السبت، 06 يونيو 2026 — 19 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

الاستثمار المنتج في الجزائر.. إصلاحات جديدة لصناعة اقتصاد ما بعد النفط

Author
إيمان عبروس 12 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

يتصدّر الاستثمار المنتج واجهة التحولات الاقتصادية الجارية في الجزائر، باعتباره خيارا استراتيجيا لإعادة تشكيل بنية الاقتصاد الوطني على أسس أكثر توازنا واستدامة. ويأتي هذا التوجه في سياق اقتصادي يتسم بتزايد الرهان على تنويع مصادر الدخل، وتوسيع قاعدة الإنتاج، والانتقال التدريجي من اقتصاد يعتمد بشكل كبير على المحروقات إلى اقتصاد قائم على المبادرة الخاصة والقيمة المضافة.

وتسعى الجزائر، من خلال حزمة الإصلاحات الأخيرة، إلى إعادة بناء مناخ الاستثمار، عبر تحسين بيئة الأعمال، وتبسيط الإجراءات الإدارية، وتقليص آجال معالجة الملفات، إلى جانب تعميم الرقمنة وتفعيل الشباك الوحيد كأداة مركزية لتسيير المشاريع الاستثمارية. هذه التحولات تعكس توجها مؤسساتيا نحو بناء إدارة اقتصادية أكثر مرونة ونجاعة، قادرة على مواكبة متطلبات المرحلة الجديدة.

كما تبرز المؤشرات الرسمية المتعلقة بحجم المشاريع الاستثمارية المسجلة وتوقعات التشغيل، اتجاها واضحا نحو ديناميكية اقتصادية جديدة، تقوم على تنويع القاعدة الإنتاجية، وتعزيز مساهمة القطاعات غير النفطية، ورفع مستوى اندماج الاقتصاد الوطني في سلاسل القيمة العالمية.

الاستثمار المنتج وإعادة هندسة الاقتصاد الوطني

في تصريح خص به “الأيام نيوز”، أكد فارس هباش أن التحولات الاقتصادية الجارية في الجزائر تعكس إرادة واضحة لإعادة بناء مناخ استثماري أكثر مرونة وفعالية، يقوم على تقليص العراقيل الإدارية وتوجيه الاستثمارات نحو القطاعات المنتجة ذات القيمة المضافة العالية، معتبرا أن المرحلة الحالية تمثل انتقالا تدريجيا نحو اقتصاد أكثر انفتاحا على المبادرة الخاصة وتوسيع دور الفاعلين الاقتصاديين.

وأوضح أن الاستثمار المنتج لم يعد مجرد خيار اقتصادي، وإنما أصبح ضرورة هيكلية لإعادة توازن الاقتصاد الوطني، من خلال خلق ديناميكية إنتاجية قادرة على توليد الثروة داخليا، وتقليص الاعتماد على الواردات، وتعزيز قدرة الاقتصاد على الصمود أمام التقلبات الخارجية.

وأضاف أن القيمة الحقيقية لهذه المشاريع لا تكمن فقط في حجمها المالي، وإنما في أثرها البنيوي على الاقتصاد، من خلال قدرتها على خلق شبكات إنتاج مترابطة تشمل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وأنشطة المناولة، والخدمات اللوجستية، والتسويق، والتوزيع.

كما أشار إلى أن هذه الشبكات الاقتصادية تسمح ببناء منظومة إنتاج متكاملة، قادرة على خلق دورة اقتصادية محلية مستدامة، تدعم النمو وتوسع القاعدة الإنتاجية الوطنية، وتساهم في خلق مناصب شغل مباشرة وغير مباشرة.

وأكد المتحدث أن توجيه جزء معتبر من الاستثمارات نحو الصناعات التحويلية يمثل رافعة أساسية للتحول الاقتصادي، لأنه يسمح بتقليص تدريجي لفاتورة الاستيراد، ورفع نسبة الإدماج الوطني، وتعزيز تنافسية المنتوج الجزائري في الأسواق الداخلية والخارجية.

كما أوضح أن هذا التوجه يفتح المجال أمام الجزائر للاندماج بشكل أقوى في سلاسل القيمة العالمية، من خلال الانتقال من تصدير المواد الخام إلى تصدير المنتجات المصنّعة ذات القيمة المضافة الأعلى، وهو ما يعزز مكانة الاقتصاد الوطني على المستوى الدولي.

وأشار أيضا إلى أن نجاح هذا المسار يتطلب استمرارية في الإصلاحات، وتنسيقا أكبر بين المؤسسات الاقتصادية والإدارية، إضافة إلى تحسين أداء الهيئات المرافقة للاستثمار، بما يضمن تحويل المشاريع المسجلة إلى مؤسسات إنتاج فعلية.

الإصلاحات الاستثمارية بين الطموح وتحديات التنفيذ

من جهته، أكد سعيد منصور أن الأرقام المعلنة من قبل الوزير الأول تعكس وجود إرادة سياسية واضحة لإعادة بعث الاستثمار وتحسين مناخ الأعمال في الجزائر، من خلال تبسيط الإجراءات الإدارية، وتقليص آجال دراسة الملفات، وتعزيز الاعتماد على الرقمنة والشباك الوحيد.

وأوضح أن تسجيل أكثر من 20 ألف مشروع استثماري بقيمة تفوق 9000 مليار دينار يعكس عودة تدريجية للثقة في السوق الجزائرية، وهو مؤشر مهم على بداية تحوّل في سلوك المستثمرين سواء المحليين أو الأجانب.

غير أن هذا المؤشر الإيجابي، حسبه، يبقى مرتبطا بمدى قدرة المنظومة الاقتصادية على تحويل هذه المشاريع من التزام ورقي إلى إنجاز فعلي على أرض الواقع، من خلال توفير العقار الصناعي، وضمان التمويل، وتحسين الخدمات اللوجستية، وتبسيط الإجراءات الميدانية.

وأضاف أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إطلاق المشاريع فقط، وإنما في ضمان استمراريتها وتحوّلها إلى مؤسسات منتجة قادرة على خلق الثروة ومناصب الشغل بشكل مستدام.

كما اعتبر أن تقليص آجال دراسة الملفات إلى 15 و20 يوما يمثل نقلة نوعية في تسيير الاستثمار، لأنه يضع حدا لفترات الانتظار الطويلة التي كانت تؤثر سلبا على ثقة المستثمرين، ويمنح رؤية أوضح حول مستقبل المشاريع منذ لحظة انطلاقها.

وشدد على أن نجاح هذه الإصلاحات يتطلب تطبيقا ميدانيا صارما، لأن الفارق الحقيقي في مناخ الاستثمار لا يقاس فقط بالنصوص القانونية، وإنما بمدى تجسيدها العملي داخل الإدارات والمؤسسات.

الرقمنة والشباك الوحيد.. نحو إدارة استثمارية حديثة

تشكل الرقمنة أحد أهم محاور التحوّل الاقتصادي في الجزائر، من خلال اعتماد الشباك الوحيد وتوحيد الإجراءات الإدارية في منصة رقمية واحدة، تسمح بتقليص التعقيدات وتسريع معالجة الملفات الاستثمارية.

ويعتبر هذا التحوّل خطوة نحو تحديث الإدارة الاقتصادية، من خلال الانتقال من النظام الإداري التقليدي، القائم على تعدد المصالح والإجراءات، إلى نظام رقمي موحد يعتمد على السرعة والدقة والشفافية.

كما تساهم الرقمنة في تقليل الاحتكاك المباشر بين المستثمر والإدارة، ما يحد من البيروقراطية، ويعزز من وضوح المسارات الإدارية، ويسهّل متابعة المشاريع بشكل آني.

ومن المتوقع أن ينعكس هذا التحول إيجابا على صورة الجزائر في المؤشرات الدولية الخاصة بمناخ الأعمال، خاصة في ظل التوجه العالمي المتزايد نحو الاقتصاد الرقمي والخدمات الذكية.

العقار الاقتصادي.. من معرقل إلى رافعة للاستثمار

يعد ملف العقار الاقتصادي أحد أبرز التحديات التي واجهت الاستثمار في الجزائر سنوات طويلة، بسبب التعقيدات الإدارية وطول آجال المعالجة.

غير أن التوجه الجديد نحو تسريع الرد على طلبات العقار الاقتصادي في آجال لا تتجاوز 48 ساعة، يمثل تحوّلا مهما في فلسفة تسيير هذا الملف الحساس.

ويهدف هذا الإجراء إلى تسهيل انطلاق المشاريع الاستثمارية، وتقليص فترات الانتظار، وتوفير رؤية واضحة للمستثمر حول توفر العقار منذ المراحل الأولى.

كما يساهم في تعزيز الثقة بين المستثمر والإدارة، ويعكس رغبة في جعل العقار الاقتصادي أداة لتحفيز الاستثمار بدل أن يكون عائقا أمامه.

ديناميكية تشغيل واسعة وتحوّلات اجتماعية مرتقبة

توقّع توفير أكثر من 525 ألف منصب شغل، يعكس البعد الاجتماعي العميق للإصلاحات الاستثمارية، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بتشغيل الشباب وخريجي الجامعات.

وتبرز أهمية هذه المناصب في ارتباطها بقطاعات حديثة مثل الصناعة المتقدمة، الاقتصاد الرقمي، الذكاء الاصطناعي، الطاقات المتجددة، والخدمات التكنولوجية، إلى جانب فرص غير مباشرة في مجالات النقل والخدمات والمناولة والتكوين.

كما أن تنوّع المشاريع الاستثمارية يسمح بظهور تخصصات جديدة تتماشى مع التحولات العالمية في سوق العمل، ما يساهم في تحديث البنية المهنية للاقتصاد الوطني.

قطاعات استراتيجية لصناعة الإقلاع الاقتصادي

يرى خبراء أن نجاح الإصلاحات الاستثمارية مرتبط بمدى توجيه الاستثمارات نحو قطاعات ذات قيمة مضافة عالية، وعلى رأسها الصناعة التحويلية، الفلاحة الحديثة، الطاقات المتجددة، والاقتصاد الرقمي.

ويؤكد المتابعون أن هذه القطاعات تمثل المحرك الحقيقي للنمو المستدام، لأنها تسمح بخلق مناصب عمل دائمة، ورفع نسبة الإدماج الوطني، وتقليص التبعية للاستيراد، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي.

كما أن دعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وربطها بالمشاريع الكبرى، ضمن منظومة مناولة فعالة، يشكل شرطا أساسيا لبناء اقتصاد متكامل قادر على المنافسة.

نحو نموذج اقتصادي جديد قائم على الإنتاج والمعرفة

تتجه الجزائر نحو بناء نموذج اقتصادي جديد يقوم على الاستثمار المنتج، وتنويع مصادر الدخل، وتعزيز الإنتاج المحلي، باعتباره مدخلا أساسيا لتحقيق النمو المستدام.

غير أن هذا المسار يظل مرهونا بمدى القدرة على تحويل المشاريع المسجلة إلى مؤسسات إنتاجية حقيقية قادرة على خلق الثروة وتوسيع الصادرات.

وفي ظل هذه الديناميكية، تبدو الجزائر أمام مرحلة اقتصادية مفصلية، عنوانها الانتقال من اقتصاد الإمكانات إلى اقتصاد النتائج، عبر ترسيخ الاستثمار المنتج كخيار استراتيجي طويل المدى لبناء اقتصاد قوي، متوازن، ومندمج في الاقتصاد العالمي.

Author إيمان عبروس
صحفية خريجة جامعة الجزائر 3 – كلية علوم الإعلام والاتصال. تهتم بالشأن الاقتصادي الصحي والاجتماعي