تُعرف الشاعرة الفلسطينية "نهى شحادة عودة" في المجتمع الأدبي العربي باسم "ياسمينة عكَّا"، أبصرت النور في مُخيّمات اللاجئين في لبنان ذات يوم مُندسٍّ بين أعوام ثمانينيات القرن الماضي، وتعود أصولها إلى قرية شعب في قضاء عكّا بفلسطين.. هي ناشطة ومناضلة من أجل الحفاظ على الثقافة والذاكرة الفلسطينية وضمان توريثها لأجيال اللاجئين.. نشرت رواية واحدة وعددا من الدواوين الشعرية، وخصّت جريدة "الأيام نيوز" بمجموعة من القصاصات التي أودع فيها الأسرى المُحرّرون الفلسطينيون بعض ذكرياتهم في رحلة العذاب..
تم إخراجنا إلى "البوسطة"، وهناك تم نقلنا من سجن ريمون الصحراوي إلى سجن النقب الصحراوي. طبعا، في سجن النقب الصحراوي، كان يتم تجميع الأسرى الذين سيتم إبعادهم إلى مصر أو إلى غزّة. بالفعل، التقينا بمجموعة من الأسرى المبعدين الذين خرجوا معنا.
وُضعنا في غرف انتظار خارجية، بالطريقة نفسها، مُقيَّدين من الخلف، مع الكثير الكثير من الإهانات والشتائم. لم يتركوا شيئا إلا وفعلوه.
بعد ذلك، تم إدخالنا واحدا تلو الآخر إلى غرفة ضابط الاستخبارات في سجن النقب، قال: "إيه؟ شو اللي صار معكم؟ ليش صار معكم هيك؟ ليش؟ ليش؟"، وكأنهم لا يعلمون ما الذي حدث معنا، رغم أنهم يعلمون أدق التفاصيل.. طبعا هي سياسة مبرمجة، ومُخطّط لها، لكنهم لا يحتملون رؤيتنا ونحن على أبواب الحرية والتحرر من سجونهم المتوحشة.
أحضر الضابط ماكينةَ حلاقة، ثم طلب من أحد الأسرى أن يحلق لنا شعرنا استعدادا للسفر.. وقالوا لنا إن قرارا صدَر ويُلزم بحلاقة شعرنا، وقد نفّذوا القرار ولكن على طريقتهم الخبيثة المؤذية للقيم الإنسانية.
تم تفتيشنا مرة ثانية، وأعطونا ملابس "جديدة"، ليست فعليا جديدة، فاستبدلنا الملابس التي كنا نرتديها بأخرى رائحتها كريهة..
ثم أُدخلنا إلى أقسام جديدة في سجن النقب، لا يوجد فيها أي شيء، على أساس أن نكون بانتظار لحظة الصفقة.
في هذه الأيام الثلاثة، عشنا عذابا ومعاناة وقهرا شديدا جدا جدا جدا.
في اليوم الثاني، تم إخراج الأسرى لمقابلة ضابط من المخابرات العامة الإسرائيلية (الشاباك).
تم إخراجنا الساعة 6 صباحا، ونُقلنا سيرا على الأقدام إلى منطقة بعيدة، ونحن مكبّلون من الأقدام والأيدي، ومعصوبي الأعين، ومحاطون من كل الاتجاهات بالسجّانين. كنا منحني الرؤوس، وغصبا عنا، وليس بإرادتنا.
تم إجلاسنا على الأرض، على الركب، والجبين على الأرض وكأننا في وضعية السجود.
وكانت هذه الجلسة تستمر 10 ساعات، وأحيانا 12، وأحيانا أخرى 8 ساعات، حسب مزاج السجّان.
ضابط "الشاباك" لا يأتي إلا حوالي الساعة 10 صباحا. يتم إدخال الأسرى واحدا تلو الآخر للمقابلة. المقابلة مع ضابط "الشاباك" لها أهداف كثيرة ومتشعّبة.
في حالتي أنا وأفراد مجموعتي، أحضروا لنا ضابط المخابرات العامة نفسه الذي حقق معنا يوم اعتقالنا، قبل 23 سنة!
نعم، الضابط نفسه بعد 23 سنة، وكأنهم يريدون أن يعرفوا: هل تغيرت شخصية كل منّا؟ هل حدثت لنا تحولات فكرية أو إيديولوجية أو عقائدية؟ هل أصبحنا أكثر لينًا أم أكثر صلابة؟ هل تعلمنا؟ هل تثقفنا؟.. كل هذا من خلال الحوار مع ضابط "الشاباك"، حيث يكتبون تقريرا عن شخصية كل أسير، ليفهموا طبيعتها.
النقاش دار حول أحداث 7 أكتوبر، وممّا قالوه لنا:
- "شو استفاد الفلسطينيون؟ أنتو بتعرفو إنو لو ما صارش هيك، كان ممكن تقعدوا كمان 500 سنة في السجن وما تروحوش!".
- "إحنا دولة إسرائيل منقدر نوصلكم بأي وقت. راح نتابعكم بكل خطوة".
كل الأسئلة كانت تهدف إلى أنواع من التهديد والتخويف.
استمرت المقابلة 45 دقيقة. بعد ذلك أُعِدنا إلى الأقسام التي كنا فيها، أيضا بطريقة مذلة ومهينة، كما سبق.
في الليل، تم إخراج الأسرى للتصوير. وطبعا، حفلة التصوير كانت حفلة ثانية! على الأقل، صورونا مئة صورة، من كل الجهات، بكل الأشكال، بكل الطرق، بكل أنواع الكاميرات. أخذوا بصماتنا، و"دي إن إيه"، وكل التفاصيل التي تسهّل عليهم تتبّعنا ومتابعتنا. شيء جنوني، وكأنهم يريدون أن يتأكدوا من هويتنا مليون مرة.

