الأربعاء، 07 أكتوبر 2026 — 23 ربيع الثاني 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
اقتصاد

الاقتصاد الأزرق.. من الثروة البحرية إلى صناعة القيمة المضافة

Author
إيمان عبروس 23 يوليو 2026
X Facebook TikTok Instagram

يمثل التوجه نحو الاقتصاد الأزرق في الجزائر محطة مفصلية في مسار تحديث المنظومة الاقتصادية الوطنية وعصرنتها، واعترافا صريحا بالمؤهلات البحرية والجغرافية الهائلة والمقومات الطبيعية الاستثنائية التي تزخر بها بلادنا.

يضع هذا الخيار التنموي الرفيع الجزائر في طليعة الدول المتوسطية والإفريقية المؤهلة لبناء نموذج اقتصادي مرن، مستدام، ومستقل كليا عن تقلبات أسواق المحروقات.

وفي هذا السياق، تكتسب الاستراتيجية الوطنية للاقتصاد الأزرق 2030 أهمية استراتيجية بالغة، كونها تؤسس لمرحلة عملية جديدة قوامها الانتقال الفعلي والميداني من استغلال الموارد البحرية بأساليب كلاسيكية، إلى بناء منظومة بحرية ومائية متكاملة قائمة على الابتكار، والاستثمار، والخدمات اللوجستية، والتكنولوجيا الحيوية. كما ترسم هذه الاستراتيجية خارطة طريق واضحة المعالم تدعم الأمن الغذائي القومي، وتخلق مناصب الشغل الدائمة للنخب والشباب عبر مختلف ولايات الوطن.

وفي هذا الإطار الاستراتيجي الشامل، أكد المستشار الدولي في التنمية الاقتصادية، عبد الرحمان هادف، في تصريح خص به “الأيام نيوز”، أن تحول المجال البحري والمائي إلى واقع تنموي متكامل يعكس الإرادة السياسية الحقيقية والدائمة للدولة في تحقيق التنويع الاقتصادي، مشيراً إلى أن تثمين الثروات الساحلية والقارية وتأطيرها بحوكمة رشيدة هما السبيل المباشر لتعزيز التنافسية وتأمين التنمية الوطنية الشاملة.

البحر.. بوابة التنمية والازدهار العالمي

أوضح المستشار الدولي في التنمية الاقتصادية أن مفهوم الاقتصاد الأزرق تجاوز كليا النظرة التقليدية الضيقة التي كانت تحصره في قطاع الصيد البحري والموانئ، ليتحول اليوم إلى أحد أهم محركات النمو المالي والابتكار على المستوى العالمي.

وأشار هادف إلى أن تقديرات البنك الدولي تؤكد تحقيق الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالبحار والمحيطات قيمة مضافة تفوق 2.5 تريليون دولار سنوياً، وهو ما يضع هذا القطاع في مرتبة متقدمة لو تم تصنيفه كإحدى أكبر القوى الاقتصادية في العالم.

كما تتوقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية “OECD” تضاعف مساهمة الأنشطة البحرية في الناتج العالمي بحلول عام 2030، مدفوعة بالتوسع السريع في النقل البحري، والطاقات البحرية المتجددة، والتكنولوجيا الحيوية، والخدمات اللوجستية المتقدمة.

وأضاف المتحدث أن الجزائر تمتلك شريطا ساحليا يمتد على مسافة تفوق 1600 كيلومتر، وأكثر من أربعين ميناءً تتنوع بين التجارية، وصيد الأسماك، والنزهة، مما يمنحها مقومات طبيعية واستراتيجية تؤهلها لبناء صرح اقتصادي بحري متين.

وأكد أن هذا التحول يتطلب إرساء قواعد حديثة للحوكمة، وتسهيل الإجراءات الإدارية، وتوفير البيئة المالية الملائمة لاستقطاب الاستثمارات النوعية ودعم المؤسسات الناشئة والمبتكرة.

السدود والبحيرات.. رافد جديد للمنظومة الإنتاجية

ويرى هادف أن الثروة الزرقاء في الجزائر تتميز بخصوصية فريدة، إذ تمتد لتشمل تربية المائيات القارية داخل السدود، البحيرات، الخزانات المائية، والأحواض الزراعية المنتشرة في العمق القاري للبلاد، إلى جانب الشريط الساحلي.

وأوضح أن امتلاك الجزائر لشبكة واسعة تضم أكثر من ثمانين سدا ضخما يتيح إمكانية مضاعفة الإنتاج السمكي في الولايات الداخلية والصحراوية، وهو ما ينعكس مباشرة على تعزيز الأمن الغذائي القومي، وتقليص الفوارق التنموية بين ولايات الشمال والجنوب، وتوفير فرص عمل جديدة ومباشرة للشباب في المناطق القارية.

وأكد المصرح أن النجاحات المسجلة في استزراع أسماك المياه العذبة ببعض ولايات الجنوب تثبت النجاعة الاقتصادية لهذا التوجه.

وتفتح هذه الديناميكية آفاقاً واسعة لتطوير الصناعات التحويلية للأغذية والأعلاف، وإنشاء المفرخات المتخصصة، وتطوير الخدمات اللوجستية لنقل وتبريد المنتجات المائية، مما يمتد بأثر الاقتصاد الأزرق ليشمل كامل التراب الوطني.

من وفرة الموارد إلى تعظيم القيمة المضافة

وشدد المستشار الدولي على أن الرهان الحقيقي يكمن في بناء سلاسل قيمة متكاملة تبدأ من الإنتاج وتوفير المدخلات، مروراً بالتصنيع والتجميع والخدمات اللوجستية، وصولاً إلى التصدير نحو الأسواق الإقليمية والدولية، إضافة إلى استغلال وتجميع الموارد البحرية.

وأوضح هادف أن هذا المسار يحتاج إلى إرساء صناعة بحرية حقيقية تعتمد على بناء السفن وصيانتها محلياً، وتحديث الخدمات الرقمية وأنظمة التتبع الذكية للملاحة وصيد الأسماك.

وأكد أن الجزائر تملك كافة المقومات لدراسة واعتماد أدوات تمويل حديثة، وفي مقدمتها “السندات الزرقاء”، وتأسيس مناطق اقتصادية زرقاء مخصصة حول الموانئ الكبرى لرفع التنافسية وتسهيل دخول حركة رؤوس الأموال.

وأضاف أن إشراك الجامعات، الكفاءات الأكاديمية، ومراكز البحث العلمي وتوجيهها نحو الابتكار التكنولوجي البحري يعد الشرط الأساسي لبناء بيئة خصبة تضمن رفع المردودية الإنتاجية وتطابق المنتجات الوطنية مع أعلى المعايير الصحية والبيئية العالمية.

المقدرات البحرية وسلاسل الإمداد.. معادلة السيادة

وأشار المختص في التنمية الاقتصادية إلى أن التحكم في الموانئ والممرات وسلاسل الإمداد البحرية بات يشكل جزءا أصيلا ومحوريا من منظومة السيادة الاقتصادية والأمن القومي الشامل للبلاد، وسط سباق وتنافس جيواقتصادي عالمي محتدم على التحكم في الفضاءات المائية.

وأوضح هادف أن امتلاك أسطول نقل بحري قوي، وموانئ متطورة قادرة على استيعاب أجيال السفن العملاقة، يعد الأداة الحاسمة لتأمين حركة التبادلات التجارية الخارجية، وتقليص الاعتماد على شركات الشحن الأجنبية التي تكبد الخزينة أموالاً طائلة بالعملة الصعبة.

وأضاف أن الرؤية الجزائرية للتحول إلى منصة لوجستية تربط شمال القارة بعمقها الإفريقي عبر الطريق العابر للصحراء والموانئ المحورية، ستضمن للجزائر استعادة دورها الريادي في حوض البحر الأبيض المتوسط، وحماية ثرواتها البحرية البيولوجية والمائية من الاستنزاف، بما يحفظ حقوق الأجيال القادمة.

الشراكات الدولية.. بوابة نقل التكنولوجيا

ودعا المصرح إلى ضرورة تعزيز الشراكات الدولية الاستراتيجية مع المنظمات الدولية والهيئات المتخصصة، مثل منظمة الأغذية والزراعة “الفاو”، ومنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية “اليونيدو”، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، والبنك الدولي، والاتحاد من أجل المتوسط.

وأشار إلى أن برنامج التعاون الشامل القائم بين الجزائر والاتحاد الأوروبي لدعم الاقتصاد الأزرق، بالتنسيق مع وزارة الصيد البحري وتربية المائيات، يمثل نموذجاً فعلياً للشراكات الاستراتيجية الموجهة لدعم الحوكمة البحرية، وتطوير البحث والابتكار، وتمويل المشاريع المتعلقة بالاقتصاد الدائري وحماية البيئة البحرية.

وأكد هادف أن الانخراط في المبادرات الإقليمية، كمبادرة “WestME” للتنمية المستدامة للاقتصاد الأزرق في غرب البحر الأبيض المتوسط، يوفر فرصة حقيقية لنقل التكنولوجيا الحديثة، وتأهيل الموارد البشرية والكوادر الجزائرية، وتوطين التقنيات المتقدمة في إدارة الموانئ وصناعة السفن.

اقتصاد المعرفة.. رهان رؤية 2035

وأوضح هادف أن قطاع الاقتصاد الأزرق يقع في قلب الرؤية الاستراتيجية الشاملة للبلاد “الجزائر 2035 ” ، والتي تستهدف إرساء نموذج اقتصادي جديد يقوم على تنويع مصادر الدخل، وتكريس اقتصاد المعرفة، وتثمين القيمة المضافة لكافة القطاعات الحيوية.

وأضاف أن تحقيق هذه الأهداف السامية يتطلب تنسيقا محكما وتضافرا كاملا للجهود بين مختلف القطاعات الوزارية، والشركاء الاقتصاديين، والمؤسسات البحثية، والقطاع الخاص، لتأطير هذا المجال الواعد وتحويل الفرص المتاحة إلى مشاريع استثمارية قائمة ومدرة للثروة.

وفي ختام تصريحه لـ “الأيام نيوز”، شدد عبد الرحمان هادف على أن الجزائر تمتلك كافة المقومات الجغرافية، البشرية، والإرادة السياسية الحازمة لتحويل واجهاتها البحرية ومواردها المائية الداخلية إلى محرك أساسي للنمو، وقاطرة حقيقية لترسيخ مكانتها كقوة اقتصادية إقليمية تسير بخطى ثابتة نحو المستقبل.

Author إيمان عبروس
أنا إيمان عبروس، صحفية بموقع الأيام نيوز، أهتم بالشأن الاقتصادي والصحي والاجتماعي، خريجة جامعة الجزائر 3، كلية علوم الإعلام والاتصال، تخصص صحافة مكتوبة. بدأت مساري المهني بجريدة الفجر سنة 2014، ثم التحقت بقناة دزاير، حيث عملت بقسم الأخبار والروبورتاجات، مكلفة بالتغطيات الميدانية، قبل أن أنتقل إلى قناة الخبر للعمل في قسم الأخبار والتغطيات. وفي سنة 2016 شغلت منصب معدة ومقدمة برامج بقناة توميديا، ثم التحقت بموقع العصر، حيث عملت في إعداد التقارير والتغطيات الميدانية، وبعدها بجريدة الموعد اليومية، إلى أن التحقت بشبكة الأيام الجزائرية، حيث أواصل تغطية ومعالجة مختلف القضايا الاقتصادية والصحية والاجتماعية.
↑