السبت، 07 مارس 2026 — 17 رمضان 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اختيارات المحرر

الإعلامي محمود بلحيمر لـ”الأيام نيوز”: ترامب يؤمن بسلطة رئاسية مطلقة ويقود أميركا نحو نهج صدامي

Author
كريم كالي 21 يناير 2026
X Facebook TikTok Instagram

 بعد عام على عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، تتزايد التساؤلات داخل الولايات المتحدة وخارجها حول طبيعة التحولات التي أحدثها في السياسة الأميركية، داخليًا وخارجيًا. في هذا الحوار، يقدّم الإعلامي الجزائري المقيم في واشنطن محمود بلحيمر قراءة تحليلية لسياسات ترامب خلال عامه الأول، متوقفًا عند ملامح نهجه غير التقليدي، وتداعيات مبدأ “أميركا أولًا” على الحلفاء والنظام الدولي، ومستقبل العلاقة مع الصين وروسيا، إضافة إلى حدود سلطة الرئيس في ظل توازنات الكونغرس.الأيام نيوز: مضى عام كامل على وصول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض. خلال حملته الانتخابية أطلق وعودًا كثيرة، كيف تقيّمون سياساته في عامه الأول؟ وهل يمكن القول إن ترامب دشّن قطيعة حقيقية مع النهج السياسي التقليدي في واشنطن؟محمود بلحيمر: من الواضح أن أسلوب ترامب في الحكم يختلف جذريًا عن سلفه الديمقراطي جو بايدن، بل وحتى عن الرؤساء الجمهوريين السابقين مثل جورج بوش الأب والابن ورونالد ريغن. ترامب يؤمن بسلطة رئاسية قوية، ويرى أنه لا شيء يجب أن يقيّده في اتخاذ القرارات التي يراها مناسبة، لا الكونغرس ولا المحاكم ولا حتى المؤسسات الفيدرالية المستقلة. وقد رأينا إفراطه في إصدار الأوامر التنفيذية لفرض سياسات من دون العودة إلى الكونغرس، ما يعكس قناعته بأن له سلطة شبه مطلقة يتصرف على أساسها.داخليًا، وكما كان متوقعًا، انتهج سياسة متشددة تجاه ملف الهجرة غير الشرعية، ليس فقط عبر ترحيل الموقوفين من المهاجرين غير النظاميين، بل أيضًا من خلال نشر قوات الحرس الوطني في شوارع عدد من المدن الأميركية، وتشديد إجراءات الحصول على تأشيرات الدخول إلى الولايات المتحدة.

هذه السياسات تلقى ترحيبًا من أنصاره في حركة “ماغا” (لنجعل أميركا عظيمة مجددًا)، لكنها تواجه معارضة واسعة من شرائح أميركية عديدة، لا سيما بسبب أسلوب تنفيذها. كما ألغى ترامب عددًا من الوكالات الفيدرالية وسرّح أكثر من 150 ألف موظف حكومي بهدف تقليص النفقات وزيادة فعالية الجهاز البيروقراطي ومحاربة التبذير. وفي الوقت نفسه مرّر تشريعًا لخفض الضرائب، لكنه ألغى برامج اجتماعية تتعلق بالمساعدات الغذائية والتغطية الصحية للفئات الهشة، وهو ما قد ينعكس سلبًا على شعبيته.

ويزداد قلق ترامب لأن مؤشرات الاقتصاد لا تبدو إيجابية؛ فقد نال ثقة الناخبين أساسًا باعتباره الأقدر على إنعاش الاقتصاد الأميركي. ورغم حديثه المتكرر عن “نجاحات” في عامه الأول، فإن الأرقام المتعلقة بالبطالة، ومعدلات الفائدة، والتضخم، وارتفاع أسعار السلع والخدمات لا تصب في صالحه.واقع الحال أن استطلاعات الرأي تشير إلى تراجع شعبيته إلى أقل من 40%، وأن غالبية الأميركيين يعتبرون عامه الأول فاشلًا.

الأيام نيوز: ترامب يتبنى مبدأ “أميركا أولًا” في السياسة الخارجية. كيف انعكس هذا النهج على علاقات واشنطن مع حلفائها؟ وهل أسهم في إضعاف النظام الدولي القائم؟

بلحيمر: على عكس التوقعات التي سادت خلال حملته الانتخابية، والتي رأت أنه سيتبع سياسة أقل انخراطًا في النزاعات الخارجية، أثبت ترامب – خاصة من خلال قصف منشآت نووية، وحصار فنزويلا، واختطاف الرئيس نيكولاس مادورو – أنه ينتهج سياسة خارجية صدامية، إن لم نقل عدوانية. فهو يفضّل استخدام القوة الصلبة بدل الدبلوماسية لتحقيق ما يراه مصالح أميركية، من دون اكتراث حقيقي بالقانون الدولي.

في وثيقة استراتيجية الأمن القومي، تتحدث إدارته صراحة عن بسط النفوذ الأميركي على نصف الكرة الغربي، واستبعاد نفوذ قوى مثل الصين وروسيا، في إحياء واضح لما يُعرف بـ“مبدأ مونرو”، بل إن ترامب أطلق عليه تسمية “مبدأ دونرو” نسبة إليه. وقد استخدم القوة لحصار فنزويلا، معلنًا صراحة رغبته في السيطرة على نفطها، وهو أمر غير مسبوق في الخطاب الأميركي، إذ اعتادت واشنطن تبرير تدخلاتها بلغة حقوق الإنسان ونشر الديمقراطية، كما حدث في العراق. أما ترامب، فلا يكترث بهذه العناوين، ويتحدث مباشرة بلغة الصفقات والمكاسب.

من جهة أخرى، يفضّل ترامب تحرّك الولايات المتحدة بشكل أحادي بدل العمل الجماعي مع الحلفاء، خاصة الأوروبيين وحلف الناتو. وقد فرض رسومًا جمركية على شركاء تقليديين مثل الاتحاد الأوروبي وكندا والمكسيك، انطلاقًا من قناعته بأن التفوق الأميركي التكنولوجي والعسكري والاقتصادي يسمح بفرض الإرادة الأميركية، وهو ما يفسر أيضًا حديثه عن رغبته في السيطرة على جزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك.

هذا النهج لا يهدد فقط النظام الدولي، بل يفتح الباب أمام تنافس خطير بين القوى الكبرى، قد يقود إلى صدامات دولية. فبعد ما حدث في فنزويلا، برزت مخاوف من أن تقدم الصين على خطوات مماثلة تجاه تايوان، أو أن توسّع روسيا نطاق سيطرتها على دول أخرى، ما يهدد الاستقرار والسلام العالميين.

الأيام نيوز: كيف تقيّمون تعامل ترامب مع الصين وروسيا خلال عامه الأول؟

محمود بلحيمر: بالنسبة للصين، ورغم تشديد ترامب المتواصل على أنها المنافس الاستراتيجي الأول للولايات المتحدة، لا نرى سياسة متكاملة وواضحة تجاه بكين، باستثناء فرض الرسوم الجمركية التي تراجع عن جزء كبير منها، وهي الرسوم نفسها التي فرضها على شركاء وحلفاء آخرين.

الصين اليوم تُعد “مصنع العالم”، ولا تستطيع الولايات المتحدة المغامرة بسياسات تؤدي إلى ارتفاع حاد في الأسعار يضر بالقدرة الشرائية للأميركيين، وهو ما لا يريده ترامب. وربما يفسر ذلك توصل إدارته إلى اتفاق مع الصين في نوفمبر الماضي بشأن الرسوم والمعادن النادرة. ويُذكر أن العجز التجاري الأميركي مع الصين بلغ نحو 295 مليار دولار خلال عام 2024، وهو ما يشكل هاجسًا رئيسيًا لترامب، الذي يزاوج بين التفاوض وفرض الرسوم لتقليص هذا العجز. عمومًا، لم تشهد العلاقات الأميركية–الصينية توترًا حادًا خلال العام الماضي.

أما بالنسبة لروسيا، فقد أعلن ترامب منذ حملته الانتخابية رغبته في إعادة تطبيع العلاقات معها بعد إنهاء الحرب في أوكرانيا. غير أن مساعيه تعثرت بسبب شروط قاسية أراد فرضها على الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي، أبرزها الاعتراف بالسيطرة الروسية على نحو 20% من الأراضي الأوكرانية، والتخلي عن الانضمام إلى حلف الناتو.

هذا التعثر، إضافة إلى تمسك الحلفاء الأوروبيين بدعم كييف عسكريًا، يجعل وقف الحرب في أوكرانيا أمرًا بعيد المنال في المدى القريب، ويُبقي التقارب الأميركي–الروسي معلقًا.

الأيام نيوز: هل تتوقعون أن يواصل ترامب هذه السياسات من دون قيود، خاصة من الكونغرس؟

محمود بلحيمر: النظام السياسي الأميركي يقوم على مبدأ الفصل بين السلطات والضوابط والتوازنات، ما يعني أن سلطة الرئيس ليست مطلقة. غير أن فوز ترامب الكاسح في انتخابات نوفمبر 2024، وسيطرة الجمهوريين على مجلسي النواب والشيوخ، جعلاه يشعر بحرية حركة واسعة. فالكثير من المشرعين الجمهوريين يتجنبون انتقاد سياساته علنًا خشية فقدان دعم قاعدة “ماغا” في انتخابات التجديد النصفي المقبلة.

ما قد يقيّد ترامب مستقبلًا هو احتمال فوز الديمقراطيين، خاصة بمجلس النواب، في انتخابات نوفمبر المقبلة. فالمؤشرات، ومنها تراجع شعبيته إلى ما دون 40%، والاستياء الشعبي من نشر الحرس الوطني في المدن، إضافة إلى عدم تحسن الأوضاع الاقتصادية، كلها عوامل قد تدفع الناخبين لمعاقبة الجمهوريين. فالقدرة الشرائية للأميركيين لم تتحسن، ومعدلات البطالة والتضخم والفائدة ما تزال مرتفعة، وهي مؤشرات قد تؤدي إلى خسارة ترامب وحلفائه لعدد معتبر من مقاعد الكونغرس. وفي حال حدوث ذلك، ستتقلص هامشية حركته، ولن تبقى يده طليقة كما هي اليوم