق الصحيح لبلورة الحلول حول قضايا النزاعات المًسلّحة، وتساءل في هذا السياق “من كان ليتصور أن الحرب ستعود إلى أوروبا؟ وأن التهديد النووي سيعود إلى الخطاب السياسي لتسوية نزاع مع أحد الجيران؟”. وأشار إلى أن “مشاهد الدمار التي تدمي القلوب.. هي نافذة على مستقبلنا”.

يُذكر بأن الأمين العام للأمم المتحدة “أنطونيو غوتيريش”، نشر تغريدة على تويتر، يوم الثلاثاء الماضي، وأرفقها بمقتطفات من خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث دعا إلى تشكيل “ائتلاف عالمي” يهدف لاتخاذ خطوات مشتركة لحل مشاكل العالم، وقال غوتيريش: “العالم يواجه خطرا كبيرا، ويتطلب ذلك أن نعمل على إيجاد حلول لمشاكلنا المشتركة عن طريق حسن النوايا، والثقة المتبادلة، والحقوق المشتركة بين كل البشر على وجه الأرض”، وأضاف: “دعونا نتخذ موقفا موحدا لنعمل وكأننا ائتلاف دولي واحد وأمم متحدة”.

1.6 مليار إنسان في مهبّ الأزمات العالمية

حذّر “أنطونيو غوتيريش”، في كلمته خلال الدورة السابعة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، من الاضطرابات التي يُمكن أن تشهدها الدول النامية بسبب أزمة الغذاء، وقال: “تواجه حوالي 94 دولة يبلغ تعداد سكانها 1.6 مليار نسمة، العديد منها في إفريقيا.. الآثار الاقتصادية والاجتماعية للوباء (كورونا)، وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، والديون المدمرة، والتضخم المتصاعد، وعدم القدرة على الوصول إلى التمويل”.

وأضاف قائلا: “هذه الأزمات تغذي بعضها البعض، وتزيد من عدم المساواة، وتخلق مصاعب مدمرة، وتؤخر الانتقال إلى الطاقة المتجددة وتهدد بالانهيار المالي العالمي، فالاضطرابات الاجتماعية حتمية وتتبعها الصراعات “.

المواد الغذائية الروسية مجَّانا للدول الفقيرة.. وأوروبا تُعرقل

في وقت سابق، أعلن الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، بأن برنامج الغذاء العالمي يمكنُه أن يُسلّم البلدان الفقيرة 300 ألف طن من المواد الغذائية، وذلك على خلفية اتصال له مع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، الذي كشف عن “تراكم 300 ألف طن من المواد الغذائية والأسمدة الروسية في موانئ الاتحاد الأوروبي”، وأعرب بأن “روسيا مستعدة لنقلها إلى الدول النامية مجانًا”.

وقد أوضح “غوتيريش”، في تصريحات صحفية، بأنه “إذا أرادت روسيا توفير حبوب وسماد مجاني للدول النامية، أعتقد أن برنامج الغذاء العالمي سيكون قادرًا على تلبية هذه الرغبة”. واكدّ “غوتيريش”، بأن الأمم المتحدة تبذل جهودا كبيرة “لإزالة العقبات التي تعترض الصادرات الروسية من المواد الغذائية والأسمدة”.

وقال: “فيما يتعلق بصادرات المواد الغذائية والأسمدة الروسية، التي نعتبرها الآن أداة أساسية للغاية لمواجهة أزمة السوق في الأسمدة، نحن نعمل بجد لتهيئة الظروف لإزالة جميع العقبات التي لا تزال قائمة أمام هذه الصادرات”.

مطالب بتهجير مقّر الأمم المتحدة من أمريكا

في سياق آخر، أعلن الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، أنه “من غير الواقعي نقل مقر الأمم المتحدة من الولايات المتحدة”، وذلك على خلفية مطالبات بعض الدول بنقل مقر المنظمة إلى دولة أخرى.

وأوضح: “لكني أصرُّ على أن الدولة المضيفة هي التي يجب عليها الالتزام بمنح حق الوصول إلى وفود جميع البلدان الأخرى، من أجل وصولها إلى الأمم المتحدة وعملها في إطار المنظمة”، وأضاف: “موقفنا هذا واضح للغاية، وقد ناضلت بعناد من أجل إصدار التأشيرات لأعضاء الوفود الروسية”.