الخميس، 13 أغسطس 2026 — 27 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

الإيجار بدل التملّك… هل تغيّر مفهوم الاستقرار لدى الجزائريين؟

Author
بثينة صايفي 04 أغسطس 2026
X Facebook TikTok Instagram

لطالما ارتبط امتلاك المسكن في الجزائر بفكرة الاستقرار والأمان الاجتماعي، وظل حلمًا تسعى إليه الأسر باعتباره ضمانًا للمستقبل ورمزًا للنجاح والاستقلال.
غير أن التحولات الاقتصادية وارتفاع أسعار العقارات، إلى جانب تغير أنماط العمل وأولويات الأجيال الجديدة، بدأت تعيد رسم العلاقة بين الجزائريين والسكن، ليتحوّل الإيجار من خيار مؤقت إلى نمط معيشة يفرضه الواقع بالنسبة إلى كثيرين.

السكن لم يعد مجرد مأوى بل انعكاس للتحولات المجتمعية
يرى المختص في علم النفس، الدكتور رائد ناجي، أن السكن في الجزائر لم يعد يقتصر على وظيفته التقليدية باعتباره فضاءً يوفر المأوى والحماية للأسرة، بل أصبح مؤشرا يعكس حجم التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي يشهدها المجتمع، فطريقة اختيار السكن، سواء بالتملك أم الإيجار، لم تعد مجرد قرار شخصي أو مالي، وإنما أصبحت مرتبطة بتغير أنماط العيش، وتبدل الأولويات، والتحولات التي مست نظرة الأفراد إلى مفهوم الاستقرار ومستقبلهم الأسري والمهني.

وأوضح أن امتلاك المنزل ظل لعقود طويلة يمثل أحد أبرز أحلام الأسرة الجزائرية، لما يحمله من دلالات تتجاوز قيمته المادية، إذ ارتبط بالأمان والاستقلال والوجاهة الاجتماعية، كما اعتُبر ضمانا لمستقبل الأبناء ورمزا لنجاح الفرد في تحقيق الاستقرار، ولذلك كان الوصول إلى ملكية السكن يشكل محطة أساسية في مسار بناء الأسرة، بينما كان الإيجار يُنظر إليه باعتباره وضعا مؤقتا يسبق امتلاك المسكن.
غير أن هذا التصور، بحسب رائد ناجي، بدأ يتغير تدريجيا تحت تأثير التحولات التي عرفها المجتمع خلال السنوات الأخيرة، فقد أصبح الإيجار بالنسبة إلى عدد متزايد من الجزائريين خيارا يمتد لسنوات طويلة، وليس مجرد مرحلة عابرة، بل إن بعض الشباب باتوا يتعاملون معه كنمط حياة يتماشى مع ظروفهم الاقتصادية ومتطلبات حياتهم المهنية، في ظل صعوبة الوصول إلى الملكية العقارية.
وأشار إلى أن هذا التحول لا يعكس فقط تغيرا في الخيارات السكنية، وإنما يكشف أيضا عن إعادة تشكيل مفهوم الاستقرار لدى الأفراد، فبعدما كان الاستقرار يقترن بامتلاك منزل، أصبح يرتبط أكثر بالقدرة على توفير حياة كريمة، والاحتفاظ بمرونة تسمح بالتكيف مع التغيرات الاقتصادية والمهنية، ومن هنا يطرح هذا الواقع تساؤلات حول ما إذا كان المجتمع الجزائري يشهد تحولاً ثقافيا حقيقيا في نظرته إلى السكن، أم أن ما يحدث يبقى استجابة فرضتها الضغوط الاقتصادية وارتفاع أسعار العقارات وتراجع القدرة الشرائية، في انتظار تحسن الظروف وعودة حلم التملك إلى الواجهة.

التملك… رمز للأمان في الوعي الجزائري
وأوضح أن امتلاك المسكن ظل لعقود جزءا من الوعي الجمعي للجزائريين، حيث ارتبط بالأمن والاستقلال والاستقرار الأسري، كما اعتُبر إرثا يورّث للأبناء ودليلاً على النجاح الاجتماعي، وفي المقابل، كان المستأجر يُنظر إليه على أنه يعيش وضعا مؤقتا في انتظار امتلاك مسكنه الخاص، غير أن هذا التصور بدأ يتراجع تدريجيا بفعل التحولات الاقتصادية التي جعلت حلم التملك أكثر صعوبة بالنسبة إلى شريحة واسعة من الشباب.
وأشار رائد ناجي إلى أن اتساع الفجوة بين أسعار العقارات ومستويات الدخل أصبح من أبرز أسباب انتشار الإيجار، إذ لم تعد حتى الأسر ذات الدخل المتوسط قادرة على توفير المبالغ اللازمة لاقتناء مسكن أو تحمّل أعباء القروض طويلة الأجل، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، ونتيجة لذلك، تحوّل الإيجار من حل مؤقت إلى استراتيجية اقتصادية تسمح بتخفيف الضغوط المالية وتوزيع الأعباء على المدى الطويل.

الأجيال الجديدة تعيد تعريف الاستقرار
وأكد رائد ناجي أن تفسير هذا التحوّل من زاوية اقتصادية فقط يبقى غير كافٍ، لأن المجتمع يشهد أيضا تغيرات اجتماعية وثقافية عميقة، جعلت الأجيال الجديدة أقل ارتباطا بفكرة الإقامة الدائمة في مكان واحد، وأكثر استعدادا للتنقل وفقا لفرص العمل أو الدراسة أو تحسين مستوى المعيشة، وأصبح السكن بالنسبة إلى كثير من الشباب وسيلة لتحقيق جودة حياة أفضل، وليس هدفا نهائيا في حد ذاته، حتى وإن كان ذلك عبر الإيجار.
وأضاف أن التغيرات التي يعرفها سوق العمل ساهمت بدورها في هذا التحوّل، فانتشار العقود المؤقتة، والعمل الحر، والوظائف المرتبطة بالمشاريع جعل الاستقرار المهني أقل يقينا، وهو ما انعكس على الخيارات السكنية، فالشخص الذي قد يضطر إلى تغيير مقر إقامته بحثا عن فرصة عمل أفضل يجد في الإيجار خيارا أكثر مرونة من شراء مسكن قد يقيده لسنوات طويلة.

الإيجار يوفر المرونة لكنه يحد من الاستقرار النفسي
ورغم المزايا التي يمنحها الإيجار، يرى المختص في علم النفس أنه يحمل في المقابل شعورا دائما بعدم اليقين، لأن المستأجر يبقى مرتبطا بقرارات المالك، سواء تعلق الأمر بزيادة قيمة الإيجار أو إنهاء العقد أو الانتقال إلى مسكن آخر، وقد ينعكس هذا الوضع على الاستقرار النفسي للأسرة، ويؤثر في إحساسها بالانتماء إلى الحي والمجتمع المحلي، كما يقلل من رغبتها في الاستثمار في تحسين المسكن أو بناء علاقات اجتماعية طويلة الأمد.
وأوضح ناجي أن انتشار ثقافة الإيجار يحمل آثارا متناقضة؛ فمن جهة يمنح الأفراد مرونة أكبر في التنقل، ويساعد على تحريك سوق العمل، ويجنبهم تجميد مدخراتهم في العقارات. ومن جهة أخرى، قد يؤدي إلى اتساع الفجوة بين مالكي العقارات وغير المالكين، حيث تتراكم الثروة لدى فئة تمتلك الأصول العقارية، بينما تستهلك فئة أخرى جزءا كبيرا من دخلها في دفع الإيجارات دون تكوين رصيد مالي أو أصل ثابت للمستقبل.

تغيّر الأولويات لدى الشباب
وأشار المختص في علم النفس، الدكتور رائد ناجي، إلى أن التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي يشهدها المجتمع الجزائري انعكست بشكل واضح على أولويات الشباب، حيث لم يعد امتلاك المسكن يحتل المكانة الأولى لدى الجميع كما كان في السابق، فبدلاً من توجيه كل المدخرات نحو شراء منزل أو الالتزام بقرض عقاري يمتد لسنوات طويلة، أصبح عدد متزايد من الشباب يفضل استثمار موارده في مجالات يعتبرها أكثر إلحاحا أو قدرة على تحسين مستقبله المهني والمالي.
وأوضح أن كثيرا من الشباب باتوا يمنحون الأولوية لمواصلة الدراسة، أو اكتساب تكوينات وشهادات إضافية، أو إطلاق مشاريع خاصة، أو تنمية مهاراتهم المهنية، باعتبارها استثمارات قد تفتح أمامهم فرصا أوسع لتحقيق الاستقرار الاقتصادي مستقبلا، ويرى أن هذا التوجه يعكس تغيرا في طريقة التفكير، إذ لم يعد النجاح يقاس فقط بامتلاك منزل، بل أصبح مرتبطا أيضا بالقدرة على بناء مسار مهني ناجح وتحقيق استقلال مالي مستدام.
وأضاف أن هذا التحوّل لا يعني تخلي الشباب عن حلم التملك، وإنما يعبّر عن إعادة ترتيب الأولويات بما يتماشى مع الظروف الاقتصادية الراهنة، فامتلاك السكن ما يزال هدفا قائما لدى الكثيرين، لكنه لم يعد الهدف الأول الذي يجب تحقيقه بأي ثمن، خاصة في ظل ارتفاع أسعار العقارات وتراجع القدرة الشرائية، وهو ما يدفع الشباب إلى تأجيل هذا المشروع إلى حين توفر ظروف مالية أكثر ملاءمة.
وأكد رائد ناجي أن هذه التغيرات تعكس أيضا تحولاً في النظرة إلى مفهوم الاستقرار، إذ أصبح كثير من الشباب يفضلون الاستثمار في رأس المال البشري، من خلال التعليم والخبرة والعمل، باعتبارها عناصر تضمن لهم فرصا أفضل على المدى البعيد، قبل الانتقال إلى مرحلة الاستثمار في العقار، ويرى أن هذا التوازن بين الطموحات المهنية والأهداف الأسرية يمثل سمة بارزة للأجيال الجديدة، التي أصبحت تتعامل مع التملك باعتباره جزءا من مشروع حياة متكامل، وليس شرطا مسبقا لبداية هذا المشروع.

العمران الجديد يعزز ثقافة الإيجار
وأضاف أن التوسع العمراني وظهور أحياء جديدة، إلى جانب انتشار النشاط الاقتصادي في مناطق مختلفة، خلق أنماطا جديدة في الطلب على السكن، حيث أصبحت الأولوية بالنسبة إلى كثير من الموظفين هي القرب من مقر العمل، حتى وإن كان ذلك من خلال استئجار مسكن، بدلاً من شراء منزل بعيد يستهلك وقتا وجهداً كبيرين في التنقل اليومي.
وشدد رائد ناجي على أن استمرار هذا التحوّل يتطلب وجود سوق إيجار منظم وشفاف، يضمن حقوق المالك والمستأجر معا، ويشجع الاستثمار في السكن الموجه للإيجار، وأكد أن الإيجار في العديد من الدول المتقدمة يعد جزءًا طبيعيا من المنظومة السكنية، وليس مؤشرا على الهشاشة أو غياب الاستقرار، بفضل الأطر القانونية التي تنظم العلاقة بين الطرفين.

الاستقرار لم يعد يقاس بامتلاك منزل فقط
واختتم الدكتور رائد ناجي بالتأكيد على أن التحوّلات الراهنة تجمع بين تأثير الأزمة الاقتصادية والتغيّر الثقافي في آن واحد، إذ دفعت الظروف الاقتصادية الشباب إلى الإيجار، بينما ساهم استمرار هذا الواقع في إعادة تشكيل نظرتهم إلى الاستقرار والملكية، ويرى أن الاستقرار في العصر الحالي لم يعد يرتبط فقط بامتلاك منزل، بل أصبح يقوم على منظومة متكاملة تشمل الدخل المستدام، وفرص العمل، وجودة الحياة، والبيئة الاجتماعية الآمنة، مؤكدا أن التحدي الحقيقي يتمثل في توفير سياسات إسكانية واقتصادية تجعل الإيجار والتملك خيارين حرين، لا نتيجة لقيود اقتصادية أو اجتماعية.