الخميس : 06-10-2022

الانعكاسات والتوقعات.. ما الذي يعنيه تحسّن سعر صرف الدينار الجزائري؟

سَجلت أسعار صرف الدينار الجزائري خلال الأسابيع الأخيرة ارتفاعًا محسوسًا مقابل اليورو والدولار، ولم تشهد العملة الرسمية في الجزائر هذا التعافي الذي وُصف بـ “التاريخي” منذ قرابة 10 سنوات وسط توقّعات بقفزة أخرى مطلع 2023.

جاء هذا التحسّن في قيمة الدينار الجزائري بعد مروره بمرحلة صعبة عرفت منحنى تنازليا في سعر صرفه منذ 2014، وهي ذات الفترة التي عرفت انهيار أسعار النفط في الأسواق العالمية في أغسطس/أوت 2014.

وحقّقت العملة الجزائرية قفزة تاريخية، حيث بلغ، الثلاثاء 20 أيلول/سبتمبر، سعر الدولار مقابل الدينار لدى البنك المركزي الجزائري 140.28 دج لسعر البيع و140.26 للشراء، كما بلغ سعر اليورو لدى البنك المركزي في الجزائر 139.91 دينار للشراء، و139.98 دينار جزائري للبيع، وفق بيانات رسمية.

واستنادًا إلى مؤشرات بنك الجزائر، فقد بدأ تحسّن العملة الجزائرية أمام اليورو والدولار منذ السادس من أيلول / سبتمبر الجاري، محققة مكاسب بـ 6 دنانير مقارنة بالأشهر الأولى من هذا العام، في حين حدّد قانون المالية للعام 2022 قيمة الدينار الجزائري أمام الدولار الأميركي بـ 149 دينارا للدولار الواحد.

استمرار تعافي قيمة الدينار الجزائري..

وفي هذا الصدد، قال الخبير الاقتصادي الجزائري عبد الرحمان هادف: “إن تعافي قيمة الدينار الجزائري مقابل سلّة من العملات الأجنبية وعلى رأسها الدولار، يرتبط بعدة أسباب تنقسم إلى عوامل خارجية وأخرى داخلية”.

واسترسل هادف في تصريحه لـ “الأيام نيوز”، قائلاً: “على الصعيد الخارجي شهدت المنظومة الاقتصادية العالمية جملة من التحوّلات، مُتأثرةً بتداعيّات العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا وغيرها من المستجدات، أين سجّلت بعض الاقتصادات التي تعدُّ محركًا هامًا في الاقتصاد العالمي ركودًا غير مسبوق، ما انعكس سلبًا على الحركية الاقتصادية العالمية، وأدّى إلى ضعف وتراجع في سلة العملات الصعبة العالمية والتي تشكّل جزءا أساسيا وهامّا من تعاملات الجزائر في تجارتها الخارجية، وتمثّل فيها العملتان اليورو والدولار الحجم الأكبر”.

وتابع هادف: “زيادةً على ذلك عامل “التضخم” الذي تسبّب في حدوث كساد في البنوك المركزية عبر العالم، على غرار الفدرالي الأمريكي والبنك المركزي الأوروبي، مما أدى أيضًا إلى تراجع في قيمة هذه العملات، التي أصبحت تشهد ضعفًا غي مسبوق في دورتها الاقتصادية”.

أمَّا عن الأسباب الداخلية، قال الخبير في الاقتصاد: “إن الإجراءات التي قامت بها الدولة الجزائرية، ساهمت بشكل مباشر في ارتفاع قيمة الدينار الجزائري، من خلال انتهاج سياسة صارمة نحو التحكم في التجارة الخارجية، وكذا الحرص على مراقبة حركة الأموال، كل هذه المعطيات ساهمت في تحكم أفضل في المالية العمومية في الجزائر، بالموازاة مع ذلك كانت هناك مساعٍ حثيثة في إطار دعم وتنويع صادرات الجزائر خارج المحروقات”.

وتابع: “شكّل ارتفاع أسعار النفط كذلك، عاملاً مهمًا في الرفع من قيمة سعر صرف الدينار الجزائري، حيث ساهمت المداخيل الإضافية للنفط في حدوث فائض في الميزان التجاري، ما جعل الجزائر في أريحية في هذا الخصوص، وكل هذه المؤشرات أدت إلى تحسّن قيمة الدينار”.

وفي حديثه حول ما إذا كان هذا الارتفاع مؤقتًا أو العكس، أوضح هادف: “أن الأمر مرهون بمدى استمرار تحسّن هذه المؤشرات، على غرار تواصل تحسّن بيئة الأعمال الجزائرية، من خلال العمل على خلق ديناميكية اقتصادية في شتى القطاعات الحيوية في البلاد، وليس فقط على مستوى قطاع المحروقات، كما أن الأمر يتوقف كذلك على السياسة النقدية التي ستنتهجها الجزائر خلال الأشهر القادمة، وأيضا من خلال قانون المالية 2023 الذي سيعطي رؤية أكثر وضوحًا ويزيح الضبابية عن وضعية الاقتصاد الجزائري مستقبلا”.

وأضاف: “إن مواصلة الإصلاحات التي باشرتها الحكومة خاصة بعد دخول قانون الاستثمار الجديد حيّز التنفيذ بعد صدور نصوصه التطبيقية، ستؤدي إلى الرفع من وتيرة النشاط الاقتصادي وبعث مشاريع اقتصادية جديدة من خلال الاستثمارات المرتقبة مستقبلا بالجزائر، كل ذلك سيؤدي إلى استمرار تحسّن قيمة الدينار، وفي نفس الوقت سيساهم في تحسين القدرة الشرائية والرفع من المستوى المعيشي للمواطن الجزائري، التي تمثّل أبرز تحديّات الدولة الجزائرية وعلى رأسها الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون”.

هذا ما سيجنيه الاقتصاد الجزائري من هذه التغيرات..

من جانبه، قال الخبير الاقتصادي الجزائري، أبو بكر سلامي: “إن تذبذب سوق الطاقة عالميًا، كان له وقع إيجابي على قيمة الدينار الجزائري، أين ارتفعت أسعار النفط وبالتالي سجلت الجزائر ارتفاعًا محسوسًا في مداخيلها من المحروقات”.

وتابع سلامي في تصريح لـ “الأيام نيوز”: “سجلت الجزائر أيضًا ارتفاعًا في صادراتها خارج المحروقات، حيث ارتفعت إلى نحو 5 مليار دولار خلال 2021، وخلال السنة الجارية تطمح البلاد إلى تحقيق ما قيمته 7 مليار دولار، وعليه لو تم الالتزام برفع هذه القيمة بواحد أو 2 مليار دولار سنويًّا، سيساهم ذلك في تعزيز سعر صرف الدينار الجزائري، دون الحاجة إلى ربط استقراره بعوامل أخرى على غرار آثار الأزمة الاقتصادية العالمية”.

وأضاف: “أصبح من الضروري جدًّا في ظل هذه المعطيات، أن تستغل الجهات الوصيّة مداخيل النفط الإضافية من أجل بناء اقتصاد حقيقي متنوع خارج المحروقات، تكون فيه قيمة الدينار مرتفعة وثابتة ومستمرة”.

وفي حديثه عن مدى تأثير القفزة “التاريخية” التي سجّلها الدينار على الاقتصاد الجزائري، أوضح أبو بكر سلامي: “أن هذا الارتفاع سيساهم في تقليص تداعيات التضخم على الاقتصاد الجزائري، كما سيؤدي ذلك إلى تحسن في القدرة الشرائية، مما سيساهم في تخفيض أسعار واردات الجزائر، سواء كانت على شكل سلع استهلاكية تُباع على حالتها، أو على شكل مواد أولية للشركات ومدخلات لصناعات محلية، وبالتالي انخفاض في تكلفة المنتوج وفي سعره في السوق الجزائرية، وهذه النتائج تعتبر من أولويات أصحاب القرار في البلاد”.

هذا، وتوقّع تقرير لوكالة “فيتش سوليوشنز” الأمريكية (واحدة من بين أقوى ثلاث وكالات تصنيف ائتماني في العالم) صدر قبل أيام، أن يُسجل الدينار الجزائري ارتفاعا جديدا أمام الدولار ليصل إلى 136.30 دينارا مع نهاية العام الحالي، مبررا ذلك “بالتدخل النقدي” من قبل بنك الجزائر.

ورجّحت الوكالة الدولية الاقتصادية، أن تلجأ الحكومة الجزائرية إلى خفض سعر الصرف إلى أقل من 138.84 دينارا للدولار الواحد، ورأى التقرير في السياق ذاته أن لهذه الخطوة المتوقّعة مبررات مرتبطة “بارتفاع احتياطات النقد الأجنبي”، وهو ما يعني قدرة الدينار الجزائري على “صدّ الصدمات التضخمية المعاكسة في المستقبل القريب” التي سجّلها منذ مطلع العام الحالي.

ويرى التقرير أن تعافي الدينار الجزائري، سيُمكِّن من إبطاء معدّلات التضخم من 9.7 إلى 9 بالمائة، حسب توقّعاته السابقة.

وختم التقرير توقّعاته بأن يستمر ارتفاع قيمة الدينار الجزائري خلال 2023، واستند في ذلك إلى “توفّر الإرادة السياسية من طرف السلطات لدعم العملة، والعوامل الاقتصادية الأخرى التي تساعد على دعم الدينار”.

واستندت الوكالة الأمريكية في توقعاتها الجديدة، إلى جملة من التغيرات الاقتصادية التي مرّت بها الجزائر في الآونة الأخيرة، أبرزها بيان الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، الذي تطرّق إلى أهمية إعادة النظر في قيمة العملة الوطنية مقارنة بالعملات الأجنبية، خاصة في ضوء التغييرات التي تقوم بها البنوك المركزية العالمية.

وكان الرئيس الجزائري قد تعهّد، خلال تصريحات لوسائل إعلام محلية، في أغسطس/آب الماضي بـ “دعم حكومي للدينار”، من دون أن يقدّم تفاصيل عن طبيعة الدعم الذي ينوي البنك المركزي تقديمه للعملة المحلية.