الخميس، 15 أكتوبر 2026 — 2 جمادى الأولى 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
حديث الساعة

لا علاج للورم الإماراتي إلا القطع الجزائري.. مشرط السيادة

Author
الأيام نيوز 13 سبتمبر 2026
X Facebook TikTok Instagram

لم تصل الجزائر إلى قرار قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات دفعة واحدة، بل سلكت منذ أوت 2020، تاريخ انخراط أبوظبي رسميا في المشروع الصهيوني عبر الانضمام إلى “اتفاقات أبراهام”، مسارا دبلوماسيا متدرجا؛ بدأ بالتلميح إلى خطورة سلوكيات الجانب الإماراتي، ثم انتقل إلى إعلان المواقف صراحة، ورفع نبرة الاعتراض والتوبيخ العلني، قبل أن يصل إلى التحذير الواضح من العواقب. وخلال مختلف هذه المراحل، أبقت الجزائر باب التراجع والتدارك مفتوحا أمام أبوظبي، متمسكة بضبط النفس، وحريصة على الإبقاء على العلاقات الثنائية. غير أن إصرار الجانب الإماراتي على مواصلة “التصرفات الاستفزازية والعدائية” أنهى مسار التدرج، وحوّل التحذير الأخير إلى قرار سيادي بقطع العلاقات الدبلوماسية، بعدما أعلنت الجزائر استنفاد جميع الوسائل والمساعي المبذولة من أجل الحفاظ عليها.

وبالفعل، قررت الجزائر، الخميس الماضي، قطع علاقاتها الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، بعد استنفاد جميع الوسائل والمساعي الكفيلة بالحفاظ على العلاقات الثنائية، وفق ما أعلنته وزارة الشؤون الخارجية في بيان رسمي.

وأوضحت الوزارة أن القرار جاء “إزاء تزايد التصرفات الاستفزازية أو العدائية الصادرة عن دولة الإمارات العربية المتحدة”، مشيرة إلى أن الجزائر تحلت بقدر كبير من ضبط النفس وبحس عال من المسؤولية، ولم تدخر جهدا في لفت انتباه الجانب الإماراتي وتحذيره من العواقب الوخيمة التي قد تترتب عن سلوكياته، انطلاقا من احترام المبادئ التي تحكم العلاقات بين الدول.

وأضاف البيان أن التحذيرات العديدة التي وجهتها الجزائر لم توقف تلك التصرفات، التي واصلت الإمارات القيام بها إلى أن بلغت حدودا لم يعد من الممكن معها اعتبارها مقبولة أو قابلة للتحمل في إطار العلاقات بين دولتين ذاتي سيادة، أو إبقاء الأمر من دون رد. وعلى هذا الأساس، أعلنت الحكومة الجزائرية قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات، بعد استنفاد مختلف السبل الرامية إلى الحفاظ على العلاقات الثنائية.

وكانت وزارة الشؤون الخارجية، قد استقبلت الخميس 10 سبتمبر 2026، سفير الإمارات، حيث أبلغته رسميا بفحوى القرار، ومنحته مهلة قدرها 48 ساعة للامتثال له. وبعد ساعات من إعلان قطع العلاقات، قررت الجزائر غلق مجالها الجوي أمام جميع الطائرات المرقمة في دولة الإمارات العربية المتحدة، المدنية والعسكرية، ذهابا وإيابا، ابتداء من يوم الجمعة 11 سبتمبر 2026 على الساعة منتصف الليل، حسب ما أورده بيان لوزارة الدفاع الوطني.

وأوضح البيان أن القرار يأتي “على إثر قطع الجزائر لعلاقاتها الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة”، ويشمل كل الطائرات الإماراتية المدنية والعسكرية. ويستثني القرار الرحلات الجوية المدنية التجارية الإماراتية القادمة من وإلى مطار هواري بومدين الدولي بالجزائر العاصمة، إذ ستتواصل هذه الرحلات إلى غاية نهاية السنة الجارية، موعد انتهاء العقد المبرم في هذا الإطار. ويشكل القرار المتعلق بالمجال الجوي إجراء إضافيا أعقب القطيعة الدبلوماسية، مع استمرار الاستثناء التجاري لفترة محددة، بما يبقي الرحلات المدنية المرتبطة بالعقد القائم إلى نهاية 2026.

 

من الأحزاب إلى المنظمات.. مساندة واسعة لقرار قطع العلاقات

وأثار القرار مواقف مؤيدة من عدد من الأحزاب السياسية والمنظمات، التي اعتبرته قرارا سياديا يرتبط بحماية الأمن الوطني وصون المصالح العليا للجزائر واستقلال قرارها. وفي هذا السياق، أعلن حزب جبهة التحرير الوطني دعمه المطلق وتأييده التام للقرار، معتبرا أن هذه الخطوة تفرضها ضرورة صون المصالح العليا للوطن، وتأتي ردا على استمرار السلوكيات والممارسات الاستفزازية والعدائية التي تستهدف، وفق الحزب، حرمة التراب الوطني.

ودعا الحزب مختلف القوى الحية إلى تعزيز اللحمة الوطنية وتقوية الجبهة الداخلية وتوطيد وحدة الصف والوقوف وراء مؤسسات الدولة، قيادة وجيشا، لمواجهة ما وصفه بالدسائس والمؤامرات وحماية مناعة الوطن وحرية قراره.

بدوره، أعلن التجمع الوطني الديمقراطي دعمه الكامل لقرار قطع العلاقات، معتبرا أنه جاء بعد استنفاد مختلف السبل والمساعي الرامية إلى الحفاظ على العلاقات الثنائية، وبعد تمادي الجانب الإماراتي في تصرفات استفزازية وعدائية رغم التحذيرات المتكررة التي وجهتها الجزائر بضبط نفس ومسؤولية.

وشدد الحزب على أن سيادة الجزائر وكرامة الدولة ومصالحها العليا تمثل خطوطا حمراء لا تقبل المساومة، مؤكدا أن السياسة الخارجية الجزائرية تقوم على مبادئ الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول واحترام سيادتها وقراراتها الوطنية. وجدد ثقته في مؤسسات الدولة ودعمه للقرارات التي تحمي الأمن القومي والمصالح العليا للجزائر وسيادتها الوطنية.

أما جبهة المستقبل، فأعلنت دعمها للقرار السيادي، مؤكدة أنه يندرج ضمن حق الجزائر الكامل في حماية مصالحها العليا وصون أمنها الوطني. وأشار الحزب إلى أن القرارات التي تتخذها الدولة تستند إلى رؤية مسؤولة وتقدير دقيق لمقتضيات الأمن والاستقرار، بعيدا عن الحسابات الظرفية وردود الفعل العابرة.

ودعت جبهة المستقبل إلى تعزيز الجبهة الداخلية وترسيخ وحدة الصف الوطني والالتفاف حول مؤسسات الجمهورية، بما يعزز قدرة الجزائر على مواجهة الضغوط وصيانة مصالحها الاستراتيجية. وأكدت تمسك الدبلوماسية الجزائرية بمبادئ احترام سيادة الدول ودعم القضايا العادلة والدفاع عن الأمن والاستقرار.

وفي الاتجاه نفسه، أعلن حزب تجمع أمل الجزائر “تاج” دعمه التام للقرار، معتبرا أن الإمارات انخرطت، وفق تقديره، في “مؤامرات غير محسوبة العواقب” ضد سيادة الجزائر وأمنها، وأن قطع العلاقات يصب في صالح صون السيادة الوطنية واستقلالية القرار السياسي. وأكد الحزب أن القرار اتخذ بعد تقييم معمق للتطورات التي عرفتها العلاقات الثنائية خلال السنوات الأخيرة، وبعد استنفاد المساعي التي منحت الجانب الإماراتي فرصة لتصحيح ما وصفه بأخطائه والتراجع عنها.

وأعلنت حركة البناء الوطني دعمها للقرار ولكل القرارات السيادية المرتبطة بصون المصالح الحيوية للأمة الجزائرية، خصوصا في ملفات الدفاع والأمن والسياسة الخارجية. ومن جهته، أعلن حزب الحرية والعدالة تأييده الكامل لقطع العلاقات، معتبرا القرار حاسما لحماية الأمن القومي وصون القرار الوطني في مواجهة ما وصفه بالسلوك الإماراتي الذي يمثل مصدر قلق وتهديد متزايدا لاستقرار الجزائر ومصالحها العليا.

وثمن حزب الكرامة القرار الوطني والسيادي، معلنا دعمه للسلطات العليا في البلاد في كل القرارات والإجراءات الرامية إلى حماية السيادة والأمن القومي والمصالح العليا للجزائر، مؤكدا أن السيادة الوطنية والأمن القومي والقرار المستقل خطوط حمراء لا تقبل المساومة أو الوصاية أو التدخل أو الابتزاز. ورحب التحالف الوطني الجمهوري بالقرار، معلنا مساندته الكاملة لموقف الدولة الجزائرية وما تتخذه من قرارات دفاعا عن مصالحها الوطنية العليا وحماية سيادتها وكرامتها.

من جانبها، اعتبرت جبهة الحكم الراشد أن سيادة الدولة الجزائرية واستقلال قرارها الوطني يمثلان ثوابت راسخة، معلنة دعمها للقرارات السيادية للدولة انطلاقا من مسؤوليتها في حماية الأمن الوطني وصون السيادة والاستقلال والدفاع عن المصالح العليا للجزائر. وشددت على أهمية التلاحم الوطني باعتباره قوة استراتيجية للدولة والمجتمع وركيزة لتعزيز الاستقرار ومواجهة التحديات.

وثمنت أكاديمية الشباب الجزائري القرار الوطني الحازم، معتبرة أنه يعبر عن تمسك الجزائر بسيادتها واستقلالية قرارها وحماية مصالحها العليا. وأكدت أن العلاقات بين الدول تقوم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية واحترام السيادة والأمن والاستقرار.

وتجمع هذه المواقف السياسية والمدنية على دعم قرار قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات، مع التأكيد على أولوية السيادة الوطنية والأمن القومي واستقلال القرار السياسي، في وقت وضعت فيه وزارة الشؤون الخارجية حدا للعلاقات الدبلوماسية بعد سلسلة من التحذيرات والمساعي التي قالت إنها استنفدت دون أن تتوقف التصرفات التي دفعت الجزائر إلى اتخاذ هذا القرار.

 

من الساحل إلى السودان.. تحركات إماراتية سبقت قرار القطيعة

وتلتقي المواقف الصادرة عن الأحزاب والمنظمات عند دعم القرار والتأكيد على السيادة الوطنية والأمن القومي، غير أن هذا الإجماع السياسي يفتح نقاشا آخر حول الخلفيات التي دفعت العلاقات الجزائرية الإماراتية إلى هذه المرحلة، والملفات التي راكمت الخلافات بين البلدين خلال السنوات الأخيرة.

ومن هذه الزاوية، تتعدد قراءات الباحثين والمحللين في تحديد طبيعة العوامل التي دفعت الجزائر إلى القطيعة، بين من يربطها بتطورات في ملفات إقليمية وأمنية، ومن يركز على تأثير التحركات الإماراتية في محيط الجزائر الاستراتيجي. وتتناول “الأيام نيوز” هذه الخلفيات من خلال آراء عدد من المختصين في الدراسات الأمنية والعلاقات الدولية والعلوم السياسية.

وتتصل أبرز هذه الملفات بتدخلات إماراتية في قضايا تمس مباشرة الأمن الإقليمي ومحيط الجزائر، من الصحراء الغربية وليبيا إلى منطقة الساحل والسودان، إلى جانب انخراط أبوظبي في المشروع الصهيوني بالمنطقة. وتجعل هذه الملفات مجتمعة، إلى جانب أخرى لم يُعلن عنها، الموقف الجزائري إزاء الممارسات الإماراتية ضرورة تفرضها حماية السيادة الوطنية والأمن والمصالح الاستراتيجية، إذ بات من الصعب – بل من المستحيل – غض الطرف عن تحركات تمس هذه المرتكزات الأساسية.

فمن جانبه، يرى مصطفى كمال دماني، الباحث في الدراسات الأمنية والاستراتيجية، أن قرار الجزائر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة جاء نتيجة تراكم جملة من الممارسات والتحركات التي مست، وفق تقديره، عددا من الثوابت والمصالح الجزائرية. وأوضح دماني أن هذا المسار بدأ مع الانخراط الأحادي الجانب للإمارات في مسار التطبيع، والتنصل من مخرجات قمة بيروت للسلام، إلى جانب ما وصفه بمحاولات تصفية حقوق الشعب الفلسطيني.

مصطفى كمال دماني باحث في الدراسات الأمنية والاستراتيجية
مصطفى كمال دماني باحث في الدراسات الأمنية والاستراتيجية

وأضاف أن التحركات الإماراتية اتسعت داخل القارة الإفريقية، مشيرا إلى ضغوط مورست على عدد من الدول الإفريقية لدفعها إلى تغيير مواقفها من ملف الصحراء الغربية لصالح الاحتلال المغربي، فضلا عن الدور الإماراتي في ليبيا ومحاولات اختراق منطقة الساحل، والعمل، وفق تقديره، على الإضرار بالمصالح الوطنية الجزائرية في مالي والنيجر والسودان وتشاد.

وأشار دماني إلى امتداد هذه التحركات إلى موريتانيا، متحدثا عن ضغوط مكثفة على نواكشوط لدفعها نحو مسار التطبيع، مستغلة وضعها الاقتصادي، ومعتبرا أن هذه التحركات تندرج ضمن مساع لتطويق الجزائر عبر محيطها الإفريقي.

ولفت الباحث إلى أن هذه الملفات شكلت مجتمعة خلفية القرار الجزائري الأخير، مؤكدا أن التغلغل الإماراتي الخطير لم يقتصر، حسب تقديره، على الأدوار المعلنة، وإنما شمل أيضا “العمل في الظل” داخل ملفات إقليمية عدة، وفي مقدمتها الصومال، إلى جانب الدور الإماراتي في اليمن والخرطوم.

ونوّه دماني إلى أن هذه التحركات تمس العمل العربي المشترك وتضرب، في تقديره، مبادئ ميثاق جامعة الدول العربية، مشددا على أن الاندفاع الإماراتي في توسيع دائرة التمدد والتدخل داخل الأزمات العربية والإفريقية لا يجد ما يبرره.

وفي ختام حديثه لـ”الأيام نيوز”، أشار مصطفى كمال دماني إلى أن اتساع نطاق التوغل الإماراتي إقليميا ودوليا يطرح، في تقديره، سؤالا جديا حول ما إذا كانت أبوظبي قادرة على الصمود أمام تبعات تدخلاتها المتشعبة في ملفات تمس مباشرة أمن المنطقة واستقرارها، معتبرا أن هذا الاندفاع يتخطى حدود الإمكانات التي تستطيع الإمارات حشدها، ويحمّلها تداعيات تفوق قدرتها على احتوائها.

من جهتها، أبرزت أمينة بوقراس، الباحثة في العلاقات الدولية، أن المسار الذي قاد إلى القطيعة ارتبط خلال السنوات الأخيرة بسلسلة من المواقف والتحركات الإماراتية التي مست ملفات ذات أهمية مباشرة بالنسبة إلى الجزائر، وفي مقدمتها قضية الصحراء الغربية، في ظل دعم الإمارات للموقف المغربي.

وأوضحت بوقراس في تصريح لـ”الأيام نيوز” أن الملف الليبي شكّل بدوره إحدى المحطات البارزة، مشيرة إلى الدعم الإماراتي لخليفة حفتر في مواجهة حكومة طرابلس المعترف بها دوليا، وما ترتب عن ذلك من تداعيات على الأمن الإقليمي.

أمينة بوقراس باحثة في العلاقات الدولية
أمينة بوقراس باحثة في العلاقات الدولية

وأضافت أن انغماس الإمارات في مشروع التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي شكّل عاملا آخر، موضحة أن الجزائر كانت تنظر إلى التطبيع باعتباره توجها سياسيا واقتصاديا يتعارض مع موقفها الثابت من القضية الفلسطينية، فضلا عن التحركات الإماراتية في منطقة الساحل.

وأشارت إلى توغل التدخل الإماراتي في ملفات الصومال والسودان واليمن، معتبرة أن هذا التمدد أتاح لأبوظبي توظيف أدوات الضغط والاستقطاب وتجييش الأطراف داخل أزمات عربية وإفريقية، تمتد تداعياتها، وفق الرؤية الجزائرية، إلى أمن البلاد ومحيطها الاستراتيجي.

وفي السياق ذاته، أبرزت الباحثة أن المسار أخذ بعدا إعلاميا ورقميا أيضا، من خلال بروز تقارير إعلامية إماراتية تضمنت، وفق تقديرها، حملات تضليل واستغلالا لملفات حساسة داخل الجزائر، مشيرة إلى أن الممارسات التي ظلت لفترة بعيدة عن التصريحات المباشرة بدأت تظهر بصورة أكثر علنية.

ولفتت إلى أن التحول في الموقف الجزائري تجاه الإمارات برز بوضوح في تصريحات رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون خلال أكتوبر 2025، حين وصف علاقات الجزائر مع دول الخليج بالودية، مستثنيا الإمارات وحدها. وأضافت بوقراس أن مسار التصعيد سجل محطة جديدة في 7 فيفري، مع إنهاء الخدمات الجوية مع الإمارات، قبل أن يبلغ اليوم ذروته بقرار قطع العلاقات الدبلوماسية.

بدوره، يرى أستاذ العلوم السياسية رابح لعروسي أن القرار الجزائري جاء بعد تراكم ممارسات إماراتية اتخذت طابعا أمنيا وجيوسياسيا، ولم تعد تقتصر على التحرك السياسي، بل امتدت إلى ساحات أزمات عربية وإفريقية شديدة الحساسية، خصوصا في الساحل والسودان وليبيا، فضلا عن الارتباط المتزايد بأجندة التطبيع مع الكيان الصهيوني.

رابح لعروسي أستاذ العلوم السياسية
رابح لعروسي أستاذ العلوم السياسية

وأوضح لعروسي في تصريح لـ”الأيام نيوز” أن ما يلفت الانتباه في الحضور الإماراتي هو طبيعة الأدوات المستخدمة، من المال السياسي والدعم غير المباشر إلى بناء شبكات من الحلفاء والفاعلين المحليين، معتبرا أن هذه الأدوات تمنح أبوظبي قدرة على التأثير في مسارات الأزمات، وإعادة ترتيب موازين القوى داخلها، وإطالة أمد الصراعات بدل الدفع نحو تسويتها.

وأشار أستاذ العلوم السياسية إلى أن منطقة الساحل تمثل إحدى أكثر ساحات هذا التحرك حساسية بالنسبة للجزائر، بالنظر إلى موقعها الجغرافي وارتباط أمنها بما يجري في دول الجوار. واعتبر أن توسيع القوى الخارجية لحضورها داخل المنطقة، عبر التمويل والتحالفات والتدخلات غير المباشرة، يربك التوازنات الأمنية ويضيف عوامل جديدة إلى بيئة تعاني أصلا من الإرهاب والجريمة المنظمة وشبكات المخدرات.

ويرى لعروسي أن الجزائر تتحرك في عمقها الإفريقي وفق مقاربة تقوم على الأمن والتنمية والعلاقات التاريخية مع دول الجوار، في مقابل محاولات فرض ترتيبات إقليمية جديدة عبر أدوات مالية وسياسية وأمنية. ويحذر من أن تحويل الساحل إلى ساحة لتصفية الحسابات وتوسيع مناطق النفوذ يضع أمن المنطقة أمام مخاطر متراكمة، ويفتح المجال أمام قوى خارجية للتأثير في القرار السياسي والأمني لدولها.

وتوقف عند السودان وليبيا، معتبرا أن الحضور الإماراتي في هذين الملفين ارتبط بدعم أطراف محلية وتغذية مسارات الصراع، وهو ما ساهم في تعقيد فرص التسوية وإطالة أمد الأزمات. وتأتي هذه الانتقادات في وقت تحدثت فيه تقارير عن دعم مالي وعسكري ولوجستي إماراتي لقوات الدعم السريع في السودان، فيما ارتبط اسم أبوظبي أيضا بدعم أطراف فاعلة في المشهد الليبي.

وأكد لعروسي أن الرسالة التي يحملها القرار الجزائري تتخطى الإجراء الدبلوماسي إلى رسم حدود واضحة أمام أي محاولة للضغط على القرار الوطني أو إعادة ترتيب محيط الجزائر الأمني من خارج المنطقة. وشدد على أن “السيادة خط أحمر”، وأن الاعتبارات الاقتصادية لا يمكن أن تحل محل الحسابات المرتبطة بالأمن القومي والمصالح الاستراتيجية.

وختم أستاذ العلوم السياسية بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة قد تشهد تعاطيا أكثر صرامة مع محاولات توسيع التدخل الخارجي في الساحل والعمق الإفريقي، خصوصا مع انتقال التنافس الإقليمي من المجال السياسي إلى استخدام المال والتحالفات والفاعلين المحليين كأدوات لإدارة الأزمات وصناعة موازين جديدة.

 

اقتصاد وموانئ وحلفاء محليون.. كيف تمد أبوظبي أذرعها؟

بعد هذه الجولة من التصريحات، يبرز سؤال أكثر اتساعا: هل أصبحت الإمارات ذراعا إقليمية لمشروع تفكيك المنطقة؟ سؤال يفرض نفسه أمام تغلغل أبوظبي في أزمات السودان وليبيا واليمن ومنطقة الساحل، وتعدد أدواتها بين المصالح الاقتصادية والموانئ والشراكات والعلاقات مع القوى المحلية والدعم السياسي والأمني.

وتتضح أبعاد هذا السؤال عند تتبع مسار التمدد الإماراتي من السودان إلى ليبيا، ومن اليمن إلى الساحل الإفريقي، حيث دخلت أبوظبي على خطوط أزمات ترتبط بحروب وانقسامات داخلية وصراعات على السلطة والثروة. ويرى محللان سياسيان أن تكرار هذا التوغل داخل دول تعاني هشاشة مؤسساتها وتصدعات داخلية يطرح تساؤلات حول طبيعة المشروع الإماراتي، وحدود ارتباطه بالمصالح المباشرة لأبوظبي، ومدى دخوله ضمن ترتيبات إقليمية ودولية أوسع تعيد توزيع موازين القوى في المنطقة.

وترتبط هذه التساؤلات أيضا بشبكة العلاقات والتحالفات التي نسجتها أبوظبي مع قوى إقليمية ودولية، وفي مقدمتها الكيان الصهيوني، خصوصا مع توسع التعاون بين الطرفين في مجالات اقتصادية وتكنولوجية وأمنية واستثمارية. ويرى المحللان أن نتائج هذا التغلغل تفرض التوقف عند ما يتركه من آثار على الدول العربية والإفريقية، خاصة حين يقترن التدخل الخارجي بإضعاف مؤسسات الدولة وتعميق الانقسامات الداخلية.

ويرى المحلل السياسي حكيم بوغرارة، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن التحرك الإماراتي يتخطى مجموعة التدخلات المنفصلة، ويندرج، وفق تقديره، ضمن استراتيجية أوسع تتداخل فيها المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية. ويوضح بوغرارة أن أبوظبي تعمل على بناء شبكة تتخطى أدوات الدبلوماسية التقليدية، عبر إقامة علاقات وثيقة مع قوى محلية، والاستثمار في الموانئ والممرات التجارية، والدخول في قطاعات استراتيجية داخل دول تعاني أزمات سياسية وأمنية.

حكيم بوغرارة محلل سياسي
حكيم بوغرارة محلل سياسي

ويربط بوغرارة هذا التمدد بحسابات اقتصادية بعيدة المدى، موضحا أن المصالح الإماراتية تشمل الموانئ والطرق التجارية والثروات الطبيعية إلى جانب التأثير السياسي. ويرى أن أبوظبي تستعد لمرحلة ما بعد النفط والغاز عبر ترسيخ تغلغلها في قطاعات مرتبطة بالموارد الأولية الإفريقية، ومنها الذهب واليورانيوم والثروات المعدنية.

غير أن المصالح الاقتصادية، وفق هذا الطرح، لا تفسر وحدها تغلغل الإمارات في مناطق الصراع. فالموانئ والثروات تتحول إلى أوراق استراتيجية عندما تعاني الدولة التي توجد فيها من الضعف أو الانقسام أو عجز مؤسساتها عن فرض سيادتها. لذلك، يرتبط الاستثمار في البيئات الهشة بطبيعة النظام السياسي والأمني الذي يسمح للقوى الخارجية بتوسيع تدخلها وربط المصالح المحلية بشبكاتها الإقليمية.

بدوره، يرى المحلل السياسي علي حشاني، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن الفوضى أصبحت، بحسب تقديره، إحدى أدوات السياسة الخارجية الإماراتية، معتبرا أن أبوظبي لا تكتفي بالتفاعل مع الأزمات القائمة، بل توظفها لبناء نفوذ خفي عبر قنوات غير معلنة، ونسج شبكات مع القوى المحلية وتوظيفها لإعادة ترتيب موازين القوة داخل الدول التي تشهد صراعات.

علي حشاني محلل سياسي
علي حشاني محلل سياسي

ويصف حشاني الإمارات بأنها دولة وظيفية تؤدي أدوارا محددة ضمن ترتيبات إقليمية ودولية أوسع، ويربط تحركاتها بمصالح قوى أكبر وبشبكة التحالفات التي تشكل النظام الإقليمي. ويستحضر حشاني في هذا السياق ملفات ليبيا واليمن وسوريا ولبنان والعراق والسودان، معتبرا أن القاسم المشترك بينها يتمثل في السعي إلى التدخل في مسارات الأزمات بما يخدم مصالح أبوظبي وحلفائها. ويرى أن خطورة هذا الدور ترتبط بتوظيف الانقسامات الداخلية لإعادة توزيع مراكز القوة وإضعاف مؤسسات الدولة، بما يصعّب التسويات السياسية ويطيل عمر الأزمات.

وتقود هذه المعطيات إلى نتيجة سياسية لافتة: مزيد من الانقسام، وتعدد مراكز القوة، وإضعاف المؤسسات المركزية، وارتباط أطراف محلية بقوى خارجية. ويفتح ذلك النقاش أمام مسار يتخطى التدخل التقليدي إلى اختراق الدول من الداخل عبر شبكات سياسية وأمنية واقتصادية.

وتدعم هذا الطرح تقارير وتحقيقات دولية تناولت الدور الإماراتي في عدد من بؤر الصراع. وتكتسب هذه المعطيات أهمية خاصة لأنها تنقل النقاش من مستوى التحليل السياسي إلى ملفات تتعلق بالسلاح والتمويل والشبكات اللوجستية والقوى المحلية، مع اختلاف طبيعة الوقائع ومستوى الأدلة من ملف إلى آخر.

ففي السودان، تصاعدت الاتهامات الموجهة إلى الإمارات بشأن دعم قوات الدعم السريع منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أفريل، وتناولت تقارير دولية بصورة متكررة مسارات قالت إنها ساهمت في وصول أسلحة ومعدات ومقاتلين إلى ساحات القتال.

وفي سبتمبر 2026، قالت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة بشأن السودان إن أفرادا وكيانات مرتبطة بالإمارات أدوا دورا مهما في شبكات تجنيد وتمويل ونقل مقاتلين أجانب وتوفير دعم عسكري استفادت منه قوات الدعم السريع. ونشرت هيومن رايتس ووتش في ماي 2026 تحقيقا تناول تجنيد مقاتلين كولومبيين، وقالت إن بعضهم مر عبر منشآت مرتبطة بالإمارات قبل نشره في السودان.

وسبق لمنظمة العفو الدولية أن تحدثت عن وصول أسلحة صينية متطورة إلى قوات الدعم السريع بعد إعادة تصديرها عبر الإمارات. وبصرف النظر عن تفاصيل كل واقعة، تمثل الحرب السودانية نموذجا لصراع داخلي دخلت إليه شبكات إقليمية ودولية متعددة. وفي قلب هذه المعادلة يبرز النفوذ الإماراتي وحجم تأثيره في مسار الحرب، خصوصا مع ارتباط الصراع بمصالح إقليمية تتصل بالموارد والموانئ وموازين القوى في المنطقة.

ويقدم السودان أنموذجا واضحا للنتائج التي تترتب على تحول الدولة إلى ساحة لتنافس القوى الخارجية: حرب طويلة، ومؤسسات منهكة، واقتصاد مدمر، ونزوح واسع، في وقت تتنافس فيه أطراف خارجية على النفوذ والمصالح.

في ليبيا، يعود الجدل حول الدور الإماراتي إلى سنوات، خصوصا مع الاتهامات المتعلقة بدعم قوات خليفة حفتر بالسلاح والتمويل والدعم اللوجستي خلال مراحل الصراع. وتحدثت تقارير دولية عن خروقات لحظر الأسلحة المفروض على ليبيا وعن دعم عسكري لقوات حفتر، بالتوازي مع تدخلات إقليمية ودولية أخرى.

وتكمن خطورة الحالة الليبية في واقع سياسي وعسكري مزمن خلّفته سنوات الصراع، إذ تعاني البلاد انقساما سياسيا وعسكريا، وتعدد مراكز القرار، وتنافسا على المؤسسات والموارد والموانئ. وتحولت ليبيا، التي تمتلك احتياطات نفطية وموقعا استراتيجيا على البحر المتوسط، من دولة تملك مقومات توظيف ثرواتها لبناء قوة اقتصادية وسياسية مستقلة إلى ساحة تتداخل فيها المصالح الدولية والإقليمية.

وفي هذه البيئة، لا تحتاج القوى الخارجية إلى السيطرة المباشرة على الدولة، بل يكفي أن تمتلك نفوذا داخل القوى التي تتقاسم القرار، لتتحول الموارد والموانئ والحدود إلى أوراق ضمن شبكة أوسع من المصالح. ودعمت الإمارات في اليمن قوى محلية في الجنوب، وفي مقدمتها المجلس الانتقالي الجنوبي، بينما سعت السعودية إلى الحفاظ على ترتيبات مختلفة تتعلق بوحدة اليمن وموازين القوى داخله.

ويرتبط هذا الدور أيضا بالبعد الاقتصادي، إذ بنت الإمارات خلال السنوات الماضية شبكة متشعبة من المصالح والنفوذ الورمي تمتد إلى الموانئ والخدمات اللوجستية والنقل والطاقة والاستثمار. ووسعت حضورها في مناطق مثل البحر الأحمر والقرن الإفريقي والساحل الإفريقي، مستفيدة من الموقع الحساس لهذه المناطق لإحكام موطئ قدم على طرق التجارة العالمية ومفاصل حركة السلع والطاقة.

ولا تظهر الموانئ في هذا السياق كمنشآت اقتصادية فحسب، بل كأوراق نفوذ تتحول معها السيطرة على المواقع الحيوية إلى قدرة على التأثير في الأمن والطاقة والنقل والحسابات السياسية. فامتلاك موقع مؤثر على خطوط التجارة يمنح صاحبه أدوات ضغط تتخطى العائد الاقتصادي المباشر، وتزداد أهمية هذا العامل في إفريقيا، حيث تحتدم المنافسة على الذهب والمعادن واليورانيوم وسائر الموارد التي تحمل قيمة استراتيجية متصاعدة.

وتتداخل المصالح الاقتصادية هنا مع الحسابات السياسية والأمنية، فتتحول الدول الهشة، ومنها تلك الواقعة في محيط الجزائر، إلى ساحات مفتوحة للتنافس الخارجي حين تجمع بين الثروات والمواقع الاستراتيجية. وتمنح الإمكانات المالية والعلاقات المحلية والقدرة على الاستثمار في بيئات الأزمات القوى الطامحة إلى النفوذ فرصة لبناء شبكات نفوذ طويلة الأمد، وربط المصالح الاقتصادية بأوراق ضغط سياسية وأمنية.

منظمات حقوقية دولية تطالب برلين بمساءلة أبوظبي

تزامنت زيارة رئيس دولة الإمارات إلى برلين مع تحرك حقوقي ألماني ودولي سلط الضوء على الدور الإماراتي في الحرب الدائرة بالسودان، وسط اتهامات لأبوظبي بتوفير دعم مالي وعسكري ولوجستي تستفيد منه قوات الدعم السريع، بما يساعدها على مواصلة القتال ويزيد من معاناة المدنيين.

وفي أبرز التحركات الاحتجاجية، أعلنت منظمة “جمعية الشعوب المهددة” الألمانية، عبر منشور على صفحتها الرسمية، تنظيم تجمع ومسيرة يوم الخميس في ساحة “واشنطن بلاتس” أمام محطة برلين الرئيسية، تحت شعار “السودان: لا صفقات مع داعمي الحرب”. ويهدف التحرك إلى التنديد بالدعم المالي والعسكري الإماراتي لقوات الدعم السريع، والذي قالت الجمعية إنه يتيح لها مواصلة حربها ضد المدنيين ويغذي الانتهاكات والكارثة الإنسانية في السودان.

وقالت المنظمة الحقوقية إن الإمارات تقدم دعما ماليا وعسكريا لقوات الدعم السريع، وإن هذا الدعم الواسع يمنحها القدرة على مواصلة القتال بأقصى درجات العنف ضد المجتمع المدني في السودان، وفق ما أوردته صحيفة “دي فيلت” الألمانية.

وتزامن التحرك مع تصاعد الانتقادات الدولية للدور الخارجي في الحرب، بعد أيام من نشر تقرير بعثة تقصي الحقائق الدولية المستقلة بشأن السودان، الذي وثق شبكات خارجية توفر لقوات الدعم السريع الأسلحة والمعدات العسكرية والتدريب والدعم اللوجستي والمقاتلين.

وقالت البعثة إن أفرادا وكيانات تعمل من الإمارات أو مسجلة فيها أو مرتبطة بها أدت دورا مهما في شبكات التجنيد والتمويل والنقل ونشر متعاقدين عسكريين أجانب وتوفير دعم عسكري استفادت منه قوات الدعم السريع، وفق ما نقلته وكالة “أسوشيتد برس”.

وفي السياق نفسه، دعت منظمة “هيومن رايتس ووتش” المسؤولين الألمان إلى إثارة الدور الإماراتي في السودان خلال لقاء رئيس دولة الإمارات في برلين، وربطت المنظمة دعوتها بما وثقته بعثة تقصي الحقائق الأممية بشأن دور أفراد وكيانات مرتبطة بالإمارات في شبكات تساهم في إطالة أمد الحرب في السودان.

وأضافت “هيومن رايتس ووتش” أن شركة “غلوبال سيكيوريتي سيرفيسز غروب”، التي تتخذ من أبوظبي مقرا لها، جندت منذ عام 2024 مئات المتعاقدين العسكريين الكولومبيين الذين نشروا في السودان إلى جانب قوات الدعم السريع، وسط اتهامات بارتكاب انتهاكات واسعة. ودعت المنظمة دول الاتحاد الأوروبي إلى التحقيق في دور الشركة ورئيسها التنفيذي، وطالبت بفرض حظر أوروبي على الأسلحة الموجهة إلى الإمارات وإدانة دعمها لقوات الدعم السريع.

ويرتبط هذا الدعم أيضا بالموارد المالية التي تغذي الحرب في السودان، إذ نشرت صحيفة “فايننشال تايمز” رسالة للمستشار السياسي في مجلس السيادة الانتقالي السوداني، أمجد فريد الطيب، قال فيها إن الإمارات مكنت بنية تجارية تسهل تهريب وغسل عائدات الذهب السوداني، وإن الإيرادات الناتجة عن هذه الشبكات يمكن أن تتحول إلى موارد تساعد قوات الدعم السريع على مواصلة الحرب.

وفي تطور آخر، قال أمجد فريد، المستشار السياسي في مجلس السيادة الانتقالي السوداني، في تصريحات نقلتها وسائل إعلام سودانية أمس الأربعاء، إن الإمارات عملت على تعطيل إحالة تقرير أممي بشأن السودان إلى لجنة العقوبات التابعة لمجلس الأمن، موضحا أن التقرير يتضمن وثائق وأدلة بشأن الدعم المقدم لقوات الدعم السريع. وأكد أن أبوظبي عملت على منع انتقال التقرير إلى المسار العقابي داخل الأمم المتحدة.

وتضيف هذه التصريحات بعدا آخر إلى الانتقادات الموجهة للدور الإماراتي في النزاع، إذ يقول المسؤول السوداني إن هذا الدور لا يقتصر على الدعم الذي تستفيد منه قوات الدعم السريع، بل يمتد إلى تحركات داخل المؤسسات الدولية بهدف عرقلة اتخاذ إجراءات بشأن ما يورده التقرير الأممي من معلومات حول شبكات الإسناد المرتبطة بالحرب.

وتتقاطع هذه المواقف مع ما أوردته التحقيقات الأممية والانتقادات الحقوقية الدولية بشأن الدور الإماراتي في الحرب السودانية، في وقت تتواصل فيه الحرب منذ أبريل 2023، وتتفاقم تداعياتها على المدنيين مع اتساع موجات النزوح وتدهور الوضع الإنساني.

 

من التحالف مع تل أبيب إلى ساحات الأزمات.. ما الرابط؟

تأخذ العلاقات الإماراتية الإسرائيلية بعدا آخر في هذا السياق، خصوصا بعد انتقالها إلى العلن عبر اتفاقات التطبيع وتوسعها في مجالات اقتصادية وتكنولوجية وأمنية واستثمارية. وبناء على ذلك، يرتبط تحليل الدور الإماراتي في المنطقة أيضا بهذه العلاقة، خصوصا في الدول التي تشكل تاريخيا جزءا من المجال العربي والإقليمي المحيط بالكيان الصهيوني. وتطرح هذه المعطيات فرضية سياسية مفادها أن الإمارات لا تتحرك دائما باعتبارها صاحبة مشروع مستقل، بل تتحرك أيضا ضمن منظومة إقليمية تتداخل فيها مصالحها مع مصالح الاحتلال الصهيوني.

ومن هذه الزاوية، تبرز العلاقة بين إضعاف الدول العربية وتفكيك مراكز قوتها والمصالح الاستراتيجية للكيان الصهيوني. فإذا ساهمت قوة إقليمية في إنتاج هذه النتيجة، فإن دورها يدخل ضمن معادلة تصب بصورة مباشرة أو غير مباشرة في مصلحة المشروع الإسرائيلي. والسؤال المركزي هنا لا يتوقف عند ما تحصل عليه الإمارات من السودان أو ليبيا أو اليمن، بل يمتد إلى المستفيد من بقاء هذه الدول ضعيفة ومنقسمة.

السودان الذي يغرق في الحرب لا يستطيع بناء دولة قوية ومستقلة، وليبيا المنقسمة لا تستطيع توظيف موقعها وثرواتها بكامل استقلاليتها، واليمن الذي تتعدد فيه القوى والمراكز يواجه صعوبة في استعادة دولة مركزية قوية. وفي كل حالة من هذه الحالات، تصبح الموارد والموانئ والممرات والقرار السياسي أكثر انفتاحا أمام القوى الخارجية، بينما يتحرك الكيان الصهيوني في بيئة إقليمية تتراجع فيها قدرة الدول العربية على تشكيل قوة جماعية متماسكة.

وإذا ساهم هذا الدور في إضعاف الدول العربية وتفكيك مراكز قوتها، فإن استفادة الكيان الصهيوني من شرق أوسط أقل تماسكا وأضعف قدرة على إنتاج قوة إقليمية مستقلة تصبح مسألة تستحق التوقف عندها. وعليه، فإن حصر الدور الإماراتي في مشروع نفوذ إماراتي فقط قد يغفل شبكة التحالفات الأوسع التي تتحرك أبوظبي داخلها، خصوصا عندما تتداخل مصالحها مع مصالح قوى دولية وإقليمية.

وهنا يبرز السؤال النهائي: إذا تحولت الإمارات إلى أداة عربية متقدمة في مشروع أوسع لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، وكانت النتيجة دولا عربية أضعف، ومجتمعات أكثر انقساما، وموارد أكثر انفتاحا على الخارج، وكيانا صهيونيا أكثر قدرة على فرض موقعه كقوة مهيمنة في المنطقة، فمن يقود الأوركسترا فعلا، ومن يدفع ثمن الموسيقى؟

 

حسابات وهمية وشهادات مصطنعة لصناعة نفوذ خفي

أعاد تقرير حديث أصدرته شركة أنثروبيك الأمريكية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي تسليط الضوء على جانب بالغ الحساسية من توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي في عمليات التأثير والتضليل وصناعة المحتوى الموجه، بعدما كشف فريق استخبارات التهديدات في الشركة عن عملية وصفتها أنثروبيك صراحة بأنها “عملية تأثير موجهة من الإمارات”.

وتبرز أهمية هذا الكشف بالنظر إلى أن التحقيق صدر عن الشركة المطورة لنموذج “كلود”، الذي قالت أنثروبيك إن العملية استخدمته لتنفيذ مجموعة من الأنشطة السرية، قبل أن تكشف الحسابات المرتبطة بها وتحظرها.

ووفق ما أورده التقرير، لم تقتصر العملية على نشاط محدود في منصات التواصل الاجتماعي، وإنما اتخذت شكلا منظما شمل إنشاء شبكة واسعة من الحسابات غير الأصيلة بهدف تضخيم محتوى معين والتأثير في النقاش العام. وتحدث التقرير أيضا عن إنشاء منظمة غير حكومية واجهة استخدمت هوية منظمة حقيقية ونشرت تقارير حقوقية أعدتها دولة، فضلا عن إعداد شهادات كاملة لشخصين بهدف تقديمها أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، مع وضع تعليمات تمنع الإشارة إلى الإمارات في تلك الشهادات.

وتبرز من نتائج التحقيق، وفق التقرير نفسه، إفادة أنثروبيك بأنها تمكنت “بدرجة عالية من الثقة” من ربط العملية بمسؤولين في الحكومة الإماراتية، رغم تصميم القائمين عليها العملية بطريقة تصعّب الوصول إلى الجهات التي تقف وراءها. وأشار التقرير أيضا إلى أن ملف التوجيه الرئيسي للعملية تضمن أسماء مسؤولين إماراتيين كبارا باعتبارهم الجهات التي يفترض أن تتلقى نتائج ومخرجات النشاط المنفذ.

وتكشف المعطيات الواردة في التقرير أيضا حجم الجهد المبذول لإضفاء طابع مستقل على النشاط، إذ تحدثت أنثروبيك عن شبكة تضم نحو 300 حساب غير أصيل استخدمها القائمون على العملية لتضخيم المحتوى، بينما وصفت تقارير داخلية للعملية ما يبدو من استقلالية تلك الحسابات بأنه “أعظم أصولها الاستراتيجية”. وتبرز هنا إحدى أخطر نقاط القضية: محاولة صناعة انطباع بوجود أصوات مستقلة وحقيقية، بينما تشير نتائج التحقيق إلى وجود تنسيق وتمويل مركزيين.

ولم تتوقف الأنشطة التي رصدها التحقيق عند مواقع التواصل الاجتماعي، بل شملت إعداد ملفات تفصيلية عن 18 عضوا في البرلمان الأوروبي وعدد من الصحفيين البارزين، إضافة إلى إعداد ملفات مضادة لمقررين خاصين تابعين للأمم المتحدة سبق أن انتقدوا سلوك الإمارات في السودان. وأشار التقرير أيضا إلى استخدام هوية منظمة سودانية حقيقية لحقوق الإنسان وكتابة شهادات كاملة باسم شخصين بهدف إيصال مواد إلى الأمم المتحدة في صورة شهادات محلية مستقلة.

وتضع هذه المعطيات قضية توظيف الذكاء الاصطناعي في التأثير السياسي والإعلامي أمام أسئلة جدية حول حدود استخدام التكنولوجيا في صناعة الروايات وتوجيه الرأي العام، خصوصا عندما يتعلق الأمر بملفات حساسة مثل الحرب في السودان وجماعة الإخوان المسلمين وآليات المساءلة التابعة للأمم المتحدة. وتتصل القضية هنا بقدرة أدوات الذكاء الاصطناعي على بناء شبكات رقمية وشهادات وتقارير ومحتوى يبدو مستقلا في ظاهره، بينما تشير نتائج التحقيق إلى وجود عملية منظمة تقف وراءه.

ويثير التقرير أيضا تساؤلات أوسع حول مفهوم الاستقلالية في الفضاء الرقمي، وحول قدرة الحسابات والمنظمات التي تبدو محلية أو مستقلة على التأثير في النقاشات الدولية وصناعة المواقف السياسية والحقوقية. وإذا كانت نتائج تحقيق أنثروبيك قد ربطت العملية “بدرجة عالية من الثقة” بمسؤولين في الحكومة الإماراتية، فإن السؤال لا يتعلق فقط بمن يقف خلف الحسابات والمنظمات المستخدمة، وإنما أيضا بالهدف النهائي من هذه الشبكات والرسائل التي سعت إلى إيصالها إلى الرأي العام والمؤسسات الدولية.

وفي هذا السياق، تطرح القضية تساؤلا جوهريا حول تحول الذكاء الاصطناعي من أداة للتكنولوجيا والإنتاج المعرفي إلى وسيلة يمكن توظيفها في عمليات تأثير منظمة تسعى إلى صناعة واقع إعلامي وسياسي بديل. وتفتح نتائج التحقيق أيضا نقاشا حول المسؤولية الأخلاقية والسياسية عن استخدام الهويات الحقيقية للمنظمات والأشخاص في أنشطة موجهة، وعن حدود المقبول عندما تصل هذه الأدوات إلى مؤسسات دولية يفترض أن تستند قراراتها إلى معلومات وشهادات مستقلة وموثوقة.

وفي هذا السياق، يوضح محمد صالح جمال، دكتور في العلاقات الدولية، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن تقرير شركة أنثروبيك الأمريكية يفتح ملفا بالغ الحساسية بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي في عمليات التأثير والتضليل السياسي والإعلامي، بعدما كشفت الشركة المطورة لنموذج “كلود” عن عملية وصفتها صراحة بأنها “عملية تأثير موجهة من الإمارات”.

محمد صالح جمال دكتور في العلاقات الدولية
محمد صالح جمال دكتور في العلاقات الدولية

ويربط محمد صالح جمال أهمية هذا الكشف بطبيعة المعطيات التي تضمنها التحقيق، خصوصا أن الشركة تحدثت عن عملية صمم القائمون عليها آلياتها بعناية لإخفاء مصدرها الحقيقي وإظهار نشاطها وكأنه صادر عن جهات وأصوات مستقلة.

ويشير جمال إلى أن الحديث عن شبكة تضم نحو 300 حساب غير أصيل لتضخيم محتوى معين يكشف عن محاولة لصناعة جمهور افتراضي من الإمارات. ويضيف أن أخطر أدوات التأثير ليست بالضرورة تلك التي تعلن عن نفسها بوضوح، وإنما تلك التي تختفي خلف حسابات تبدو مستقلة، لأن المتلقي في هذه الحالة لا يعرف أنه أمام نشاط منسق، ويتعامل مع المحتوى باعتباره آراء عفوية ومتفرقة.

ويرى جمال أن ما يزيد القضية خطورة ما أورده التقرير بشأن استخدام هوية منظمة حقيقية وكتابة شهادات كاملة باسم شخصين بهدف تقديمها أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. ويعتبر أن المسألة هنا تتخطى حدود الحملات الرقمية التقليدية، لأن الوصول إلى مؤسسة دولية عبر مواد تقدم على أنها شهادات مستقلة يطرح سؤالا جديا حول مصداقية المصدر والجهة التي تقف وراءه.

ويلفت المتحدث إلى أن استخدام هوية منظمة محلية أو أسماء أشخاص لإخفاء الجهة التي أعدت المادة يزيد القضية تعقيدا، لأن المؤسسات الدولية تعتمد بدرجة كبيرة على استقلالية المصادر التي تقدم لها المعلومات. ويرى أن محاولة تمرير موقف سياسي في صورة نشاط حقوقي مستقل تمثل إحدى أخطر النقاط التي تستحق التوقف عندها في تقرير أنثروبيك.

ويقول جمال إن الجهة التي تمتلك موقفا واضحا تستطيع الدفاع عنه علنا وباسمها، أما عندما تخفي المصدر خلف منظمات وحسابات وشهادات تبدو مستقلة، فإنها تصنع واقعا إعلاميا مصطنعا يصعب على المتلقي اكتشافه. ويشدد على أن المشكلة لا تكمن في امتلاك دولة لرؤية سياسية أو ممارسة نفوذها، وإنما في الأساليب التي تستخدمها عندما يتحول النفوذ إلى محاولة لصناعة أصوات بديلة تتحدث نيابة عن الجهة التي تقف خلف العملية.

وفي السياق ذاته، يشير جمال إلى أن التقرير تحدث عن إعداد ملفات تفصيلية حول 18 عضوا في البرلمان الأوروبي وعدد من الصحفيين البارزين، فضلا عن ملفات مضادة لمقررين خاصين تابعين للأمم المتحدة انتقدوا سلوك الإمارات في السودان. ويرى أن هذه المعطيات تظهر أن النشاط لم يقتصر على التأثير في مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما شمل شخصيات ومؤسسات قادرة على التأثير في النقاش السياسي والحقوقي الدولي.

ويضيف أن استهداف منتقدين أو إعداد ملفات مضادة لهم يرتبط بالصراع على الرواية السياسية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بملف حساس مثل الحرب في السودان. ويرى أن العبارة التي وصف بها القائمون على العملية ما يبدو من استقلالية الحسابات بأنها “أعظم أصولها الاستراتيجية” تحمل دلالة كبيرة، لأنها تشير إلى أن إخفاء الجهة الحقيقية شكل جزءا من طريقة العمل نفسها.

ويشرح جمال أن الحساب المستقل الحقيقي يفترض أن يعبر عن صاحبه، بينما يتحول الحساب الذي ينشئه القائمون على العملية وينسقونه ويمولونه مركزيا ثم يقدمونه للجمهور باعتباره صوتا مستقلا إلى أداة تضليل. ويرى أن هذا النوع من العمليات أكثر خطورة من الدعاية التقليدية، لأن الدعاية العلنية تتيح للجمهور معرفة مصدرها والتعامل معها على هذا الأساس، بينما تسعى الدعاية المتخفية إلى إقناع المتلقي بغياب أي جهة تقف خلف الرسالة.

ويربط جمال حساسية القضية أيضا بارتباط العملية بملف السودان، الذي أصبح من أبرز القضايا التي تشهد صراعا حول الرواية والمواقف الدولية. ويرى أن محاولة إيصال مواد إلى الأمم المتحدة في صورة شهادات محلية مستقلة تفرض ضرورة التدقيق في مصادر المعلومات المتعلقة بالنزاع، خصوصا إذا أثبت التحقيق إعداد بعض المواد خارج الجهات التي نسبت إليها.

ويشدد المتحدث على أن السودان لا ينبغي أن يتحول إلى ساحة لإدارة الحروب الدعائية بالوكالة، وأن أي طرف يمتلك موقفا من الأزمة يستطيع الدفاع عنه بصورة مباشرة بدلا من الاختباء خلف أصوات أو هويات يفترض أنها مستقلة.

ويرى جمال أن استخدام الذكاء الاصطناعي في مثل هذه العمليات يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التأثير السياسي، لأن التكنولوجيا أصبحت قادرة على إنتاج كميات ضخمة من المحتوى وتوسيع نطاق الحملات الرقمية بسرعة كبيرة. ويشير إلى أن الخطر الحقيقي يظهر عند الجمع بين هذه القدرات التقنية وشبكات الحسابات غير الأصيلة والهويات المستعملة والمنظمات الواجهة، لأن النتيجة قد تكون بناء بيئة إعلامية كاملة يصعب على الجمهور التمييز داخلها بين الحقيقي والمصطنع.

ويضيف أن هذه التطورات تفرض على المؤسسات الإعلامية والدولية تطوير آليات أكثر صرامة للتحقق من المصادر والجهات التي تقف وراء المحتوى. ويلفت إلى أن تقرير أنثروبيك يضع مسألة النفوذ الإماراتي وأدواته الرقمية أمام أسئلة محرجة، خاصة أن الشركة قالت إن تحقيقها تمكن “بدرجة عالية من الثقة” من ربط العملية بمسؤولين في الحكومة الإماراتية.

ويشدد جمال على ضرورة التمييز بين نتائج تحقيق شركة خاصة وبين حكم قضائي نهائي، دون أن يلغي ذلك أهمية المعطيات التي كشف عنها التقرير والأسئلة السياسية والأخلاقية التي يثيرها. ويرى أن القضية في جوهرها لا تتعلق بمن يملك المال أو القدرة على إنشاء أكبر عدد من الحسابات، وإنما بمن يستطيع الدفاع عن روايته باسمه الحقيقي ودون الحاجة إلى صناعة أصوات وهمية تتحدث نيابة عنه.

ويعتبر جمال أن التطور الأكثر إثارة في هذه القضية يتمثل في أن الأداة التي استخدمها القائمون على العملية أصبحت جزءا من عملية الكشف عنها، وهو ما يوضح أن التكنولوجيا التي تمنح أدوات جديدة للتأثير تستطيع في الوقت نفسه توفير وسائل جديدة لتعقب هذه العمليات وكشفها. ويرى أن المرحلة المقبلة ستفرض على الدول والمؤسسات الدولية والإعلامية التعامل بجدية أكبر مع الحملات الرقمية التي تحاول إخفاء مصادرها، خصوصا الحملات المرتبطة بالإمارات، التي يصفها بأنها أصبحت الراعي الرسمي لخلق الفتن في الدول العربية.

 

↑