الأحد، 12 أبريل 2026 — 23 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
العالم

“الأيام نيوز” تغوص “في ظل الشاهد”.. الخبير العسكري “أكرم خريف” يكشف قصة الطائرات المسيّرة الإيرانية

Author
هارون عمري 08 أبريل 2026
X Facebook TikTok Instagram

يكشف الحوار الذي أجراه موقع “الأيام نيوز” مع الباحث والمحلل العسكري، أكرم خريف، حول كتابه الجديد “في ظل الشاهد: ملحمة برنامج الدرون الإيراني”، عن واحدة من أكثر السرديات تعقيدا وإثارة في تاريخ الصناعات العسكرية الحديثة، حيث يسلّط الضوء على مسار نشأة وتطور برنامج الطائرات المسيّرة الإيرانية، باعتباره نموذجا فريدا للابتكار تحت ضغط الحصار والتحولات الجيوسياسية، وصولا إلى بلوغ مرحلة الفاعلية الاستراتيجية.

 

ويؤكد خريف أن مشروع الكتاب لم يكن مخططا له منذ البداية، بل جاء نتيجة تراكم معرفي امتد لأكثر من 13 عاما من المتابعة الدقيقة لتطورات المنطقة، خاصة ما يتعلق بالبرنامج العسكري الإيراني. فقد انطلق كمقال بحثي حول بدايات الطائرات المسيّرة، قبل أن يتحول تدريجيا إلى عمل توثيقي موسّع، في ظل شحّ المراجع المتخصصة في هذا المجال. وقد واجه الباحث خلال هذه الرحلة تحديات كبيرة، أبرزها الطبيعة السرية للبرنامج وتشتت المعلومات عبر جغرافيا واسعة، غير أنه نجح في تجميع هذه المعطيات ضمن سردية متماسكة تربط بين البعد التقني والسياق الجيوسياسي.

ويتوقف الكتاب عند الجانب الإنساني من التجربة، من خلال قصة أحد المؤسسين الأوائل الذي انتهى به المطاف مهاجرا للعمل في الخارج، في صورة تعكس مفارقة “هجرة الأدمغة” التي رافقت نجاح البرنامج. ويرى خريف أن هذه الظاهرة تمثل نقطة ضعف بنيوية، غير أن إيران سعت إلى تجاوزها عبر بناء مؤسسات قادرة على حفظ المعرفة واستمرارها بعيدا عن الأفراد.

كما يبرز الحوار أن تجاهل الغرب لبدايات هذا البرنامج لم يكن استخباراتيا بقدر ما كان نتيجة قصور في النماذج التحليلية، التي لم تستوعب إمكانية نشوء ابتكار عسكري مؤثر خارج الأطر التقليدية. وقد تجلت نتائج هذا التقدير الخاطئ مع بروز طائرات “شاهد” في ساحات القتال.

أكرم خريف

ويشير خريف إلى أن الحصار لعب دورا محوريا في دفع الابتكار، عبر ما يسميه “إعادة تعريف الحاجة”، حيث تحوّلت القيود إلى دافع لتطوير حلول منخفضة التكلفة وفعالة ميدانيا. كما يسلّط الضوء على التحول الاستراتيجي من تصدير السلاح إلى نقل المعرفة، ما أعاد تشكيل طبيعة النزاعات الحديثة.

وفي السياق ذاته، يناقش الكتاب معادلة الكلفة التي جعلت من هذه الطائرات أداة فعالة في استنزاف الخصوم اقتصاديا، مقابل أنظمة دفاعية باهظة. ويخلص خريف إلى أن التجربة الإيرانية تقدّم درسا أساسيا مفاده أن الاستثمار في الإنسان وبناء المؤسسات يمثلان حجر الأساس لأي مشروع استقلالي ناجح، رغم التحديات المرتبطة بالتحولات التقنية والضغوط الجيوسياسية المتسارعة.

 

الأيام نيوز: استغرق إنجاز كتابكم “في ظل الشاهد” نحو 13 عاما من الرصد والتحليل، متنقلا بين محطات متعددة من الشرق الأوسط إلى اليمن وصولا إلى سماء أوكرانيا. كيف تمكّنتم، كباحث مستقل، من تجميع خيوط هذا البرنامج العسكري شديد السرية ضمن سردية متماسكة؟ وما أبرز التحديات المنهجية والمعرفية التي واجهتكم خلال هذه الرحلة الطويلة؟

 

أكرم خريف: في الحقيقة، لم يكن مشروعا بحثيا مخططا له منذ البداية بهذا الشكل، وما حدث هو تراكم تدريجي على مدى أكثر من عقد من تغطية منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

كنت أتابع البرنامج الإيراني منذ سنوات بسبب خصوصيته المتمثلة في دولة محاصرة ومعزولة نجحت في تطوير صناعة عسكرية حقيقية، وفي بداية هذه الحرب، أردت كتابة مقال عن بدايات هذه الملحمة للطائرات المسيّرة الإيرانية، فوجدت نفسي أمام خمس وعشرين صفحة، قلت لنفسي إن من المفيد تحويل هذا إلى كتاب، لا سيما أن المؤلفات في هذا الموضوع شحيحة.

 

“الرجل الذي صنع أولى الكاميرات الإيرانية تحت القصف.. انتهى به المطاف في مختبرات ناسا”

 

الأيام نيوز: من أعمق ما ورد في كتابكم هي القصة الإنسانية للمؤسسين الثلاثة، وخاصة قصة طالب الفيزياء “سعيد” الذي ابتكر نظام الكاميرات ثم انتهى به المطاف مهاجرا للعمل في وكالة “ناسا” الأمريكية، من خلال احتكاككم بهذا الملف، كيف تقرأون هذه المفارقة الدرامية المتمثلة في “هجرة الأدمغة”، وهل يمثل هذا الاستقطاب للكوادر نقطة ضعف خفية تعوق مستقبل البرنامج الإيراني؟

 

أكرم خريف: قصة سعيد هي ربما أكثر القصص الواردة في الكتاب إيلاما في دلالتها.

الرجل الذي صنع بيديه أولى كاميرات الطائرات المسيّرة الإيرانية في خوزستان تحت القصف العراقي، انتهى به المطاف يعمل في مختبرات الأمة ذاتها التي كانت تلك الطائرات مصممة لمراقبتها.

هذه المفارقة لا تتوقف عند حدود الحكاية الفردية، إنها تعكس إشكالية بنيوية عميقة في النموذج الإيراني. البرنامج بُني على كفاءات نخبوية في ظروف استثنائية من الحرب والحصار، غير أن الحفاظ على هذه الكفاءات في زمن السلم ظل تحديا مستمرا.

هجرة الأدمغة الإيرانية حقيقية وموثقة، وهي تمثل بالفعل نقطة ضعف خفية، غير أن النموذج الإيراني أجاب على هذا التحدي بطريقة مثيرة للاهتمام، عبر بناء مؤسسات تتجاوز الأفراد وتحتفظ بالذاكرة التنظيمية حتى حين يرحل أصحابها.

 

الأيام نيوز: لقد أشرتم إلى أن (رشيد، مسعود وسعيد) هم رجال “تجاهلهم التاريخ العسكري الغربي تماما” ولم تظهر أسماؤهم في المراجع قبل حرب أوكرانيا، برأيكم، هل كان هذا التجاهل ناتجا عن قصور استخباراتي غربي في فهم بدايات البرنامج ضمن “الجهاد الجامعي” في ورشة أصفهان، أم أنه مجرد استخفاف تقليدي متعمّد بقدرات الدول المحاصرة؟

 

أكرم خريف: التجاهل الغربي في تقديري اتخذ طابعا معرفيا وأيديولوجيا في جوهره متجاوزا البعد الاستخباراتي البحت. إن الاستخبارات الغربية كانت تراقب إيران، غير أنها كانت تنظر إليها من خلال إطار مرجعي خاطئ يفترض أن الابتكار العسكري الحقيقي لا يمكن أن ينشأ خارج المجمعات الصناعية العسكرية الكبرى.

فكرة أن ثلاثة مهندسين مدنيين بملابس مدنية وحقائب جلد، في ورشة جامعية في أصفهان، يمكن أن يضعوا الأساس لأكثر الأسلحة تأثيرا في القرن الحادي والعشرين، ببساطة لم تكن مُتصوَّرة ضمن النماذج التحليلية السائدة. والاستخفاف بقدرات الدول المحاصرة حكم مسبق عميق الجذور في التحليل الاستراتيجي الغربي، وقد دفع ثمنه العالم مفاجأة كاملة حين ظهر الشاهد-136 في سماء أوكرانيا.

 

​​”الحصار خلق الحاجة، والحرب خلقت الإلحاح، والكوادر الجامعية وفّرت الأدمغة”

 

الأيام نيوز: يستنتج كتابكم بشكل واضح أن الحصار كان “محرّك الابتكار” لإيران، بينما التهديدات كانت “الوقود”، كيف تشرحون للقارئ والمتابع آلية تحوّل القيود القاسية والمقاطعة التكنولوجية المطبقة إلى بيئة مثالية لولادة فكرة “جنونية” أفرزت في النهاية سلاحا غيّر موازين القتال الحديثة؟

 

أكرم خريف: الآلية التي يكشفها الكتاب بوضوح هي ما أسميه منطق الاستبدال التصاعدي، حين لا تستطيع شراء ما تحتاج، تُعيد تعريف ما تحتاجه.

إيران ما بعد 1979 لم تنجح في شراء طائرات حربية حديثة، فأعادت صياغة حاجتها من طائرة حربية متطورة إلى أداة للمراقبة والضربة الدقيقة بأقل تكلفة ممكنة.

إعادة الصياغة هذه، هي الابتكار الحقيقي في التعريف ذاته أكثر منه في التقنية، ثم جاءت الحرب مع العراق لتضيف وقودا من نوع مختلف هو الضرورة القصوى، لأن الجنود يموتون بسبب عجز القادة عن رؤية ما يجري على بعد خمسة كيلومترات.

هذا النوع من الضغط لا تستطيع أي ميزانية بحثية في العالم شراءه، والحصار خلق الحاجة، والحرب خلقت الإلحاح، والكوادر الجامعية التي حشدها الجهاد الجامعي وفّرت الأدمغة، إن اجتماع هذه العوامل الثلاثة في لحظة واحدة هو ما صنع المعجزة.

 

الأيام نيوز: يوثق “في ظل الشاهد” سياسة طهران في تزويد الفصائل في فلسطين ولبنان بخطط التصنيع والإمكانات، بدلا من مجرد شحن السلاح، كيف غيّرت هذه الخطوة الاستراتيجية المتمثلة في “نقل المعرفة” شكل النزاعات الحديثة، وكيف استفاد المهندسون الإيرانيون من تحويل ساحة احتلال الكيان الصهيوني إلى ميدان مفتوح لتجريب وتطوير هذه النماذج؟

 

أكرم خريف: ما وثّقه الكتاب في هذه المسألة يمثل ربما أعمق تحوّل استراتيجي في تاريخ الانتشار العسكري منذ الحرب الباردة.

إيران انتقلت من نموذج تصدير السلاح إلى نموذج نقل القدرة، وهذا الفارق جوهري، حين تُصدّر سلاحا، يمكن اعتراضه في البحر أو تدميره في مستودع، بينما حين تُصدّر خططا تقنية وكوادر مدرَّبة، لا يمكنك مصادرة ما استقر في عقل مهندس أو على خادم رقمي مشفّر.

التجربة اللبنانية مع حزب الله كانت المختبر الأول لهذا النموذج منذ 2003، والنتائج كانت مقنعة لدرجة أن إيران طبّقته في اليمن وغزة والعراق بأشكال متطورة متزايدة، أما استخدام الساحة الفلسطينية واللبنانية ميدانا لتجريب الأسلحة وتطويرها، فهذا ما يُحكم عليه أخلاقيا وقانونيا بشدة، والكتاب يوثّقه دون أن يبرره.

 

​​”حين تُكلّف عملية الاعتراض أضعاف قيمة المنظومة المُعترَضة تصبح الحرب حرب استنزاف مالي”

 

 

الأيام نيوز: أفردتم حيزا للحديث عن التكلفة الزهيدة لتصنيع طائرة “شاهد” والتي لا تتجاوز 7 آلاف دولار، وقدرتها على استهداف مواقع لا تقدّر بثمن، انطلاقا من تحليلاتكم في الكتاب، هل تعتقدون أن هذا “سلاح الفقراء” قد أسقط بالفعل القيمة الاستراتيجية والجدوى الاقتصادية لمنظومات الدفاع الجوي الغربية المليارية؟

 

أكرم خريف: أعتقد أن الجواب الصادق هو نعم مع تحفظ مهم.

الشاهد-136 لم يُسقط القيمة الاستراتيجية للدفاع الجوي الغربي بالمعنى المطلق، غير أنه كشف عن تناقض اقتصادي بنيوي لم يكن محسوبا في معادلات التصميم، حين تُكلّف كل عملية اعتراض أضعاف تكلفة المنظومة المُعترَضة، تصبح الحرب حرب استنزاف مالي أكثر من كونها حرب تفوق تقني.

ما وثّقه الكتاب هو أن هذه المعادلة لم تكن نظرية، إنما أُثبتت عمليا في أوكرانيا ليلة بعد ليلة، وفي المملكة العربية السعودية في ضربة أبقيق عام 2019، وفوق الكيان الصهيوني في ليلة 13 أبريل 2024.

التقدير الأمريكي الذي يحدد تكلفة اعتراض تلك الليلة بمليار إلى مليار ونصف دولار مقابل بضعة ملايين قيمة المنظومات المُطلَقة يقول كل شيء.

الجواب يكمن في إعادة هندسة الاعتراض باتجاه تكاليف أقل جذريا، كبديل للتخلي عن الدفاع الجوي، وهذا ما تعمل عليه مختبرات الليزر والأسلحة الموجّهة بالطاقة حاليا.

 

الأيام نيوز: إلى جانب التحليلات التقنية والجيوسياسية، اخترتم في الكتاب التركيز على الجانب الذي يتم تغييبه غالبا وهو “الأشخاص والقرارات”، بعد نشر الكتاب، ما هي الرسالة الأهم التي تأملون أن تصل للمنظّرين وصنّاع القرار في العالم العربي، من خلال دراسة قصة نجاح تحولت فيها دولة مقيّدة من الخارج إلى قوة مبادرة بُنيت من الداخل؟

 

أكرم خريف: الرسالة التي أتمنى أن تصل أكثر من غيرها تتجاوز البعد التقني والعسكري لتكون رسالة مؤسسية بامتياز. ما أثبته البرنامج الإيراني هو أن الاستقلالية التقنية تعد خيارا استراتيجيا متاحا لأي دولة تقرر بجدية الاستثمار في كوادرها، وتقبل الفشل كجزء من مسار التطوير.

المهندسون الثلاثة في ورشة أصفهان لم يكونوا عباقرة استثنائيين، إنما كانوا أناسا عاديين في ظروف استثنائية يدعمهم نظام آمن بهم حتى حين كانت طائراتهم تسقط وتفشل.

المنظومة العربية في مجملها تمتلك الكفاءات البشرية والموارد المادية التي تتجاوز ما كان متاحا لإيران في الثمانينيات، غير أنها تفتقر في الغالب إلى هذه الثقافة المؤسسية التي تتسامح مع الفشل وتحتضن المبادرة، هذا هو الدرس الأعمق.

 

​”عقيدة البقاء: كيف تحولت ‘اللامركزية’ من خيار تقني إلى درع مؤسسي ضد الاغتيالات؟”

 

الأيام نيوز: من خلال تعمقكم في هيكلية التجربة العسكرية الإيرانية وتاريخها، نجد أنفسنا اليوم في ربيع عام 2026 أمام واقع عملياتي شديد القسوة، حيث أدت العملية العسكرية الواسعة “الغضب الملحمي” إلى تصفية القيادات العليا في إيران بمن فيهم المرشد الأعلى وكبار قادة الحرس الثوري، رغم ذلك، نرى إيران تعتمد على “تسليح الجغرافيا” لفرض إغلاق على مضيق هرمز وتحصيل رسوم المرور، كيف تستشرفون قدرة المؤسسة العسكرية الإيرانية على الاستمرار، وهل تعتقدون أن “اللامركزية” التي طُبعت بها هذه التجربة منذ أيام ورشة أصفهان كافية لامتصاص الصدمة القيادية الهائلة وإدامة قوة الردع، أم أننا نشهد بداية تفكك هذه المنظومة؟

 

أكرم خريف: هذا السؤال يمس في جوهره الفرق بين المؤسسة والأفراد. ما يُلفت النظر في تاريخ البرنامج الإيراني الذي يوثّقه الكتاب هو قدرته المتكررة على الاستمرار رغم خسارة قياداته الكبرى، من حسن طهراني مقدم عام 2011 إلى محمد باقري عام 2025 إلى حاجي زاده نفسه.

المؤسسة الإيرانية أدركت مبكرا، عبر درس عام 1981 حين اغتيل قادتها تباعا، أن البناء الهش ينتج عن الاعتماد المطلق على الأفراد، اللامركزية والتكرار في البناء المؤسسي يمثلان عقيدة راسخة يتجاوزان كونهما مجرد نقطة ضعف.

في المقابل، الصدمة الراهنة أعمق من أي صدمة سابقة، لأن فقدان رأس القيادة السياسية والعسكرية في وقت واحد يخلق فراغا لا تملؤه أي لامركزية تقنية. إن مصير المنظومة يتحدد عبر قدرتها السياسية على الحفاظ على التماسك الداخلي في لحظة التحول القيادي، أكثر من قدرتها التقنية البحتة على الاستمرار، هذا هو المجهول الأكبر.

 

الأيام نيوز: وثقتم كيف بدأ هذا البرنامج بمكونات تجارية بسيطة وهندسة عكسية، إلا أننا نشهد في عام 2026 ظهور طرازات متطورة مثل “شاهد-136MS” والتي تدمج أنظمة ذكاء اصطناعي لتجاوز التشويش المتقدم على أنظمة تحديد المواقع، بالإضافة إلى الاعتماد المتزايد على أنظمة دفاع روسية وملاحة فضائية صينية للحماية والتوجيه، انطلاقا من هذا المشهد الراهن، كيف تستشرفون ملامح الجيل القادم من الطائرات المسيّرة، وهل يعني هذا التعقيد التكنولوجي الجديد طي صفحة “الابتكار المستقل” التي وثقتموها، لتصبح إيران جزءا عضويا وتابعا للمحور التقني الصيني الروسي في حربها الراهنة؟

 

أكرم خريف: التطورات التقنية الراهنة في البرنامج الإيراني تطرح إشكالية حقيقية تتعلق بجوهر هوية هذا البرنامج.

الكتاب يوثّق بوضوح أن أكبر ميزة استراتيجية للبرنامج الإيراني كانت استقلاليته، وقدرته على الاستمرار بصرف النظر عن أي شريك خارجي، لأنه بُني من البداية على مبدأ ينص على ضرورة بناء ما يمكن بناؤه داخليا عوض الشراء.

الاندماج المتزايد مع المنظومات التقنية الروسية والصينية يُعيد تعريف هذه المعادلة جذريا، وإيران تكسب تقنيا عبر أنظمة ملاحة أكثر مقاومة للتشويش، وقدرات معالجة أكثر تطورا، غير أنها تدفع ثمن الاعتماد الاستراتيجي المتزايد.

هل يعني هذا طي صفحة الاستقلالية نهائيا؟ لا أعتقد ذلك، لأن البنية التحتية الصناعية الإيرانية قائمة وراسخة ومتجذرة في ثقافة الاكتفاء الذاتي التي بنتها أربعة عقود.

هامش الاستقلالية يضيق، والسؤال يتمحور حول ما إذا كان المحور الصيني الروسي شريكا استراتيجيا حقيقيا، أم يمثل نموذجا آخر من نماذج التبعية التكنولوجية التي فرّت منها إيران حين قطعت مع واشنطن عام 1979.

رابط دائم
https://elayem.news/u43ro
Author هارون عمري
شاعر،أكاديمي وكاتب صحفي بصحيفة «الأيام نيوز»، له ديوان "أولى المرايا وآخر الصور"