الخميس، 11 يونيو 2026 — 24 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
تقارير

الاغتيالات في غزة.. وجه آخر لسياسة الاحتلال القائمة على الإبادة التدريجية


في سياق تتصاعد فيه السياسات الهمجية التي يعتمدها الاحتلال الصهيوني في قطاع غزة، ولا سيما تلك المرتبطة بعمليات الاغتيال المنظمة التي تستهدف القيادات الميدانية والسياسية، تبرز هذه الممارسات كإحدى أبرز أدوات إدارة الحرب الجارية، بما تحمله من أبعاد تتجاوز الاستهداف العسكري المباشر إلى محاولات التأثير في البنية التنظيمية والاجتماعية داخل القطاع، وإعادة تشكيل موازين القوى على الأرض.

في هذا السياق، أفاد المحلل السياسي الفلسطيني، سعيد محمد أبو رحمة، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، بأن المشهد العسكري يشهد تحوّلا تدريجيا في المقاربة الصهيونية، من التركيز على التدمير الواسع إلى “اصطياد الرؤوس القيادية”، في إطار مرحلة جديدة من إدارة المعركة تقوم على تفكيك البنية القيادية والعملياتية للمقاومة، بالتوازي مع توظيف الاغتيالات كأداة ضغط نفسي وسياسي وإعادة تشكيل للوقائع الميدانية داخل القطاع.

من جانبه، يرى الباحث في الشأن الفلسطيني والصهيوني، مأمون أبو عامر، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن سياسة الاغتيالات التي ينتهجها الاحتلال لا تقتصر على استهداف قيادات حركة حماس بهدف إضعاف بنيتها التنظيمية، بل تمتد لتشمل أبعادا أمنية ونفسية واجتماعية أوسع، تسعى إلى خلق حالة من الفوضى والارتباك داخل قطاع غزة وإضعاف منظومة الأمن الداخلي.

في هذا الصدد، أفاد أبو رحمة بأن المشهد العسكري في قطاع غزة يشهد تحولا تدريجيا في طبيعة المقاربة الصهيونية لإدارة الحرب، إذ لم يعد التركيز مُنصبا فقط على التدمير الواسع للبنية التحتية أو استهداف العناصر الميدانية المتفرقة، بل انتقل بشكل متصاعد نحو محاولة تفكيك ما تبقى من البنية القيادية والهيكل العملياتي لحركة حماس، خصوصا في شمال قطاع غزة.

إعادة إحياء نمط الاغتيالات داخل العمق الحضري

وأوضح المتحدث أن التسريبات الإعلامية المتزامنة التي تتحدث عن استهداف قيادات ميدانية واجتماعات عسكرية بارزة، قبل صدور أي إعلان رسمي من “جيش” الاحتلال، لا يمكن قراءتها بوصفها مجرد تغطية إعلامية مرافقة للعمليات، بل هي جزء من إدارة نفسية وسياسية متكاملة للمعركة، تهدف إلى إبراز استمرار التفوق الاستخباراتي للاحتلال، رغم تعقيدات الميدان وطول أمد الحرب وتغير طبيعة البيئة العملياتية داخل القطاع.

وأشار إلى أن التركيز في الرواية الصهيونية على استهداف اجتماع يضم قيادات عسكرية من مناطق شمال غزة يعكس انتقالا واضحا نحو مرحلة “اصطياد الرؤوس القيادية”، بدل الاكتفاء باستهداف الخلايا الميدانية المعزولة.

واعتبر أن هذا التحول يوحي بإدراك الكيان بأن المعركة لم تعد مرتبطة بالسيطرة الجغرافية المباشرة، بقدر ما أصبحت معركة إعادة تشكيل منظومة القيادة والسيطرة لدى المقاومة، خاصة في المناطق التي شهدت عودة تدريجية للنشاط العسكري بعد الانسحابات الجزئية لـ”جيش” الاحتلال.

وأكد أبو رحمة أن الحديث عن تعليمات صادرة بتوسيع دائرة الاغتيالات ضد ما تبقى من القيادات العسكرية لحماس، يكشف توجها نحو مرحلة “الضغط المركزي”، التي تقوم على استهداف القيادات وشبكات الاتصال وغرف التنسيق، بالتوازي مع استمرار الضغط الإنساني والمعيشي على سكان القطاع.

وأضاف أن هذا الخيار يعكس تقديرا صهيونيا متزايدا مفاده أن الحسم العسكري الشامل أصبح غير واقعي، ما يدفع نحو استراتيجية تقوم على إنهاك البنية القيادية ومنعها من إعادة إنتاج نفسها ميدانيًا وتنظيميًا.

وشدد على أن اختيار مناطق مكتظة داخل مدينة غزة لتنفيذ هذه العمليات يحمل دلالات متعددة، أبرزها إظهار استعداد الاحتلال للعمل داخل أي مساحة جغرافية مهما كانت كثافتها السكانية أو تعقيدها الميداني، إضافة إلى إعادة إحياء نمط الاغتيالات داخل العمق الحضري، بالاعتماد المتزايد على المعلومات الاستخباراتية الدقيقة بدل العمليات البرية الواسعة التي أصبحت أكثر كلفة وتعقيدا على المستويين العسكري والسياسي.

ولفت إلى أن هذه التطورات لا تنفصل عن السياق الإقليمي والدولي الأوسع، في ظل تداول معطيات عن تفاهمات مستقبلية تخص إدارة قطاع غزة وترتيبات ما بعد الحرب، مشيرا إلى أن الاحتلال الصهيوني يُحاول تحسين موقعه التفاوضي عبر تقليص نفوذ القيادات العسكرية للمقاومة، وفرض وقائع أمنية جديدة على أي مرحلة سياسية أو ميدانية مقبلة.

وأضاف محدثنا أن تقييم نتائج هذا النمط من العمليات لا يرتبط فقط بعدد القيادات المستهدفة، بل بمدى قدرة حركة حماس على الحفاظ على تماسك بنيتها القيادية واستمرارية التحكم في الميدان.

وفي ختام حديثه لـ”الأيام نيوز”، أبرز أبو رحمة أن التجارب السابقة أظهرت امتلاك المقاومة لمرونة تنظيمية في إعادة تشكيل هياكلها القيادية، غير أن استمرار الاستهدافات المركزة قد يفرض تحديات متزايدة على مستوى الاتصال والتنسيق وإدارة العمليات في بيئة تتسم بدرجة عالية من التعقيد والضغط المستمر.

محاولة خلق حالة من الفوضى والارتباك داخل قطاع غزة

من جانبه، يرى مأمون أبو عامر، الباحث في الشأن الفلسطيني والصهيوني، أن سياسة الاغتيالات التي ينتهجها الاحتلال الصهيوني في قطاع غزة تأتي ضمن مقاربة مركبة ومعقدة، لا يمكن اختزالها في مجرد استهداف مباشر لقيادات عسكرية أو سياسية داخل حركة حماس، بل تتجاوز ذلك لتشمل أبعادا أمنية ونفسية واجتماعية أوسع داخل المجتمع الغزي.

وأوضح أبو عامر، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن هناك بعدا أول يتمثل في الاستهداف المباشر لقيادات كتائب القسام والقيادات السياسية في حركة حماس، بهدف إضعاف الروح المعنوية وتقويض البنية التنظيمية والقيادية للحركة، عبر ضرب مراكز القرار وإرباك منظومة القيادة والسيطرة.

غير أنه أبرز، في المقابل، أن جزءا من هذه العمليات لا يبدو دائما موجها بدقة نحو أهداف قيادية محددة، بقدر ما يعكس، سياسة تقوم على توسيع دائرة الاستهداف وإيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا تحت ذريعة وجود عناصر من الحركة في بعض المناطق، وهو ما أدى إلى سقوط شهداء من فئات مختلفة، بينهم قيادات ميدانية أو عناصر في مستويات وسطى، وأحيانا مدنيون لا علاقة لهم بالمقاومة.

وأضاف أن هذا النمط من الاستهداف يمتد أيضا ليشمل عناصر الشرطة والأجهزة الأمنية الفلسطينية، بما في ذلك الحواجز والنقاط الأمنية، وهو ما اعتبره مؤشرا على أن الهدف لا يقتصر على تفكيك البنية العسكرية للمقاومة، بل يتعداه إلى خلق حالة من الفوضى والارتباك داخل قطاع غزة، وإضعاف أي منظومة قادرة على ضبط الأمن الداخلي، بما قد يفتح المجال أمام انفلات أمني واسع وانتشار مظاهر الفوضى.

كما شدد على أن هذه السياسات ترتبط كذلك بمحاولة أوسع لإعادة تشكيل الواقع داخل قطاع غزة من خلال الضغط المتواصل على السكان، ليس فقط عسكريا بل أيضا إنسانيا ونفسيا، عبر خلق بيئة غير مستقرة تدفع نحو إنهاك المجتمع الغزي وإضعاف صموده، تمهيدا لفرض وقائع ميدانية جديدة على الأرض، سواء عبر الضغط الإنساني أو عبر خلق ظروف قد تدفع السكان نحو خيارات قسرية مرتبطة بالهجرة أو النزوح في حال فتح المعابر أو توفير منافذ للخروج.

ونوّه محدثنا إلى أن اغتيال شخصيات مثل عز الدين الحداد ومحمد عودة، وغيرهما من قيادات كتائب القسام، خصوصا في مناطق شمال قطاع غزة، يندرج في هذا السياق العام، معتبرا أن الاحتلال يسعى من خلال هذه العمليات إلى توجيه رسائل سياسية وأمنية في آن واحد، سواء للداخل الفلسطيني أو للجبهة الإسرائيلية الداخلية، مفادها تحقيق إنجازات ميدانية ملموسة داخل غزة، واستمرار ملاحقة المسؤولين عن أحداث السابع من أكتوبر.

خِتاماً، أبرز أبو عامر أن هذه العمليات تُستخدم داخل الساحة السياسية الإسرائيلية كأداة لإظهار الحزم العسكري وتسجيل نقاط لصالح الحكومة، وعلى رأسها بنيامين نتنياهو، الذي يسعى إلى تقديم هذه الاغتيالات كإنجازات أمنية وعسكرية أمام الرأي العام الإسرائيلي، بما يعزز موقعه السياسي، حتى وإن كان ذلك يتم، على حساب تصعيد كلفة الدم الفلسطيني وتوسيع رقعة الاستهداف داخل القطاع.

Author سهام سعدية سوماتي
صحفية مهتمة بالشأن السياسي، الاقتصادي، الاجتماعي والدولي