الأربعاء، 07 أكتوبر 2026 — 23 ربيع الثاني 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
اقتصاد

الاستثمار الفلاحي في الجزائر.. هل يتحقق رهان الأمن الغذائي؟

Author
إيمان عبروس 13 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

يتصدر الاستثمار الفلاحي ، اليوم واجهة التحولات الاقتصادية التي تشهدها الجزائر، في ظل توجه رسمي يرمي إلى إعادة بناء الاقتصاد الوطني على أسس إنتاجية أكثر تنوعا واستدامة.

ويأتي هذا التوجه في سياق دولي يتسم بتقلبات متزايدة في أسواق الغذاء والطاقة، إلى جانب ارتفاع تكاليف الاستيراد واضطراب سلاسل التموين العالمية، وهي عوامل دفعت العديد من الدول إلى مراجعة سياساتها الغذائية والبحث عن صيغ جديدة لتحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي.

وفي الجزائر، تبرز الفلاحة كأحد أكثر القطاعات قدرة على تحقيق هذا التحوّل، بالنظر إلى الإمكانات الطبيعية والبشرية المتوفرة، واتساع المساحات القابلة للاستصلاح، فضلا عن تزايد الاستثمارات الموجهة نحو الزراعات الاستراتيجية والصناعات التحويلية المرتبطة بها. كما تراهن السلطات العمومية على جعل القطاع الفلاحي أحد المحركات الرئيسية للنمو الاقتصادي خارج قطاع المحروقات، عبر مشاريع كبرى تمتد من الشمال إلى الجنوب، وتستهدف تعزيز الإنتاج الوطني وتقليص فاتورة الواردات الغذائية.

وفي هذا السياق، أكد صغيري عبد المجيد، في تصريح خص به “الأيام نيوز”، أن الاستثمار الفلاحي أصبح يمثل اليوم أحد أهم مفاتيح التحوّل الاقتصادي في الجزائر، بالنظر إلى الدور الذي يمكن أن يؤديه في تحقيق الأمن الغذائي وخلق الثروة ومناصب الشغل، إلى جانب تقليص التبعية للأسواق الخارجية.

مشاريع كبرى لتأمين الغذاء وتقليص الواردات
وأوضح المتحدث أن الجزائر شرعت، خلال السنوات الأخيرة، في إطلاق مشاريع فلاحية ضخمة ذات طابع استراتيجي، تستهدف رفع الإنتاج الوطني في عدد من الشعب الأساسية، خاصة الحبوب والحليب والأعلاف والزيوت والسكر، وهي المواد التي تستحوذ على جزء معتبر من فاتورة الاستيراد السنوية.

وأشار إلى أن مشروع “بلدنا” الجزائري القطري يعد من أبرز هذه المشاريع، باعتباره نموذجا متكاملا للإنتاج الفلاحي والصناعات المرتبطة به، حيث يشمل إنتاج الحليب المجفف والأعلاف والحبوب على مساحة تتجاوز 100 ألف هكتار، وهو ما يمنحه بعدا استراتيجيا فيما يتعلق بتأمين احتياجات السوق الوطنية من المواد الأساسية.

كما تحدث عن مشروع الشراكة مع الشركة الإيطالية “Bonifiche Ferraresi “بولاية تيميمون، والمتخصص في إنتاج الحبوب والبقوليات والعجائن الغذائية، إضافة إلى مشاريع أخرى مع مستثمرين سعوديين وصينيين وأتراك موجهة لتطوير الزراعات الاستراتيجية والفلاحة الصحراوية.

ويرى صغيري عبد المجيد أن هذه المشاريع تعكس توجها واضحا نحو بناء منظومة إنتاج وطني متكاملة، تعتمد على استغلال الإمكانات الطبيعية المتوفرة محليا، مع إدماج التكنولوجيا الحديثة والصناعة التحويلية ضمن دورة الإنتاج.

الجنوب الجزائري يتحوّل إلى قطب فلاحي استراتيجي
وحول التوسع المتزايد للفلاحة الصحراوية، أوضح المتحدث أن الجنوب الجزائري أصبح يمثل الخزان الحقيقي للإنتاج الزراعي المستقبلي، بالنظر إلى المساحات الشاسعة القابلة للاستغلال، إلى جانب وفرة أشعة الشمس ووجود مخزون معتبر من المياه الجوفية.

وأشار إلى أن الاستثمارات الفلاحية تتجه بشكل متزايد نحو ولايات أدرار وورڤلة وتڤرت والنعامة وتيميمون، حيث تعمل السلطات العمومية على تهيئة المحيطات الفلاحية وربطها بالكهرباء وإنجاز المسالك وشبكات الري، بهدف تشجيع المستثمرين ورفع مردودية الإنتاج.

وأضاف أن نجاح الفلاحة الصحراوية يرتبط بمدى القدرة على استغلال الموارد المائية بطريقة عقلانية، خاصة في ظل التحديات المناخية التي يشهدها العالم، مؤكدا أن التحكم في المياه أصبح من أهم عناصر استدامة الإنتاج الزراعي في المستقبل.

وفي السياق ذاته، أشار إلى أهمية إعادة بعث النشاط الفلاحي في الهضاب العليا عبر برامج إنشاء محيطات مسقية موجهة للزراعات الاستراتيجية، إلى جانب إعادة تأهيل الأشجار المثمرة في المناطق الشمالية، مع مواصلة برامج توسيع السد الأخضر ومكافحة التصحر.

الأمن الغذائي يرتبط بسلاسل التخزين والتحويل
وأكد عضو المكتب التنفيذي لاتحاد المهندسين الزراعيين أن الحديث عن الأمن الغذائي لا يرتبط فقط بزيادة الإنتاج، وإنما يشمل أيضا تطوير مختلف حلقات سلسلة القيمة الفلاحية، بداية من التخزين والنقل وصولا إلى التحويل والتسويق.

وأوضح أن جزءا معتبرا من المنتجات الفلاحية يتعرض للتلف بسبب ضعف قدرات التخزين وغياب غرف التبريد أو وحدات التحويل الصناعي، وهو ما يؤدي إلى خسائر اقتصادية كبيرة تؤثر على استقرار السوق الوطنية.

وأضاف أن الدولة بدأت، خلال الفترة الأخيرة، في دعم مشاريع التخزين والتبريد، إلى جانب تقديم تسهيلات تمويلية للمستثمرين والفلاحين، بهدف تحسين ظروف حفظ المنتجات وتقليص الخسائر الموسمية التي تعرفها بعض الشعب الفلاحية.

ويرى المتحدث أن تطوير الصناعات التحويلية الغذائية يمثل خطوة أساسية لرفع القيمة المضافة للمنتجات الفلاحية، خاصة في مجالات الطماطم والتمور والحبوب والفواكه والخضر، وهو ما يسمح بخلق مناصب شغل جديدة وتعزيز صادرات الجزائر خارج المحروقات.

عراقيل ميدانية تعيق الاستثمار

ورغم الديناميكية التي يشهدها القطاع، أشار صغيري عبد المجيد إلى أن المستثمرين يواجهون عددا من العراقيل التي ما تزال تؤثر على وتيرة تطوّر النشاط الفلاحي، وفي مقدمتها صعوبة الحصول على التمويل طويل المدى، وتعقيد الإجراءات الإدارية المرتبطة بالعقار الفلاحي.

وأضاف أن العديد من المستثمرين يواجهون تأخرا في تسوية الملفات المتعلقة بالاستغلال العقاري أو الحصول على التراخيص، وهو ما يؤثر على انطلاق المشاريع في الآجال المحددة.

كما تحدث عن تأثير التغيرات المناخية وشح الموارد المائية، إلى جانب ارتفاع أسعار العتاد والأسمدة والطاقة، وهي عوامل رفعت من تكاليف الإنتاج خلال السنوات الأخيرة.

وأشار أيضا إلى محدودية التأطير التقني والمتابعة الميدانية لبعض المستثمرين، خاصة في المناطق الجديدة، فضلا عن ضعف ثقافة التأمين الفلاحي، ما يجعل عددا من الفلاحين عرضة للخسائر عند حدوث الكوارث الطبيعية أو التقلبات المناخية.

التكنولوجيا الزراعية تفتح آفاقا جديدة
وفيما يتعلق بالحلول المستقبلية، شدد المتحدث على أن التكنولوجيا الحديثة أصبحت عنصرا أساسيا في تطوير الفلاحة وتحسين مردوديتها، من خلال اعتماد الرقمنة وتقنيات الري الذكي والطائرات دون طيار والاستشعار عن بعد والذكاء الاصطناعي.

وأوضح أن هذه التقنيات تسمح بمراقبة المحاصيل بدقة أكبر، وترشيد استهلاك المياه والأسمدة، وتحسين التوقعات الزراعية، إضافة إلى تقليص الخسائر المرتبطة بالأمراض أو التغيرات المناخية.

كما أشار إلى أهمية استخدام صور الأقمار الاصطناعية وتقنيات “الدرون” لمتابعة تطور الزراعات الكبرى، خاصة في المناطق الصحراوية ذات المساحات الواسعة، حيث تساعد هذه الوسائل على توجيه التدخلات التقنية بشكل أسرع وأكثر دقة.

ويرى المتحدث أن الانتقال نحو “الفلاحة الذكية” أصبح ضرورة اقتصادية، في ظل التحولات العالمية المتسارعة في مجال الإنتاج الغذائي، والتوجه نحو أنماط زراعية تعتمد على التكنولوجيا والمعرفة العلمية.

نحو بناء اقتصاد فلاحي منتج ومستدام
وأكد صغيري عبد المجيد أن الجزائر تمتلك المؤهلات الطبيعية والبشرية التي تسمح لها بتحقيق سيادة غذائية تدريجية، خلال السنوات المقبلة، خاصة إذا استمرت المشاريع الحالية بنفس الوتيرة، مع تحسين التسيير وتقليص العراقيل البيروقراطية.

وأوضح أن الرهان الحقيقي اليوم يتمثل في بناء نموذج فلاحي اقتصادي قائم على المكننة الحديثة، والبحث العلمي، وتحسين البذور والأصناف ذات المردودية العالية، إلى جانب ربط الإنتاج الفلاحي بالصناعة التحويلية والأسواق.

ويرى أن القطاع الفلاحي يمكن أن يتحوّل، خلال السنوات القادمة، إلى قوة اقتصادية حقيقية قادرة على خلق الثروة ورفع الصادرات وتقليص التبعية للواردات، خاصة مع تزايد الاهتمام بالاستثمار المنتج والتوجه نحو تنويع الاقتصاد الوطني.

وتعكس المشاريع الكبرى التي أطلقتها الجزائر، خلال الفترة الأخيرة، إرادة واضحة لإعادة الاعتبار للفلاحة كقطاع استراتيجي يرتبط بالأمن القومي والاستقرار الاقتصادي، في ظل عالم يشهد تحولات متسارعة في أسواق الغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد الدولية.

Author إيمان عبروس
أنا إيمان عبروس، صحفية بموقع الأيام نيوز، أهتم بالشأن الاقتصادي والصحي والاجتماعي، خريجة جامعة الجزائر 3، كلية علوم الإعلام والاتصال، تخصص صحافة مكتوبة. بدأت مساري المهني بجريدة الفجر سنة 2014، ثم التحقت بقناة دزاير، حيث عملت بقسم الأخبار والروبورتاجات، مكلفة بالتغطيات الميدانية، قبل أن أنتقل إلى قناة الخبر للعمل في قسم الأخبار والتغطيات. وفي سنة 2016 شغلت منصب معدة ومقدمة برامج بقناة توميديا، ثم التحقت بموقع العصر، حيث عملت في إعداد التقارير والتغطيات الميدانية، وبعدها بجريدة الموعد اليومية، إلى أن التحقت بشبكة الأيام الجزائرية، حيث أواصل تغطية ومعالجة مختلف القضايا الاقتصادية والصحية والاجتماعية.
↑