الانتخابات الرئاسية الليبية.. المسار المحفوف بالعقبات

تطغى الضبابية على المشهد الليبي ونحن على بعد أيام قليلة من موعد إجراء الانتخابات الرئاسية المقررة في 24 كانون الأول/ديسمبر، إذ في مقابل إلحاح المجتمع الدولي على وجوب الالتزام بالتاريخ المقرّر لإجراء “انتخابات حرّة وديمقراطية”، يبقى شبح التأجيل أيضا حاضرا في تحليلات كثير من الذين يستندون إلى وجهات النظر التي ترى أنّ إجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها المحدّد، في ظل حالة اللانضج السياسي والارتباك الأمني الناتج عن حالة الاستقطاب الداخلي، هو ضرب من المغامرة بمستقبل ليبيا غير معلومة العواقب.  

قبل يومين فقط، عاد رئيس الوزراء المؤقت؛ عبد الحميد الدبيبة، إلى المنافسة الانتخابية بعد قبول استئنافه في محكمة طرابلس على الطعون التي قدّمت ضدّ ترشحه. ويثير هذا القرار موجة استهجان بحكم تعارضه مع المادة 12 من قانون الانتخابات التي تنصّ على وجوب استقالة المرشّح للرئاسة من منصبه قبل ثلاثة أشهر من موعد الانتخابات، مادة وُضعت خصّيصا لمنع توظيف الإمكانيات الحكومية والموارد الرسمية للدولة في الدعاية الانتخابية، تحقيقا لمبدأ تكافؤ الفرص بين كل المترشحين. لكن الدبيبة عاد بحكم قضائي دون أن يستقيل، ويجري الحديث عن ممارسته ضغطا على مفوضية الانتخابات كي لا تنشر ملف ترشحه المتضمن وثيقة موقـّعة بخطّ يده تفيد بتوقّفه عن العمل منذ 04 أيلول/سبتمبر الماضي.

الأطراف الداخلية الفاعلة في الأزمة هي نفسها المترشحة اليوم، وهو ما يدفع منطقيا إلى الشكّ في إمكانية قبولهم بنتائج الانتخابات إذا لم تتمخّض بما يسرّهم.

قد يدفع حكم محكمة طرابلس بمحاكم أخرى إلى أن تنحو منحاها مستقبلا، خاصّة في التعاطي مع نتائج الانتخابات، وقد نشهد بسبب هذا الحكم انتصار بعض المحاكم لطرف على حساب طرف آخر لحظة إعلان نتائج الانتخابات استنادا إلى اجتهادات خارج النصّ القانوني، سيناريو يهدد بانقسام سياسي وأمني خطير في دولة هشّة ومأزومة تستعد لإجراء انتخابات في خضم جدل لافت حول قانون الانتخابات الذي أصدره عقيلة صالح بمرسوم من جانب واحد بصفته رئيسا لمجلس النواب قبل أن يستقيل، قانون لا يحظى لا بموافقة البرلمان ولا بموافقة المجلس الأعلى للدولة وينطوي على تعارض مع المبادئ الحاكمة للاتفاق السياسي الليبي لعام 2015.

ونحن أمام هذه التطورات، يجب أن نتساءل حول ما حُقّق فعليا على مستوى الحدّ من بواعث التأزّم والانقسام في ليبيا بما يكفل السير الجيّد للعملية الانتخابية ويضمن تحقيق أهدافها، وعلى رأسها إحلال السلام في ليبيا وضمان ديمومته.

إن أتينا إلى فحص الواقع، سنجد أنّ العداء المتأصّل والعميق بين غرب وشرق ليبيا لم يعالج بعد، ولقد ألقى هذا العداء بظلاله على عملية الترشّح بدليل أنّ الأطراف الداخلية الفاعلة في الأزمة هي نفسها المترشحة اليوم، وهو ما يدفع منطقيا إلى الشكّ في إمكانية قبولهم بنتائج الانتخابات إذا لم تتمخّض بما يسرّهم.

بعض الدول الغربية تطالب القوى الأجنبية وخصوصا الروسية والتركية منها بالخروج من ليبيا، بينما تؤدّي هي دورا مركزيا في إطالة أمد النزاع. فرنسا مثلا، التي تتظاهر بدور وسيط السلام، هي دولة متورّطة في المستنقع الليبي.

حتى تعامل المجتمع الدولي مع الأطراف الداخلية الفاعلة المثيرة للفوضى لا يتسّم بالصرامة الكفيلة بكفّ أيديها عن عرقلة مسار حلّ الأزمة مقابل إلحاحه المتواتر على وجوب التقيّد بموعد الانتخابات المسطّر، مشهد يعيد إلى الأذهان السيناريو الذي عاشته ليبيا عقب انتخابات 2014 في حال خسارة خليفة حفتر وعقيلة صالح. نتذكر كيف وقف الأخيران في وجه الجهود الدولية الرامية إلى إيجاد حلّ للأزمة الليبية طيلة السنوات السابقة، سواء عبر الانقلابات التي قام بها الأوّل ضدّ حكومة الوفاق الوطني، أو رفض الثاني الالتزام بالاتفاق السياسي الليبي لسنة 2015.

في السياق ذاته، تطرح إشكالية عدم تطبيق قرار مجلس الأمن رقم 2571 الداعي إلى الامتثال لاتفاق وقف إطلاق النار في ليبيا وإلى “انسحاب جميع القوات الأجنبية والمرتزقة دون مزيد من التأخير”، إذ ونحن على بعد ثلاثة أسابيع فقط من موعد الرئاسيات، لايزال حوالي 20000 من القوات الأجنبية والمرتزقة يجوبون أراضي ليبيا، لدرجة أنّ رئيس الوزراء المؤقت لا يمكنه السفر من غرب ليبيا إلى شرقها بسبب تمتّع أحد أطراف الأزمة المترشحين بدعم مرتزقة هناك أتوا من بلدان أجنبية عديدة.

نحن إذن أمام فشل للأمم المتحدة في فرض شروطها على الجهات الفاعلة الداخلية والإقليمية التي رحّبت بقراراتها ثم سرعان ما تملّصت منها، لاسيما بعض الدول الغربية التي تطالب القوى الأجنبية وخصوصا الروسية والتركية منها بالخروج من ليبيا، بينما تؤدّي هي دورا مركزيا في إطالة أمد النزاع. فرنسا مثلا، التي تتظاهر بدور وسيط السلام، هي دولة متورّطة في المستنقع الليبي، وبالرغم ممّا تعلنه من دعم للحكومة المؤقّتة وجهود الأمم المتحدة، فإنّ سجلّها حافل بالدعم المالي واللوجيستي وبالأسلحة لحفتر وبالتعاون معه في مجال الاستعلام وتدريب المقاتلين، وهي منحازة إليه إلى غاية اليوم.  

يجب أن نسأل عن جدوى المؤتمرات الدولية حول ليبيا طالما أنّ مخرجاتها -وعلى رأسها مسألة إخراج المرتزقة والقوّات الأجنبية- لا تنفّذ؟

وسط هذه العقبات التي تحف المسار الانتخابي الليبي يجري الحديث عن احتمال تأجيل الرئاسيات، حتى وإن قُرِن ذلك ظاهريا بـ”عدم الانتهاء من مسألة الطعون لأسباب تقنية” مثلما صرّح سامي الشريف؛ مدير المركز الإعلامي لمفوضية الانتخابات الليبية. 

واقعيا، ليس مرجّحا أن يكون قرار التأجيل بيد الليبيين، فالمطّلع على جحم الرهانات الدولية ذات الصلة بالأزمة وحجم النفوذ والضغط (والابتزاز) الذي تتعرض له الأطراف الليبية الداخلية من القوى العالمية يعي جيّدا أن الاتفاق بين الأخيرة هو المتحكّم في القرار وفي مآلات العملية برمّتها. وعليه، ليس ثمّة طرف داخلي؛ كائنا من كان، قادر على تحديد إن كانت الانتخابات الرئاسية ستجري في موعدها أو لا. الليبيون أنفسهم هم أكثر من يدرك هذا الأمر، ولقد صاروا يترقّبون تصريحات ريتشارد نورلاند؛ السفير الأمريكي لدى طرابلس، لقراءة مستقبل العملية. في الوقت ذاته، باتت تصريحات الأخير تميل إلى لغة التهديد لمن “يثيرون العنف أو يمنعون الناس من التصويت”، مع أنّ الواقع يقول بأنّ الولايات المتحدة ليست المتحكّم الوحيد في المشهد الليبي ولا هي في وضع يؤهلها لتحمل نتائج مثل هذه التصريحات التي قد تثير حفيظة خصومها هناك. إذ قد يؤدّي أي تصعيد غير محسوب العواقب من طرف الولايات المتحدة إلى عودة الاقتتال ضمن حرب بالوكالة في سيناريو يشبه ما حدث في سوريا.

أمام مثل هذه المعطيات، تُثار تساؤلات حول تركيز المشاركين في مؤتمر باريس، وقبله في مؤتمر دعم استقرار ليبيا بطرابلس في 21 من تشرين الأول/أكتوبر، على حثّ الليبيين على الالتزام بالجدول الزمني الذي حدّدته الأمم المتحدة في فبراير المنصرم، بينما يتم تجاهل العقبات القانونية والدستورية التي تقف في طريق انتخابات حرّة ونزيهة حقًا! يجب أن نسأل عن جدوى المؤتمرات الدولية حول ليبيا طالما أنّ مخرجاتها -وعلى رأسها مسألة إخراج المرتزقة والقوّات الأجنبية- لا تنفّذ؟

كل الدول المتورطة مع أحد أطراف الأزمة غير مستعدّة فعليّا للتخلي عن أوراق الضغط التي تحوزها على الأرض.

لم ينتج عن أيّ من هذه المؤتمرات إجراءات ملموسة تعطي أملا في انتقال سلس إلى وضع أفضل، ولحدّ الآن، يؤكّد تعامل الدول المعنية بالملف الليبي أنّ المحدّد المحوري لسلوكها هو مصلحتها الاستراتيجية لا مستقبل ليبيا ورفاه شعبها. كما هو الحال بالنسبة لمؤتمر باريس، الذي لم يكن سوى مبادرة سعت فرنسا من خلالها إلى تعويض دور -ألمانيا ميركل- وإلى تأكيد مكانتها كلاعب رئيس في مستقبل ليبيا.

وإذا أخذنا مسألة ترحيل المرتزقة كمعيار للتقييم، سنجد أنّ الدول المشاركة في المؤتمرات الدولية حول ليبيا تعلن دائما استعدادها للامتثال لقرار ترحيل المرتزقة، لكن إجرائيا، لا يزال القرار يراوح مكانه لأنّ كل الدول المتورطة مع أحد أطراف الأزمة غير مستعدّة فعليّا للتخلي عن أوراق الضغط التي تحوزها على الأرض باعتبارها الضامن الوحيد بالنسبة لها للتشويش على الأوضاع غير المواتية لها التي قد تفرزها الانتخابات.

حتى إعادة الدبيبة وسيف الإسلام إلى مضمار المنافسة تحكّم فيها منطق التعامل ذاته، إذ من الواضح أنّ ثمـّة أطرافا إقليمية ودولية ترى في ترك الساحة فارغة لحفتر وعقيلة تعارضا مع مصلحتها، ويبدو أنـّها مارست ضغطا من أجل عودة سيف الإسلام والدبيبة إلى المنافسة، في سلوك يبرهن على أنه في حال تعارض المصلحة الاستراتيجية للقوى الدولية ذات المصلحة في ليبيا مع القانون فسرعان ما تتم التضحية بالأخير في سبيلها.

لقد بات واضحا أننا وصلنا إلى مرحلة ترغب فيها القوى الدولية بإجراء انتخابات في ليبيا مهما كان الثمن، إلى درجة أنها صارت تنظر إلى الانتخابات على أنها الحل الدائم والهدف في حدّ ذاته، مع أنها في الأصل وسيلة لتهيئة الظروف الملائمة لتحقيق انتقال سلس ومنظّم نحو وضعية أخرى تتسم بالسلم والاستقرار وتهيئة الظروف لإعادة بناء ليبيا. إنّ هذا الاندفاع الدولي، والأممي كذلك، يشي بأن قوى المنظومة العالمية انتقلت إلى التفكير في مرحلة ما بعد الانتخابات وفق منطق المصالح، فلم يعد مهمّا بالنسبة إليها معالجة الخلافات الليبية-الليبية العميقة، ولا التريـّث ريثما يتّم الوصول إلى صيغة توفيقية للمصالح المتضاربة للأطراف هناك، حتى وإن كان هذا النهج يهدّد بإغراق البلاد والإقليم في جولة أخرى من الفوضى.