2025.01.13
الابتكار من الجامعة إلى الاقتصاد..  العقول الجزائرية ضمن مسار صناعة الثروة حديث الساعة

الابتكار من الجامعة إلى الاقتصاد.. العقول الجزائرية ضمن مسار صناعة الثروة


سلمى عماري
06 يناير 2026

يطرح موضوع انتقال الابتكار، من الجامعة إلى المجال الاقتصادي، نفسه كأحد الملفات التي تحظى باهتمام متزايد، في النقاشات المرتبطة بتنويع الاقتصاد الوطني. فمع تزايد الوعي بأهمية البحث العلمي في إنتاج حلول قابلة للتطبيق، تتجه المقاربات الجديدة إلى تجاوز الدور الأكاديمي التقليدي للجامعة، نحو إدماج المعرفة في الدورة الاقتصادية. وفي هذا السياق، يبرز رهان ربط الابتكار بالإنتاج، في انتظار ترجمة هذا التوجه إلى نتائج ملموسة على مستوى خلق القيمة الاقتصادية.

يبرز دور الجامعة في هذا السياق بوصفها فضاء لإنتاج المعرفة، مع تزايد الاهتمام بقدرتها على المساهمة في تقديم حلول مرتبطة بالحاجات الاقتصادية. فالمقاربة المطروحة لا تتعلق بتغيير وظيفة الجامعة بقدر ما تتجه نحو توسيع أدوارها، عبر ربط البحث العلمي بإشكالات واقعية يمكن معالجتها علميا. هذا التوجه يندرج ضمن مسار تدريجي يسعى إلى جعل المعرفة الأكاديمية أكثر اتصالا بالدورة الاقتصادية، دون القطيعة مع بعدها التعليمي والعلمي.

وفي هذا الإطار، يؤكد خثير شين، أستاذ محاضر "أ" ودكتور في العلوم التجارية تخصص تسويق إبداعي لـ"الأيام نيوز"، أن التحوّل نحو اقتصاد قائم على الابتكار يفترض إعادة النظر في كيفية توظيف مخرجات البحث العلمي، موضحا أن "الاقتصاد القائم على الابتكار يُبنى بمنظومة قادرة على تحويل المعرفة إلى حلول قابلة للتطبيق والقياس". ويعكس هذا الطرح رؤية تعتبر الجامعة جزءا من منظومة أوسع، لا تكتمل فعاليتها إلا بوجود آليات تسمح بانتقال المعرفة من الإطار النظري إلى الاستخدام العملي.

وتبعا لذلك، يُنظر إلى الجامعة كحلقة أولى في مسار إنتاج القيمة، حيث يبدأ العمل من البحث والتجريب، قبل أن ينتقل إلى مراحل لاحقة تتطلب التأطير والتكييف مع متطلبات السوق. وفي هذا السياق، يظل الرهان مرتبطا بمدى قدرة هذه المنظومة على استيعاب مخرجات البحث العلمي وتوجيهها توجيها عمليا، بما يسمح بتحويل المعرفة إلى عنصر فاعل ضمن المسار الاقتصادي، في إطار تدرجي يراعي خصوصيات البيئة الوطنية وإمكاناتها.

البحث العلمي بين المقاربة الأكاديمية والحاجات الاقتصادية

ويُطرح موضوع مواءمة البحث العلمي مع الحاجات الاقتصادية بوصفه أحد الإشكالات المركزية في مسار إدماج الجامعة ضمن الدورة الإنتاجية. فالبحث الأكاديمي، بطبيعته، ينطلق من مناهج علمية وأهداف معرفية، في حين يتحرك الاقتصاد وفق منطق النجاعة والتطبيق والجدوى. هذا التباين يجعل مسألة الربط بين المجالين مسارا يتطلب وقتا وآليات واضحة، تسمح بتقريب المخرجات العلمية من متطلبات السوق دون المساس بأسس العمل الأكاديمي.

وانطلاقا من هذا الطرح، يصبح البحث العلمي مطالبا بالتفاعل التدريجي مع الحاجات الاقتصادية، دون أن يتحول إلى نشاط نفعي صرف. فالهدف، وفق هذا التصور، ليس إخضاع الجامعة لمنطق السوق، بل إيجاد مساحات تقاطع تسمح بتوظيف المعرفة في إنتاج حلول عملية. وفي هذا السياق، يُنظر إلى التوازن بين البعد الأكاديمي ومتطلبات الاقتصاد كشرط أساسي لجعل البحث العلمي عنصرا فاعلا ضمن مسار صناعة القيمة الاقتصادية، في إطار يحترم خصوصية كل مجال ويضمن استمراريته.

الابتكار والمقاولاتية الجامعية: مسار في طور التشكل

كما يُنظر إلى إدماج الابتكار والمقاولاتية داخل الجامعة كأحد المسارات التي تهدف إلى تقريب البحث العلمي من الواقع الاقتصادي، من خلال توفير أطر تنظيمية تسمح بتحويل الأفكار إلى مشاريع قابلة للتجسيد. ويأتي هذا التوجه في سياق البحث عن صيغ جديدة تجعل الجامعة فاعلا في التنمية، دون أن يعني ذلك القطيعة مع دورها الأكاديمي التقليدي. فالحديث هنا يدور عن مسار في طور البناء، تحكمه تجارب متفاوتة ووتيرة تدريجية في التطبيق.

وفي هذا الإطار، يرى الأستاذ خثير شين أن إدماج الابتكار والمقاولاتية داخل المنظومة الجامعية يعكس توجّها يرمي إلى جعل الجامعة شريكا في الدورة الاقتصادية، موضحا أن "التحول من الفكرة إلى المشروع لا يكون تلقائيا، بل يمر بمسار تدريجي يسمح بتجريب الحلول واختبارها ميدانيا وتكييفها مع حاجيات المستخدمين". ويبرز هذا التصريح أهمية المراحل الوسيطة التي تفصل بين البحث النظري والتجسيد الاقتصادي، حيث يصبح التأطير والتوجيه عنصرين أساسيين في إنجاح هذا الانتقال.

وفي السياق نفسه، يوضح أن دور الحاضنات الجامعية ومراكز الابتكار يتمثل في توفير فضاءات تسمح للطلبة والباحثين بالخروج من الإطار الأكاديمي الصرف نحو مقاربة أكثر ارتباطا بالواقع، معتبرا أن "هذه الهياكل تمثل حلقة وصل بين البحث العلمي والسوق، وتنسجم مع توجه الدولة نحو تشجيع المشاريع المنبثقة من الجامعة". ووفق هذا الطرح، يُفهم الابتكار والمقاولاتية الجامعية كمسار يتطلب نضجا مؤسساتيا وتكاملا بين مختلف الفاعلين، في إطار هادئ وتدريجي يراعي خصوصيات البيئة الجامعية والاقتصادية على حد سواء.

الكفاءات البشرية كعنصر محوري في خلق القيمة

وتُطرح أيضا مسألة الكفاءات البشرية في قلب النقاش المرتبط بالابتكار وصناعة القيمة الاقتصادية، باعتبارها أحد العناصر التي يقوم عليها أي مسار قائم على المعرفة. ففي هذا السياق، لا يُنظر إلى الموارد البشرية الجامعية بوصفها رصيدا كميا فحسب، بل كطاقة معرفية يمكن توجيهها نحو مجالات إنتاجية مختلفة، متى توفرت البيئة التي تسمح بتثمينها وربطها بالحاجات الفعلية للاقتصاد.

وفي هذا الإطار، يؤكد الأستاذ خثير شين أن التنافسية الاقتصادية في السياق المعاصر ترتكز أساسا على نوعية الكفاءات، موضحا أن "الاستثمار في الكفاءات العلمية والتكنولوجية يسمح بخلق اقتصاد منتج، ويوفر فرص عمل مستدامة للشباب خارج منطق التوظيف الإداري". ويعكس هذا التصريح تصورا يعتبر المورد البشري عنصرا فاعلا في إنتاج الثروة، حين يُدمج ضمن منظومة تشجع على الابتكار وتفتح آفاقا جديدة أمام المبادرة والخلق الاقتصادي.

وانطلاقا من هذا الطرح، يُفهم دور الكفاءات الجامعية في إطار تكاملي، حيث لا يكفي توفر المعرفة وحدها لتحقيق القيمة، بل يتطلب الأمر ربط هذه الكفاءات ببيئة مؤسسية داعمة. وفي هذا السياق، يوضح الأستاذ خثير شين أن "ربط الكفاءات ببيئة تشجع على الابتكار وريادة الأعمال يحوّل الشباب إلى محرك للنمو الاقتصادي، وقوة فاعلة في إعادة تشكيل سوق العمل على أسس أكثر إنتاجية واستدامة". وبهذا المعنى، يظل الاستثمار في العنصر البشري مسارا تدريجيا، يرتبط بمدى قدرة المنظومة الجامعية والاقتصادية على استيعاب هذه الطاقات وتوجيهها نحو خلق قيمة اقتصادية قابلة للاستمرار.

من الفكرة إلى السوق: شروط الانتقال الواقعي

كما يُطرح انتقال الابتكار من الفكرة إلى السوق كمرحلة مفصلية في مسار إدماج البحث العلمي ضمن الدورة الاقتصادية، حيث لا يكفي إنتاج المعرفة العلمية لضمان تحولها إلى قيمة اقتصادية. فهذه المرحلة تقتضي توفر شروط تنظيمية ومؤسسية تسمح بتجريب الحلول، وتقييم جدواها، وتكييفها مع متطلبات الاستخدام الفعلي. وفي هذا السياق، يُنظر إلى هذا الانتقال كمسار عملي تحكمه ضوابط واضحة أكثر مما تحكمه الاعتبارات النظرية.

وفي هذا الإطار، يوضح الأستاذ خثير شين أن الفجوة القائمة بين البحث العلمي والسوق تمثل أحد التحديات الأساسية، مشيرا إلى أن "الإشكال الحقيقي يكمن في الفجوة القائمة بين المعرفة والسوق، حيث ينتج الباحث أفكارا وحلولا علمية، بينما يبحث السوق عن منتجات عملية، منخفضة التكلفة، وقابلة للتطبيق". ويبرز هذا التصريح طبيعة التباين بين منطق البحث ومنطق السوق، بما يفرض وجود آليات وسيطة قادرة على تقريب الطرفين دون اختزال أحدهما في الآخر.

وانطلاقا من هذا التشخيص، يؤكد الأستاذ خثير شين أن تجاوز هذه الفجوة يمر عبر بناء بيئة مؤسسية واضحة المعالم، موضحا أن "الابتكار لا يمكن أن يزدهر دون بيئة مؤسسية واضحة، حيث يقع على عاتق الدولة تهيئة الإطار القانوني وتقديم التحفيزات وتقليل المخاطر في المراحل الأولى، بينما يبقى القطاع الخاص العنصر الأساسي في تحويل الابتكار إلى قيمة اقتصادية مستدامة". ووفق هذا الطرح، يُفهم الانتقال من الفكرة إلى السوق كمسار تدريجي يتطلب تنسيقا بين مختلف الفاعلين، ضمن مقاربة واقعية توازن بين الطموح الاقتصادي وإمكانات التطبيق.

في ضوء ما سبق، يتضح أن انتقال الابتكار من الجامعة إلى الاقتصاد يُطرح اليوم كمسار تدريجي يرتبط بتكامل أدوار البحث العلمي، والكفاءات البشرية، والبيئة المؤسسية. فصناعة القيمة الاقتصادية انطلاقا من المعرفة لا تقوم على إجراءات معزولة، بل على منظومة تسمح بتوجيه الأفكار نحو التطبيق، وربط الجامعة بمحيطها الاقتصادي دون الإخلال بوظيفتها الأكاديمية. وفي هذا الإطار، يظل الابتكار الجامعي جزءًا من مسار أوسع لصناعة الثروة، تحكمه الواقعية والتدرج، وتحدده قدرة المنظومة على تحويل المعرفة إلى عنصر فاعل ضمن الدورة الاقتصادية الوطنية.