الإثنين، 14 سبتمبر 2026 — 30 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
حديث الساعة

الاستراتيجية الصهيونية لتأصيل المزيّف.. برمجة العقل العربي

Author
الأيام نيوز 01 سبتمبر 2026
X Facebook TikTok Instagram

لا يخوض الكيان الصهيوني حربه ضد الفلسطينيين والعالم العربي بالسلاح وحده، بل يفتح بالتوازي مع عملياته العسكرية جبهة تستهدف الوعي والذاكرة والإدراك، مستخدما الهاتف والشاشة والمنصات الرقمية لفرض روايته في الحياة اليومية. وعبر آليات التزييف والبرمجة الممنهجة، يصوغ صورة له تقوم على التكنولوجيا والاقتصاد والاستقرار، ويسعى إلى إبعاد الاحتلال والاستيطان والحصار عن واجهة المشهد، وإحالة الحقوق الفلسطينية إلى هامش الاهتمام، وصولا إلى ترسيخ قناعة لدى الجمهور العربي بأن موازين القوة حُسمت لمصلحة الاحتلال، وأن مقاومة سياساته لا تقود إلا إلى مزيد من الخسائر.

وتدخل هذه السياسة ضمن مفهوم أوسع ارتبط في الأدبيات الإسرائيلية بما يعرف بـ”كي الوعي”، وهو مفهوم يرتبط باستخدام القوة والضغط النفسي والإعلامي للتأثير في حسابات الخصم وبيئته الاجتماعية، ودفعه إلى الاعتقاد بأن كلفة المواجهة تفوق قدرته على تحملها.

ومن هذا المنطلق، لا تأتي الصورة والكلمة والمنشور والحساب الرقمي في مرتبة ثانوية داخل المشروع الصهيوني، وإنما تتحرك ضمن منظومة تجمع المؤسسات الرسمية والجيش ووزارة الخارجية ومراكز الدراسات والجامعات وشبكات الناشطين، وتعمل على نقل الصراع من الأرض إلى العقل، ومن مواجهة الاحتلال إلى محاولة إعادة تشكيل الطريقة التي يرى بها العربي الاحتلال نفسه.

وفي هذا السياق، يضع الباحث الأكاديمي الأردني الدكتور وليد عبد الحي – في مقال لع على صفحته بموقع فيسبوك – هذه المسألة في إطار أكثر تحديدا، إذ يرى أن الفضاء الرقمي تحول إلى ساحة جديدة في الصراع العربي الصهيوني، وأن العقل الصهيوني دخل إليها بهدف توظيفها لخدمة مقولاته السياسية، عبر ربط علم النفس بالأجهزة الأمنية والاستخبارية ومؤسسات الاتصال والإعلام ومراكز الدراسات.

ويشير عبد الحي إلى أن الغاية الأساسية تتمثل في “اختراق البيئة العقلية والنفسية العربية”، من خلال اكتشاف الشقوق الموجودة داخل المجتمعات العربية والعمل على توسيعها، ودفع الجمهور نحو قضايا تزيح القضايا المركزية، ثم محاولة إحلال خصومات جديدة محل العداء للاحتلال.

كي الوعي.. حين تبدأ الهزيمة من الداخل

تقوم الحرب النفسية التي يمارسها الاحتلال على هدف شديد الوضوح، يتمثل في إقناع الخصم بأن المقاومة بلا جدوى قبل أن يبدأ التفكير في نتائجها، ولذلك تدفع الآلة الدعائية الصهيونية بصورة مستمرة لجيش يمتلك تفوقا مطلقا في التكنولوجيا والاستخبارات والنار، وتحول كل عملية عسكرية إلى عرض قوة يتجاوز ساحة القتال ليصل إلى المجتمع الذي يتابع الأحداث عبر الشاشات والمنصات. ولا يبحث الاحتلال عن الانتصار العسكري وحده، وإنما يريد أن يترسخ في الوعي الفلسطيني والعربي اعتقاد بأن قدرته على الإيذاء والمراقبة والوصول تجعل مواجهته أقرب إلى المغامرة الخاسرة.

ويشير عبد الحي إلى أن اختراق البيئة النفسية لا يحتاج دائما إلى خطاب مباشر يمجد الاحتلال أو يطلب من الجمهور تأييده، لأن التأثير الأكثر فعالية قد يبدأ بإضعاف الثقة بالذات وبالمجتمع وبإمكان التغيير، ثم ينتقل إلى التشكيك في جدوى المقاومة وفي قدرة الفلسطينيين على الصمود، وصولا إلى إعادة ترتيب الأولويات داخل العقل العربي. وحين تنجح الدعاية في دفع الجمهور إلى الاعتقاد بأن التفوق الصهيوني قدر ثابت، فإن الاحتلال يكون قد حقق جزءا من هدفه النفسي قبل أن يخوض أي مواجهة جديدة.

وتظهر هذه الآلية بوضوح في طريقة تقديم العمليات العسكرية، إذ تحرص المنظومة الدعائية للاحتلال على إبراز قدراتها التقنية والاستخبارية وإظهار قدرتها على الوصول إلى الخصوم في أماكن مختلفة، وهي رسائل تخاطب المجتمع بقدر ما تخاطب المقاتلين، لأن الغاية منها تحويل القوة العسكرية إلى ضغط نفسي مستمر يضعف الثقة بقدرة الطرف الآخر على المبادرة. ويكتمل هذا الضغط حين تربط الدعاية بين المقاومة وبين الخراب والمعاناة، فتضع الاحتلال خارج مركز السؤال وتدفع النقاش نحو الفلسطيني الذي يقاوم واقعا فُرض عليه بالقوة.

الهاسبارا”.. صناعة الرواية في خدمة الاحتلال

تستخدم المؤسسات الإسرائيلية مصطلح “الهاسبارا” للدلالة على جهود شرح الموقف الإسرائيلي والدفاع عنه أمام الجمهور الخارجي، غير أن الممارسة تتجاوز التفسير الإعلامي التقليدي إلى بناء منظومة اتصال واسعة تخاطب كل جمهور بلغته وتختار الرسائل وفق طبيعة المتلقي، بحيث تتحول الرواية السياسية إلى منتج إعلامي يجري توزيعه عبر المنصات الرسمية والجامعات والطلاب والناشطين وشبكات التواصل.

وتقدم تجربة “Israel Under Fire” خلال حرب غزة عام 2014 نموذجا مبكرا على هذا المسار، إذ تناولت تقارير صحفية مشاركة طلاب في حملة رقمية متعددة اللغات هدفت إلى الدفاع عن الرواية الإسرائيلية والتفاعل مع النقاشات التي شهدتها شبكات التواصل أثناء الحرب. وأصبحت هذه التجارب لاحقا جزءا من مسار أوسع داخل مؤسسات أكاديمية صهيونية تعمل على تدريب الطلاب على أدوات الاتصال والدبلوماسية العامة والتأثير في الجمهور الخارجي.

وتقدم جامعة رايخمان نفسها مثالا على هذا التداخل بين التعليم والاتصال السياسي، إذ يضم برنامج الدبلوماسية العامة لديها مساقات تجمع بين الحوكمة والاتصال وعلم النفس والتسويق، بينما تتيح للطلاب تدريبا عمليا عبر مشروع “Act.IL” المشترك مع المجلس الإسرائيلي ـ الأمريكي، والذي يركز على إنتاج المحتوى المؤيد لإسرائيل وتوجيهه إلى الجماهير المستهدفة.

ولا تنحصر أهمية هذه التجربة في تفاصيل برنامج جامعي، لأن وجود أدوات الاتصال والإعلام وعلم النفس داخل المسار نفسه يكشف طبيعة التفكير الذي يحكم المعركة على الرواية، حيث يتحول فهم الجمهور إلى جزء من عملية صياغة الرسالة، ويتحول المحتوى الرقمي إلى وسيلة للتأثير وليس إلى مساحة محايدة لتبادل المعلومات.

الباحث الأكاديمي الأردني وليد عبد الحي

وتكشف هذه المعطيات بوضوح عن المنظومة التي تحدث عنها الباحث الأكاديمي الأردني وليد عبد الحي، إذ تتداخل فيها المعرفة الأكاديمية مع أدوات الاتصال والعمل الأمني والمصالح السياسية لخدمة أهداف الاحتلال، بما يمنح هذا النشاط قدرة على الانتقال من الخطاب الرسمي التقليدي إلى مساحات أكثر قربا من المستخدم العربي، حيث تدخل الرسالة إلى حياته اليومية في صورة منشور أو فيديو أو تعليق أو حساب يتحدث بلغته ويخاطبه بمنطق قريب من اهتماماته.

حين يصبح العربي هدفا مباشرا

تدرك سلطة الاحتلال أن مخاطبة الجمهور العربي مباشرة تمنحها قدرة أكبر على تجاوز الحواجز السياسية والإعلامية التقليدية، ولهذا أنشأت وزارة الخارجية الإسرائيلية قنوات رقمية بلغات متعددة، بينها العربية، بهدف تحسين صورتها والتواصل مع الجمهور في المنطقة.

وتظهر دراسة أكاديمية تناولت صفحة “Israel Speaks Arabic” أن المحتوى استخدم أطر الصراع والمسؤولية والأخلاق لتقديم صورة للكيان الصهيوني باعتباره دولة عقلانية وديمقراطية ومحبة للسلام ومتعاونة مع جيرانها.

تعمل هذه السياسة على صناعة ألفة يومية مع المتلقي العربي، بحيث يظهر الكيان الصهيوني داخل الهاتف باعتباره طرفا عاديا يتحدث لغة المنطقة ويتفاعل مع المناسبات والقضايا الاجتماعية والثقافية، بينما تتراجع صورة الاحتلال والاستيطان والحصار خلف خطاب التكنولوجيا والسياحة والاقتصاد. وتكمن خطورة هذا الأسلوب في أنه لا يطلب من المواطن العربي تغيير موقفه دفعة واحدة، وإنما يحاول نقل الكيان تدريجيا من خانة القوة المحتلة إلى خانة الشريك المحتمل.

ويحذر عبد الحي من هذه النقطة تحديدا، لأن اختراق البيئة النفسية لا يعتمد دائما على خطاب دعائي صريح، وإنما يستطيع أن يبدأ بإعادة تعريف القضايا نفسها، بحيث يصبح الاحتلال ملفا من ملفات المنطقة بدلا من كونه أساس الصراع، وتتحول فلسطين من قضية مركزية إلى موضوع ينافسه عشرات الموضوعات التي تضخها المنصات على مدار الساعة.

استثمار الشقوق العربية

يرى وليد عبد الحي أن واحدة من أخطر أدوات الحرب الرقمية تتمثل في تحديد الشقوق الموجودة داخل المجتمعات العربية، سواء تعلق الأمر بالدين أو المذهب أو القومية أو اللغة أو المنطقة أو الخلاف السياسي، ثم العمل على تضخيمها حتى تتحول من اختلافات طبيعية إلى خصومات تستنزف المجتمع.

وتكمن خطورة هذه الآلية في أن التأثير لا يشترط إقناع الجمهور بتأييد الاحتلال بصورة مباشرة، إذ قد يتحقق الهدف بمجرد دفعه إلى الانشغال بخلافاته الداخلية وتحويل الاختلافات الطبيعية إلى خصومات وصراعات مفتوحة؛ تحويل الجار إلى خصم، والمختلف في المذهب إلى عدو، والخلاف السياسي إلى صراع وجودي.

ويحذر عبد الحي من دفع الجمهور نحو قضايا هامشية أو خلافات قابلة للتضخيم بهدف إزاحة القضايا المركزية، لأن المجتمع الذي يغرق في معارك داخلية يفقد القدرة على ترتيب أولوياته، ويصبح أكثر قابلية لاستقبال الروايات التي تحدد له عدوه وفق مصالح الجهة التي تدير الحملة. ومن هذه الزاوية، فإن الحساب الذي يشعل خلافا مذهبيا أو قوميا قد يخدم أهداف الاحتلال حتى إذا لم يذكر اسم الكيان الصهيوني في أي منشور.

وتكشف تجربة الحملات الرقمية الحديثة أن الحسابات التي تقدم نفسها بهويات محلية تستطيع اكتساب قدر من الثقة أكبر من الحسابات التي تعلن انتماءها السياسي بوضوح، لأن المستخدم يتعامل مع الشخصية الرقمية باعتبارها فردا من بيئته. وهنا تصبح اللهجة والصورة والاسم والمعلومات المحلية أدوات للتمويه، ويصبح من الصعب على المستخدم العادي اكتشاف الجهة التي تقف خلف الحساب.

الحسابات الوهمية.. حين تتخفى الدعاية خلف هوية عربية

تقدم قضية “Archimedes Group” مثالا موثقا على قدرة شركة إسرائيلية على إدارة شبكة من الحسابات والصفحات ذات الهويات المصطنعة. ففي عام 2019 أعلنت شركة “فيسبوك” إزالة 265 حسابا وصفحة ومجموعة وفعالية بسبب ما وصفته بـ”السلوك الزائف المنسق”، وقالت إن النشاط انطلق من “إسرائيل” واستهدف دولا إفريقية ومناطق أخرى، وربط التحقيق جزءا من الشبكة بشركة Archimedes Group الإسرائيلية.

ووفق نتائج التحقيق، استخدم القائمون على الشبكة حسابات مزيفة لإدارة صفحات ونشر محتوى ورفع التفاعل بصورة مصطنعة، وقدم بعضهم نفسه باعتباره من السكان المحليين أو مؤسسات إعلامية محلية، بينما وصل عدد المتابعين للصفحات المرتبطة بالشبكة إلى نحو 2.8 مليون حساب.

لا يسمح هذا الملف باتهام كل حساب عربي مجهول بأنه تابع للاحتلال، ولا تبرر الصحافة المهنية مثل هذه القفزة، لكنه يثبت قدرة شركات إسرائيلية على بناء هويات رقمية مصطنعة وإدارة عمليات تأثير خارج الكيان الصهيوني.

وتمنح هذه الحقيقة تحذيرات عبد الحي بشأن الحسابات التي تستخدم أسماء عربية ولهجات محلية وتدفع باتجاه تأجيج الخصومات قيمة إضافية، لأن الخطر لا يكمن في الاسم وحده، وإنما في السلوك المتكرر والهدف الذي يخدمه المحتوى.

ويؤكد تقرير مختبر الطب الشرعي الرقمي التابع للمجلس الأطلسي أن شبكة Archimedes Group استخدمت أصولا رقمية غير حقيقية، وأن طبيعة تكتيكاتها اقتربت من أساليب عمليات المعلومات التي تستخدمها جهات سياسية وحكومية. وتكشف هذه القضية أن سوق التأثير الرقمي تستطيع تحويل الخداع إلى نشاط منظم، بحيث يصبح الجمهور أمام حسابات تبدو مستقلة بينما تعمل في الواقع ضمن شبكة لها أهداف محددة.

البيانات والذكاء الاصطناعي.. الوجه الأكثر تعقيدا

لا تتوقف الحرب الرقمية عند نشر المحتوى، لأن المنصات توفر كميات هائلة من البيانات المتعلقة باهتمامات المستخدمين وتوجهاتهم وأنماط تفاعلهم، ومع أدوات التحليل والذكاء الاصطناعي تستطيع الجهات المنظمة بناء صور أكثر دقة عن الفئات التي تستهدفها. وهنا يلتقي الجانب النفسي بالجانب التقني، لأن معرفة ما يخيف الجمهور وما يغضبه وما يجذبه تتيح صياغة رسائل أكثر قدرة على التأثير.

ويربط عبد الحي بين هذا المسار وبين علم النفس، مشيرا إلى أن دراسة التحيزات المعرفية وطريقة استقبال المعلومات تساعد الجهات التي تدير حملات التأثير على اختيار الإطار الذي تقدم من خلاله الرسالة. وتزداد خطورة هذا الأسلوب حين تتوافر بيانات واسعة عن المستخدمين، لأن الحملة تستطيع تقسيم الجمهور إلى مجموعات صغيرة وتقديم رسائل مختلفة لكل مجموعة بدلا من توجيه خطاب واحد للجميع.

وتضاعف تقنيات الذكاء الاصطناعي قدرة هذه المنظومات على إنتاج الصور والأصوات والنصوص والفيديوهات المصطنعة، وهو ما يفرض على الجمهور مستوى أعلى من الحذر، لأن الشكل المقنع لم يعد دليلا كافيا على صحة المحتوى. وتكمن المشكلة الأكبر حين تستخدم المواد المصطنعة في لحظة أزمة أو حرب، لأن سرعة انتشارها تستطيع أن تسبق عملية التحقق وتؤثر في النقاش قبل ظهور الحقيقة.

من “اختراق الوعي” إلى إعادة تعريف العدو

يشدد وليد عبد الحي على أن أحد الأهداف المركزية التي ينبغي الانتباه إليها يتمثل في إحلال أعداء جدد محل العداء للاحتلال. وهذه النقطة تفسر لماذا تركز عمليات التأثير على الخلافات الموجودة داخل المجتمعات العربية، لأن إضعاف مركزية فلسطين لا يحتاج إلى إعلان التخلي عنها، وإنما يحتاج إلى دفع الجمهور نحو صراعات أخرى تجعل الاحتلال أقل حضورا في ترتيب اهتماماته.

وعندما تتحول الخلافات المذهبية أو القومية أو السياسية إلى صراعات مستمرة داخل الفضاء الرقمي، يصبح المجتمع أكثر انشغالا بذاته وأقل قدرة على التركيز في القضايا التي تجمعه. وفي هذه البيئة تستطيع الدعاية الصهيونية أن تقدم نفسها باعتبارها طرفا بعيدا عن مشكلات المنطقة، رغم أن الاحتلال يمثل أحد أبرز مصادر الصراع وعدم الاستقرار فيها.

وتزداد خطورة هذا المسار حين يرتبط بخطاب التطبيع، لأن المواطن الذي يبتعد تدريجيا عن مركزية القضية الفلسطينية يصبح أكثر استعدادا لتلقي صورة مختلفة عن الكيان الصهيوني، وقد ينتقل الخطاب معه من التكنولوجيا إلى التجارة، ومن التجارة إلى السياحة، ومن السياحة إلى الحديث عن المصالح المشتركة، حتى يصبح وجود الاحتلال في المنطقة أمرا مألوفا في الخطاب اليومي.

غزة.. حين تجتمع القنبلة مع الرواية

تكشف الحروب على غزة الوجه الأكثر قسوة لهذه الاستراتيجية، لأن القوة العسكرية للاحتلال تتزامن مع معركة إعلامية تسعى إلى تحديد تفسير الأحداث ومسؤولياتها، بحيث تظهر الغارات والدمار داخل إطار أمني صهيوني، بينما تتراجع خلف الصورة جذور الصراع المرتبطة بالاحتلال والحصار والاستيطان والتهجير.

وتصبح الصورة هنا سلاحا سياسيا، لأن المشهد الذي يصل إلى الجمهور لا يشرح نفسه، وإنما يحتاج إلى رواية تفسره، والاحتلال يدرك أن من يفرض تفسير الصورة يستطيع التأثير في الموقف منها. ولهذا ترافق العمليات العسكرية حملات إعلامية واسعة تهدف إلى تبريرها وتوجيه النقاش نحو “الأمن” و”التهديد”، بينما يحاول الخطاب الصهيوني إبعاد الاحتلال من موقع السبب وإبقاء المقاومة في موقع الاتهام.

ويرى عبد الحي أن هذا النوع من التأثير يستهدف البيئة التي تحتضن المقاومة، لأن الغاية لا تنحصر في الضغط على المقاتلين، وإنما تشمل المجتمع المحيط بهم، ودفعه إلى الاعتقاد بأن المقاومة لا تنتج سوى الكلفة والدمار. وحين تصل هذه الرسالة إلى المجتمع العربي الأوسع، تتحول الحرب النفسية إلى محاولة لتفكيك التعاطف الشعبي مع القضية الفلسطينية وإقناع الجمهور بأن الصراع عبء ينبغي التخلص منه.

التطبيع يبدأ من الصورة

تريد سلطة الاحتلال أن تنقل الكيان الصهيوني من صورته كقوة احتلال إلى صورة دولة طبيعية في المنطقة، ولذلك يمثل التطبيع الثقافي والإعلامي والرقمي جزءا مهما من المعركة على الوعي. تبدأ العملية من الكلمات والصور والقصص الإنسانية، ثم تدخل مجالات الاقتصاد والتكنولوجيا والسياحة والرياضة والثقافة، حتى يصبح حضور الكيان في حياة الجيل الجديد أكثر اعتيادية.

ولا يحتاج الاحتلال إلى صناعة تأييد عربي شامل حتى يحقق مكاسب سياسية من هذا المسار، لأن إضعاف مركزية فلسطين يمثل هدفا قائما بذاته، وتحويل الاحتلال إلى خلاف آخر ضمن قائمة أزمات المنطقة يخفف الضغط الأخلاقي والسياسي عنه. وكلما انشغل العربي بخلافاته الداخلية، توسعت المساحة التي تستطيع الدعاية الصهيونية التحرك داخلها.

وهنا تبدو ملاحظة وليد عبد الحي بشأن “اختراق البيئة العقلية والنفسية العربية” أكثر اتصالا بالواقع الرقمي، لأن المعركة لا تدور فقط حول إقناع الجمهور بأن الاحتلال جيد، وإنما حول دفعه إلى فقدان الحساسية تجاه وجود الاحتلال أصلا. وهذه عملية أكثر خطورة، لأنها تعمل ببطء وتدخل إلى الوعي عبر التكرار والاعتياد وتغيير اللغة والصورة.

الوعي العربي أمام امتحان جديد

لا تحتاج مواجهة هذه الحرب إلى نظريات مؤامرة ترى عميلا صهيونيا خلف كل حساب مجهول، لأن المبالغة في الاتهام تضعف القدرة على اكتشاف العمليات الحقيقية، وإنما تحتاج إلى إعلام مهني وتحقق رقمي وحماية للبيانات وفهم لأساليب التضليل وقدرة على التمييز بين الخلاف الطبيعي والحملة المنظمة التي تستثمر الخلاف وتدفعه نحو الانفجار.

وتؤكد تجربة Archimedes Group، التي وثقتها شركة “فيسبوك” نفسها، أن عمليات الخداع الرقمي المرتبطة بجهات إسرائيلية ليست فكرة افتراضية، وإنما ظاهرة سبق للمنصات الرقمية أن رصدتها واتخذت إجراءات ضدها. وفي الوقت نفسه، تفرض المهنية التمييز بين الوقائع الموثقة وبين الادعاءات التي تحتاج إلى أدلة، لأن كشف التضليل يحتاج إلى دقة لا تقل عن دقة الجهات التي تصنعه.

ويعود تحذير وليد عبد الحي في هذا السياق إلى جوهر القضية: لا ينبغي للمستخدم أن ينخدع بالاسم العربي أو اللهجة المحلية أو الصورة التي توحي بأن صاحب الحساب ينتمي إلى بيئته، ولا ينبغي له في المقابل أن يتهم الآخرين بلا دليل، وإنما عليه أن يفحص نمط المحتوى والرسائل التي يكررها الحساب والموضوعات التي يدفع النقاش نحوها والجهات التي يستفيد منها هذا الخطاب.

المعركة التي يخوضها الاحتلال على الوعي العربي لا تقل خطورة عن معركته على الأرض، لأن الهدف النهائي يتمثل في جعل الاحتلال مألوفا، والمقاومة عبثا، والانقسام العربي قدرا، والتفوق الصهيوني حقيقة لا تقبل النقاش، وهو ما يجعل مواجهة الدعاية جزءا من مواجهة الاحتلال نفسه. فالكيان الصهيوني يستطيع امتلاك أحدث المنصات وأدوات التحليل والخبرات الإعلامية، لكنه يحتاج في النهاية إلى متلق يسمح له بإعادة ترتيب ذاكرته وقضاياه.

ولهذا فإن حماية الوعي العربي لا تعني الانغلاق عن العالم الرقمي، وإنما تعني امتلاك القدرة على فهمه وكشف أساليب التلاعب داخله والحفاظ على ترتيب القضايا وفق حقيقتها، وفي مقدمتها فلسطين والقدس وحقوق الشعب الفلسطيني، لأن أخطر ما يريده الاحتلال ليس أن يحبّه العربي، وإنما أن يتوقف العربي عن رؤيته باعتباره احتلالا، وأن يتعامل مع الكيان الصهيوني باعتباره طرفا طبيعيا في المنطقة.

لقد أراد الاحتلال أن يجعل الهزيمة تبدأ داخل العقل قبل أن تصل إلى الميدان، وأن يحول الانقسام العربي إلى واقع دائم، وأن يدفع القضية الفلسطينية من مركز الوعي إلى هامش النقاش، لكن هذه المحاولة تصطدم بقدرة المجتمعات على فهم أدوات الحرب الجديدة وكشف الحسابات المنسقة ومواجهة التضليل دون الوقوع في فخه.

ولذلك تصبح المعركة على الذاكرة والرواية والوعي جزءا من الدفاع عن الأرض والحقوق، لأن الاحتلال الذي يسعى إلى السيطرة على الأرض لن يتردد في محاولة السيطرة على روايتها، ومن يرفض احتلال الأرض عليه أن يرفض أيضا احتلال الذاكرة.