2025.12.04
\ حديث الساعة

"الأيام نيوز" تسأل والخبير الاقتصادي قاشي عبد النور يجيب: ماذا يعني ولوج الجزائر مجال تصدير البنزين؟


إيمان عبروس
01 ديسمبر 2025

يشهد قطاع الطاقة في الجزائر تحوّلات تاريخية، بعد أن انتقلت البلاد من استيراد جزء كبير من احتياجاتها من البنزين إلى إنتاجه محليا، مع توجيه الفائض منه للتصدير لأول مرة منذ الاستقلال. وهذه الخطوة الاستراتيجية تأتي في مرحلة اقتصادية دقيقة، لتعكس نجاح جهود إعادة هيكلة منشآت التكرير وتعزيز الصناعات المرتبطة بالمحروقات، مثل إنتاج الزيوت والإطارات المطاطية، إلى جانب تطوير شبكات التوزيع محليا ودوليا.

وخلال اجتماع لمجلس الوزراء ترأسه رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، تم التركيز على وضعية السوق الوطنية للمحروقات والفرص الجديدة التي يفتحها فائض الإنتاج المحلي من البنزين المكرر، والذي أصبح قابلا للتصدير. وأكد الرئيس أن هذا التحول يمثّل خطوة استراتيجية تنهي عقودا من الاعتماد على الاستيراد، وتفتح أمام الجزائر آفاقا اقتصادية واسعة في الأسواق الإقليمية والدولية.

وفي تعليق لـ"الأيام نيوز"، وصف الخبير الاقتصادي قاشي عبد النور دخول الجزائر مجال تصدير البنزين بأنه "تحوّل استراتيجي يعكس انتقال البلاد من اقتصاد يعتمد على المواد الخام إلى اقتصاد قادر على استكمال سلسلة القيمة محليا". وأضاف أن هذه الخطوة "تعكس قدرة الجزائر على التحكم في قطاع التكرير بعد عقود من الاستيراد، وتخفف الضغط على احتياطي النقد الأجنبي، وتخلق مصدرا جديدا للعائدات بالعملة الصعبة، وهي خطوة أولى نحو تعزيز المرونة الاقتصادية وتقليل هشاشة السوق الداخلي أمام تقلبات الأسواق العالمية".

فيما يخص ميزان المدفوعات، أشار عبد النور إلى أن "الأثر سيظهر من خلال تقليص فاتورة الواردات مقابل دخول عائدات تصديرية جديدة، ما يساعد في تحسين الحساب الجاري وتعزيز احتياطي الصرف". كما أن بدء التصدير يعكس وجود فائض في الإنتاج وتحسن كفاءة المصافي، ما يشجع على استثمارات لتوسعة المصافي وتحديث معداتها، وينشط قطاعات لوجستية وخدمات صيانة وهندسة، ويخلق وظائف ويوفر فرص تطوير للخبرات الوطنية. وأكد في الوقت نفسه أن الحفاظ على هذا المكسب يتطلب صيانة مستمرة للمصافي ومتابعة تقلبات الطلب العالمي على البنزين.

استراتيجيات الطاقة بين التكرير والتصدير

في سياق دعم هذه التحولات، أمر الرئيس بتنظيم جلسات وطنية للطاقة والمحروقات تهدف إلى تحديث المعطيات الاقتصادية والفنية للقطاع وتحديد أولويات الإنتاج والتصدير على المدىين القصير والمتوسط، بهدف ضمان فعالية سياسة التوزيع الوطني. ويرى عبد النور أن هذه الجلسات "قادرة على تحويل الإنجازات الحالية إلى سياسات قطاعية مستدامة، شرط أن تنتهي بخطط واضحة وجداول زمنية ومؤشرات أداء قابلة للقياس". وأكد أن أهمية هذه الجلسات تكمن في وضع إطار شامل يربط بين التكرير، الاستهلاك المحلي، التخزين، التصدير، والطاقات المتجددة، وأن توصيات عملية تتحول إلى خطط تنفيذية قادرة على إعادة رسم أولويات الطاقة في الجزائر بما يخدم الاقتصاد والمجتمع.

وتعزيزا للحضور الإقليمي، كلف الرئيس الوزير الأول بفتح محادثات مع الجانب الموريتاني لإطلاق محطات خدمات نفطال داخل الأراضي الموريتانية. ويؤكد عبد النور أن هذه الخطوة "تفتح سوقا إقليمية واعدة وتخلق قنوات تصدير إضافية للمنتجات المكررة، وتدعم التعاون الجزائري–الموريتاني، ما يجعل الجزائر لاعبا محوريا في تأمين الوقود في الساحل". وأضاف أن المكاسب هنا ليست ظرفية، بل تمتد آثارها لسنوات من خلال عائدات التشغيل المباشرة، وخلق الوظائف، وتبادل الخبرات، وتوسيع نشاط الشركات الوطنية، بما يجعل الجزائر فاعلا طاقويا قادرا على التأثير في أسواق الجوار وضبط توازناتها.

وفيما يتعلق بتطوير الصناعات المرتبطة بالمحروقات، شدد الرئيس على مضاعفة الجهود لاستكمال مشروع مصفاة حاسي مسعود، الذي يُرتقب أن يعزز الطاقة التكريرية للبلاد ويزيد من حجم المشتقات الموجهة للتصدير. وأوضح عبد النور أن "إنجاز المصفاة يمثل نقطة تحول حقيقية في منظومة الأمن الطاقوي الوطني، لما سيوفره من رفع ملموس في قدرات التكرير وتقليص شبه كامل للاعتماد على استيراد المشتقات البترولية.

كما أن دخول المصفاة مرحلة الإنتاج سيخلق فائضا إضافيا قابلا للتصدير، ما ينعكس مباشرة على رصيد الجزائر من العملة الصعبة، وعلى المدى المتوسط ستبرز آثار هذا المشروع في تحسين الميزان التجاري الطاقوي، خصوصا إذا تم تحديث وحدات التكرير وملاءمة جودة المشتقات مع المعايير الدولية، ما يعزز القدرة التنافسية للمنتجات الجزائرية ويفتح أسواقا جديدة أمام صادرات الطاقة".

كما منح مجلس الوزراء شركة نفطال الحصرية في استيراد وإنتاج المواد الأولية ومشتقات الزيوت، وهو ما يتيح للدولة ضبط السوق وضمان جودة موحدة للمنتجات من خلال مراقبة صارمة لسلاسل التوريد والمعايير التقنية، مع مراعاة ألا يتحول التمركز إلى احتكار ضار، بل إلى أداة لضبط السوق وتحفيز الابتكار وتحسين الخدمات. وفي هذا السياق، أشار عبد النور إلى أن التحدي الجوهري يكمن في تحقيق التوازن بين التنظيم والفعالية لضمان تطوير المنتج الوطني وفتح المجال للشراكات الصناعية.

الإنتاج المحلي والاستهلاك المنضبط

أما بالنسبة لتطوير صناعة الإطارات في الجزائر، فقد دعا الرئيس إلى الإسراع في هذا المجال، مع تكليف وزارة الصناعة بإعداد دراسة شاملة للسوق واستيراد 500 ألف وحدة مؤقتا لتغطية الحاجة. وأوضح عبد النور أن نجاح هذا التوجه يعتمد على توفير المواد الأولية محليا، ونقل التكنولوجيا الحديثة عبر شراكات صناعية مع علامات عالمية، والالتزام بالمعايير الدولية للجودة والسلامة لضمان القدرة على المنافسة في الأسواق الخارجية. كما يضيف الموقع الجغرافي المتميز للجزائر ميزة لوجستية مهمة تؤهلها لتصبح قاعدة إقليمية لتصدير الإطارات إلى أسواق متعددة وبكلفة تنافسية.

وعلى صعيد إدارة الاستهلاك الداخلي، أشار الرئيس إلى التحضير لإطلاق بطاقات الدفع المسبق للتزود بالبنزين، خصوصا في المناطق الحدودية، لضبط الاستهلاك والحد من التهريب. ويشرح عبد النور أن فعالية هذا النظام تعتمد على تكامل المنظومة الرقمية الوطنية، حيث يسمح ضبط الكميات الموزعة لكل مركبة ومتابعة الاستهلاك في الوقت الحقيقي، ويخلق آلية رقابة شفافة تمنع التلاعب وتساهم في ترشيد الاستهلاك. وأكد أن نجاح النظام يحتاج إلى رقمنة شاملة للسجلات وربطها على المستوى الوطني لضمان دقة المعلومات وسلاسة التشغيل في مختلف الولايات.

وفي ختام التحولات الاقتصادية والطاقوية الحالية، يرى عبد النور أن القرارات الحكومية الأخيرة ترسم مسارا واضحا لاستغلال القدرات الطاقوية الوطنية، وتهدف إلى تقليص التبعية في المشتقات النفطية وتعزيز الأمن الطاقوي. وأضاف أن المعادلة الناجحة تقوم على ركائز أساسية: توسيع الإنتاج ورفع قدرات التكرير من جهة، وتحسين إدارة الاستهلاك الداخلي عبر الرقابة والرقمنة من جهة أخرى، مع موازنة دقيقة بين الجانبين لضمان تحقيق الاكتفاء الوطني في المشتقات الطاقوية خلال السنوات المقبلة. وبذلك، تصبح الجزائر فاعلا طاقويا متكاملا قادرا على التحكم في سلسلة القيمة من الاستخراج إلى التوزيع، وتعزيز موقعها الإقليمي والدولي في قطاع الطاقة.