2025.01.13
الأسير المُحرَّر \ إضاءات

الأسير المُحرَّر "أسامة محمد علي أشقر" (19 والأخيرة)


تُعرف الشاعرة الفلسطينية "نهى شحادة عودة" في المجتمع الأدبي العربي باسم "ياسمينة عكَّا"، أبصرت النور في مُخيّمات اللاجئين في لبنان ذات يوم مُندسٍّ بين أعوام ثمانينيات القرن الماضي، وتعود أصولها إلى قرية شعب في قضاء عكّا بفلسطين.. هي ناشطة ومناضلة من أجل الحفاظ على الثقافة والذاكرة الفلسطينية وضمان توريثها لأجيال اللاجئين.. نشرت رواية واحدة وعددا من الدواوين الشعرية، وخصّت جريدة "الأيام نيوز" بمجموعة من القصاصات التي أودع فيها الأسرى المُحرّرون الفلسطينيون بعض ذكرياتهم في رحلة العذاب..

أضأنا فيما سبق بعض الزوايا التي تؤكد بأن تركيز المسؤولين كان واضحًا على محاولة فهم التغييرات التي طرأت على شخصية الأسير.

وأضيف إلى ما سبق، أننا كنا أحيانًا نجلس لساعات - أحيانًا لأربع ساعات - في الليل لاختيار هذه الإجراءات، والتصوير، وإعادة الفحص والتدقيق. بعد ذلك، يعيدوننا إلى الزنازين، وبقينا يومين كاملين في الانتظار، حتى أبلغونا أن الصفقة باتت جاهزة.

وبالفعل، في يوم السبت، تم إخراجنا من زنازين سجن النقب. ثم خرجنا إلى "البوسطة" التي تنقل الأسرى، وكانت القوات المرافقة لنا كبيرة جدًّا، مدعّمة بعناصر من الشرطة والجيش الإسرائيلي، من جيش الاحتلال وشرطة السجون، وقوات "النحشون".

سلكنا الطريق من سجن النقب باتجاه معبر كرم أبو سالم، حيث كانت المخابرات المصرية في انتظارنا.

نزلنا من الحافلات مباشرة، وسرنا فقط خمسة أو ستة أمتار، ودخلنا خيمة تم فيها فك القيود. ومن هذه الخيمة خرجنا مباشرة إلى باص المخابرات المصرية.

استقبلنا الضباط المصريون بطريقة محترمة ورائعة، وكانت عيونهم تدمع لرؤيتنا. كانت لحظة تاريخية، لحظة شعرنا فيها فعليًا بطعم الحرية.

بعد عقود من الزمن، استنشقنا الهواء النقي لأول مرة، رأينا السماء للمرة الأولى، شعرنا بملمس الأرض ونحن أحرار. كانت مشاعرنا فياضة جدًا جدًا جدًا. تعانقنا طويلًا داخل الباص، بكينا، تأثرنا..

قُمنا بخلع الملابس الإسرائيلية التي طُبعت عليها، تحت علم الكيان ونجمة داوود، وبخط عريض باللغة العربية والعبرية، عبارة تقول: "لن نغفر ولن ننسى"، في إشارة إلى أن تحرّرنا ليس نهائيا بل نحن تحت طائلة التهديد والوعيد الإسرائيلي المستمر. بدّلنا كل شيء: الملابس، والمكان، ودخلنا مرحلة جديدة في حياتنا.. كانت لحظات لا تُنسى.

في تلك اللحظات، تذكّرنا كل شهداء شعبنا، تذكّرنا كل التضحيات، تذكّرنا أهلنا في غزّة الذين دفعوا ثمن حريتنا من دمهم ولحمهم وعظامهم.

غزّة التي لا تزال حتى اليوم تدفع الثمن الأغلى من أجل حريتنا، ومن أجل حرية شعبنا، ومن أجل الأقصى، ومن أجل فلسطين. غزة لها دَينٌ كبير، كبير جدًا، في رقابنا، إلى يوم الدين.

التحية لشعبنا، المجد والخلود لشهدائنا، والحرية لعصر الحرية.