الإثنين، 14 سبتمبر 2026 — 30 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
العرب

الإمارات تحت مجهر العدالة.. هل تتحول الأدلة الميدانية في السودان إلى إدانة قانونية؟

Author
إيمان بن يمينة 29 يوليو 2026
X Facebook TikTok Instagram

يخوض السودان معركته ضد الإمارات من مربع جديد تتصدره الملفات القضائية الموثقة والأدلة المادية، متجاوزا حدود التراشق الدبلوماسي في المحافل الدولية.

ويأتي هذا التحول عقب كشف السلطات السودانية عن مضبوطات عسكرية حديثة الصنع بحوزة ميليشيات الدعم السريع – التي تؤكد التقارير المتطابقة تلقيها دعماً مباشراً من الإمارات – تتضمن بياناتها الفنية إثباتات قاطعة بكون الإمارات هي المستخدم الأخير لهذا العتاد.

وبالتوازي مع ذلك، كانت وزارة العدل السودانية قد أعلنت مؤخرا استكمال عرائض دعاوى قضائية متكاملة لملاحقة أبو ظبي عبر حزمة مسارات تشمل القضاء الدولي والمحاكم الوطنية ذات الاختصاص الممتد.

فإلى أي مدى تُسهم هذه التحركات الإجرائية والمضبوطات الميدانية في تثبيت المسؤولية الجنائية الدولية على الإمارات، وهل تنجح الخرطوم في تجاوز المعوقات الإجرائية لتطبيق مبدأ المساءلة وتطويق نموذج الدعم بالوكالة؟

“كعب أخيل” أبوظبي.. استراتيجية التضليل الرقمي

تؤكد وكالة الأنباء السودانية “سونا”، في تقرير إخباري نشرته مؤخراً، أن البيانات والتقارير الموثقة تُظهر اعتماد الإمارات الواسع على النفوذ المالي والاقتصادي لإنشاء غرف إعلامية مظلمة والسيطرة على الخطاب العام للتأثير على الوضع الحربي في السودان.

وترى الوكالة الرسمية أن هذه التحركات الرقمية تأتي كجزء من استراتيجية جرى تكثيفها عقب ثورات الربيع العربي؛ حيث عمدت أبو ظبي – وفق التقرير- إلى استغلال القوة المالية والرياضية والعقارية لبناء صورة ذهنية مصقولة تُقدمها كواحة للاستقرار، بينما تُسخّر في الخفاء أدوات تضليل إلكترونية لحماية نفوذها وإعادة تشكيل المشهد الإعلامي الإقليمي.

وتستعرض وكالة الأنباء السودانية أبحاثاً مستقلة تؤكد التوظيف الممنهج لأدوات الذكاء الاصطناعي والحسابات الآلية المنسقة؛ إذ كشفت دراسة أجراها البروفيسور مارك أوين جونز، الأستاذ المشارك بجامعة “نورث وسترن” برعاية كرسي اليونسكو للبيانات والإعلام بجامعة ساوث كارولينا، عن ثلاث شبكات ضخمة تضم أكثر من 27 ألف حساب مزيف، بثّت ما يزيد على 250 ألف منشور بخمس لغات مختلفة لتلميع رواية الميليشيا المتمردة، والتغطية على الفظائع المرتكبة، وإغراق منصة “X” بالتعليقات المضللة.

وفي السياق ذاته، يبرز تقرير “سونا” ما أثبتته تقارير تومسون فاونديشن بشأن بناء أجهزة تضليل رقمية وتبييض للمعلومات عبر منصات ومؤثرين إقليميين وشركات العلاقات العامة الأجنبية، مشيراً إلى أن هذه البنية المنسقة تعمل على ترويج خطاب الميليشيا وتسهيل استهداف عمال الإغاثة والصحفيين.

كما يُسلط التقرير الضوء على تحقيقات منصة “المسبار” التي كشفت عن إدارة مزرعة روبوتات مرتبطة بالإمارات، انتحلت شخصيات نساء ومؤثرات صوماليات لاستمالة الرأي العام في شرق إفريقيا وتلميع الدور الإماراتي.

انقلاب الدعاية إلى قرائن إدانة

بحسب قراءة وكالة الأنباء الرسمية، فإن هذه المنظومة الرقمية تحولت إلى نقطة ضعف “قاتلة” للإمارات؛ إذ اصطدمت الصورة البرّاقة التي حرصت على حمايتها عالمياً بمقاطع الفيديو والبث المباشر الذي وثقته الميليشيا بنفسها أثناء ارتكاب الفظائع في دارفور والجزيرة والخرطوم.

وتخلص الوكالة إلى أن نجاح الناشطين والتقارير الدولية (مثل رويترز، وفرانس 24، وديلي تلغراف) في ربط هذه الممارسات بالدعم اللوجستي الإماراتي، حوّل أدوات الدعاية إلى أسانيد إدانة تثبت المسؤولية المباشرة للجهة المموّلة وتضع واجهة الإنكار أمام انهيار كلي.

تقاطع المأساة بين الفاشر وغزة وثنائية الحليف

تتواتر التقارير الإعلامية والحقوقية الدولية في تسليط الضوء على حجم الكارثة الإنسانية والفظائع الميدانية الواسعة التي ترتكبها ميليشيا الدعم السريع بحق المدنيين في السودان؛ حيث وثقت تقارير بعثة تقصي الحقائق الأممية ومنظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش ارتكاب انتهاكات جسيمة ترتقي إلى جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، وحملات تطهير عرقي وإبادة جماعية ومجازر جماعية، لا سيما في الفاشر ومدن دارفور والخرطوم والجزيرة. وتؤكد هذه المصادر الحقوقية أن المدنيين يتعرضون لحصار تجويعي خِناقي، واستهداف مباشر وممنهج للمستشفيات والكوادر الطبية، وعمليات قتل على الهوية واختطاف وتشريد قسري لملايين السكان تحت القصف العشوائي بالسلاح الثقيل.

ولا يقتصر الجدل حول الأدوار الإقليمية للإمارات على الساحة السودانية، إذ ترصد منصات استقصائية وتحليلات إعلامية عربية ودولية تشابكاً ومقاربة في الجسامات الإنسانية بين المأساة السودانية والمقتلة المستمرة في قطاع غزة؛ إذ تشير تلك التقارير إلى أن الساحتين تشهدان أشكالاً صريحة من استخدام التجويع كسلاح حظرته المواثيق الدولية، واستباحة للمرافق الطبية والأحياء السكنية، ومسحاً كاملاً لمقومات الحياة الأساسية.

وتذهب هذه التغطيات والتحليلات الصحفية إلى ربط هذه التقاطعات الميدانية بالدور الجيوسياسي لدولة الإمارات، مشيرة إلى أن علاقات الشراكة والتحالف الوثيق التي جمعت بين أبو ظبي والكيان الصهيوني -عقب اتفاقيات التطبيع – تتزامن مع توظيف الدعم اللوجستي ورأس المال السياسي لتغذية الصراعات المسلحة، بما يسهم في إدامة النزاعات وتوفير غطاء للفظائع والجرائم المرتكبة بحق المدنيين في كل من غزة والمدن السودانية.

تحوّل نوعي من مربع الاتهام إلى الملاحقة الموثقة

في قراءة تحليلية لأبعاد هذا التحول، يرى المختص في العلاقات الدولية، زهير بدر الدين كرزيكة، في حديثه لـ”الأيام نيوز”، أن ما يجري اليوم يمثل نقطة مفصلية في مسار المواجهة، موضحاً:

“أقرأ هذا التحول باعتباره انتقالاً نوعياً فيالمعركة السودانية مع الإمارات: من مربع الاتهام السياسي المتكرر إلى مربع الملف القضائي الموثّق. فحين أعلن وزير العدل عبد الله درف، هذا الأسبوع، تفعيل ثلاثة مسارات متوازية – الاختصاص القضائي العالمي، محكمة العدل الدولية، وتوسيع تحقيق الجنائية الدولية ليشمل مسؤولين إماراتيين – فإنه لم يكن يصدر تصريحاً خطابياً، إنما يستند إلى عمل تراكمي للجنة عليا وثّقت أسلحة ومسيّرات حديثة موثّقة الوجهة الأصلية إلى أبو ظبي قبل أن تصل إلى يد الدعم السريع”.

تقاطع التوثيق الحقوقي والاستقصائي المستقل

يرى المختص في العلاقات الدولية، زهير كرزيكة، في حديثه لـ”الأيام نيوز”، أن ما يمنح تحرك الخرطوم ثقلاً قانونياً وسياسياً هو استناده إلى قرائن متعددة لا تقف عند حدود الجهود الرسمية؛ مشيراً إلى تقرير منظمة “هيومن رايتس ووتش” الأخير الذي وثّق وصول منظومة “غاليكس” الفرنسية عبر مدرعات إماراتية الصنع إلى “قوات الدعم السريع”، بما يشكل خرقاً صريحاً لاتفاقيات المستخدم النهائي.

ولفت كرزيكة إلى كشف التقرير الحقوقي عن عمليات تجنيد أكثر من ألف مقاتل كولومبي عبر شركة “المجموعة العالمية للخدمات الأمنية” المقيمة في أبو ظبي، موضحاً أن ذلك يتشابك بصورة مباشرة مع التحقيق الاستقصائي لوكالة “رويترز” بشأن شبكة الطيران التي ربطت بين تشاد وليبيا والصومال ومطارات دارفور.

وأكد الخبير في العلاقات الدولية أن هذا التقاطع بين المصادر الحقوقية والاستقصائية المستقلة دون تنسيق مسبق بينها، يُحوّل الاتهامات الموجهة لأبو ظبي من مجرد افتراضات سياسية إلى معطيات مادية يصعب دحضها.

التأطير القانوني والسوابق التاريخية

حول الأسانيد القضائية والسياقات التاريخية للنزاع، أوضح زهير كرزيكة لـ”الأيام نيوز” أن هذه المعطيات تمنح السودان أساساً قانونياً متيناً يتجاوز حدود الإدانة الأخلاقية المجردة؛ إذ يفتح خرق اتفاقيات المستخدم النهائي ملف مسؤولية الدولة المصدّرة للعتاد على صعيد الرقابة، بينما يضع خرق حظر السلاح الأممي المفروض على دارفور منذ عام 2004 الدولة المعيدة للتصدير تحت طائلة المساءلة المباشرة.

واستشهد المختص في العلاقات الدولية بسوابق قضائية تاريخية تؤطر هذا المسار، مبيناً أن قضية غامبيا ضد ميانمار أثبتت إمكانية تحريك دعاوى الإبادة الجماعية من أطراف ثالثة، في حين أرست قضية نيكاراغوا ضد الولايات المتحدة مبدأ قانونياً يقضي بمساءلة الدولة عن دعمها للجماعات المسلحة بالوكالة، حتى في غياب السيطرة الميدانية المباشرة.

سقوط مظلة “الإنكار المعقول”

فيما يتعلق بالتداعيات السياسية والمواقف الدولية، يرى زهير كرزيكة، في تصريحه لـ”الأيام نيوز”، أن الإمارات اعتمدت لسنوات على معادلة “الإنكار المعقول” تحت مظلة شبكة مصالحها مع شركاء غربيين، وفي مقدمتهم فرنسا التي آثرت الصمت مراعاةً لعلاقاتها الاستراتيجية والتجارية مع الإمارات. إلا أنه يؤكد أن هذه الحماية السياسية أصبحت اليوم عالية الكلفة في ظل تصاعد الضغوط الحقوقية والبرلمانية داخل الأوساط الأوروبية.

ويخلص كرزيكة في تقييمه إلى أن التقاء التحركات القضائية متعددة المسارات مع التوثيق الحقوقي والتحقيقات الاستقصائية، يضع نموذج “الدعم بالوكالة” المعتمد من قبل الإمارات وفرنسا في مأزق تراكمي حقيقي بدلاً من كونه أزمة عابرة، معتبراً أن الاستمرار في تجنيد المرتزقة وتهريب السلاح للميليشيا في السودان لن يطول في ظل هذا الحصار القضائي والإعلامي المزدوج.

غير أنه ينبه في الوقت نفسه إلى بطء آليات القضاء الدولي، لافتاً إلى أن صدور أي أحكام صريحة وتنفيذها يظلان مرهونين بتوفر إرادة سياسية دولية لم تتبلور معالمها بشكل كامل بعد.

بين ذاكرة البناء واختبار العدالة الدولية

يستدعي هذا المسار مفارقة تاريخية وثقتها أروقة مجلس الأمن الدولي صيف عام 2024، حين خاطب مندوب السودان الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير الحارث إدريس، الجانب الإماراتي قائلاً: “نحن الذين أسسنا مجدها وتراثها الحديث ونهضتها الحديثة بجهودنا وابتكاراتنا، وعندما كان السودان يدعم حركات التحرر الإفريقي لم تصبح الإمارات دولة”. وبين هذا الاستحضار التاريخي والملفات القضائية التي تعمل الخرطوم على بنائها، تنتقل المواجهة إلى مرحلة تُختبر فيها الوقائع والأدلة أمام مؤسسات العدالة الدولية، حيث ستتحدد قيمة الاتهامات بقدرتها على الصمود قانونيًا، وما إذا كانت ستُفضي إلى مساءلة تتجاوز حدود الأزمة السودانية لتطال أنماط الدعم الخارجي في النزاعات المسلحة.

Author إيمان بن يمينة
إيمان بن يمينة، صحفية، خريجة المدرسة الوطنية العليا للصحافة وعلوم الإعلام، تخصص جيوسياسة وسائل الإعلام. بدأت مساري المهني بتربص في مجلس الأمة ضمن خلية الإعلام والاتصال، ثم في إذاعة الجزائر الدولية، وأعمل حاليًا صحفية في الأيام نيوز، حيث أكتب في القضايا السياسية والثقافية والاجتماعية.