الخميس، 13 أغسطس 2026 — 27 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

البتروكيمياء والصناعات التحويلية.. ركيزة النموذج الاقتصادي الجزائري الجديد

Author
إيمان عبروس 18 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تتجه الجزائر، خلال السنوات الأخيرة، نحو ترسيخ نموذج اقتصادي جديد يقوم على تثمين الموارد الوطنية وتوسيع قاعدة الصناعات التحويلية، في إطار رؤية استراتيجية تهدف إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي الشامل وتعزيز التنوع الاستثماري.

وتبرز الصناعة البتروكيمياوية ضمن أهم رهانات القطاعات الصناعية التي تعوّل عليها الدولة، بالنظر إلى ما يوفره من فرص لتحويل النفط والغاز من مواد خام موجهة للتصدير إلى منتجات صناعية ذات قيمة مضافة مرتفعة تضمن ركيزة اقتصادية مستدامة.

وتأتي هذه التوجهات في سياق تعليمات رئيس الجمهورية المتعلقة بتسريع تجسيد المشاريع الاستراتيجية واستغلال الإمكانات الوطنية، خاصة في مجالات الصناعات التحويلية والطاقات المتجددة، بما يسمح ببناء اقتصاد أكثر قدرة على خلق الثروة ومناصب الشغل وتحقيق الاستقرار التنموي على المدى الطويل.

وتمتلك الجزائر مؤهلات كبيرة لإنجاح هذا المسار، بفضل وفرة المقدرات الطاقوية، الموقع الجغرافي الممتاز، والبنية التحتية القوية، وهي عناصر تفتح آفاقاً واسعة لبناء قاعدة إنتاجية متكاملة تضمن تلبية احتياجات السوق المحلية والتوجه صوب التصدير الإقليمي والدولي بمرونة تنافسية عالية وعوائد مالية متزايدة.

الطاقات المتجددة تدعم التحوّل الاقتصادي

أكد الدكتور مفلاح عيسى، الباحث في الطاقات المتجددة، في تصريح خص به “الأيام نيوز”، أن إدماج الطاقات المتجددة ضمن الرؤية الاقتصادية الجديدة يسمح بتحرير كميات معتبرة من الغاز الطبيعي كانت موجهة لإنتاج الكهرباء، وإعادة توجيهها نحو الصناعات التحويلية والبتروكيميائية ذات العائد المالي المرتفع.

وأوضح أن الاعتماد التاريخي على الغاز في توليد الطاقة الكهربائية يجعل من توسيع الاستثمار في المنظومات الشمسية وطاقة الرياح خطوة استراتيجية لضمان استدامة المقدرات الطاقوية والحفاظ على الاحتياطيات الوطنية وتوجيهها نحو الاستخدامات الصناعية المعقدة ذات المردودية الوفيرة.

وأشار إلى أن البرنامج الوطني للطاقات المتجددة سيسمح بترشيد استهلاك الغاز محليا وتوجيهه نحو صناعات تحويلية تحقق عوائد ضخمة للاقتصاد الوطني وتدعم الخزينة العمومية بمليارات الدولارات سنوياً.

وأضاف أن الجزائر تمتلك واحدا من أكبر الاحتياطيات الشمسية عالميا بفضل المساحات الصحراوية الشاسعة ذات الإشعاع الشمسي المرتفع، ما يفتح آفاقا واسعة لتطوير مشاريع الهيدروجين الأخضر كمصدر طاقة مستقبلي يساهم في دعم المنشآت الصناعية الكبرى، وتوطين التكنولوجيات الحديثة والتجهيزات الطاقوية المتطورة بكفاءة وطنية عالية.

الانتقال الطاقوي وتحديات التمويل والتكنولوجيا

وفي حديثه عن متطلبات الانتقال الطاقوي، أوضح الدكتور مفلاح عيسى أن مشاريع الطاقة النظيفة والهيدروجين الأخضر تتطلب رساميل مالية ضخمة وتكنولوجيات دقيقة، ما يضع التمويل ونقل المعرفة في مقدمة الأولويات الراهنة التي تستلزم تطوير المنظومة المصرفية الوطنية واستحداث آليات تمويلية مبتكرة كالقروض الخضراء.

وأشار إلى ضرورة تعزيز القدرات الصناعية المحلية لتصنيع التجهيزات محليا، بالتوازي مع تأهيل الكفاءات البشرية القادرة على مواكبة التحولات التقنية المتسارعة عبر تحديث البرامج التدريبية بالمعاهد والجامعات المتخصصة.

وأضاف أن تحديث شبكات نقل الكهرباء وتطوير البنية التحتية يتصدران شروط نجاح المشاريع الطاقوية الكبرى وربطها بالمناطق الصناعية عبر الوطن، خاصة في الولايات الجنوبية التي تشهد نموا استثماريا متسارعا.

وأكد الباحث أن بلوغ هذه الأهداف يمر عبر تفعيل الاستثمارات المشتركة والشراكات الدولية الفعالة القادرة على جلب الخبرة العالمية ودعم المنظومة الطاقوية الوطنية، ما يساهم في خفض الانبعاثات الكربونية تماشيا مع الالتزامات الدولية والمحافظة على البيئة لضمان مستقبل الأجيال القادمة حقيقة وميدانيا.

الصناعات التحويلية تمنح الاقتصاد دفعا جديدا

من جهته، أفاد الخبير في الطاقة والاقتصاد الدكتور أحمد طرطار بأن الصناعات التحويلية المرتبطة بالمحروقات والمناجم تمثل الدعامة الأساسية لتعزيز مسار التنويع الاقتصادي والانتقال بالبلاد إلى مصاف الاقتصاديات الناشئة.

وأوضح، في حديثه لـ”الأيام نيوز”، أن تحويل النفط والغاز إلى صناعات كيميائية وسيطة ونهائية يضمن عوائد مالية تضاعف قيمتها مقارنة ببيع المواد الخام، ما يحمي الميزان التجاري ويدعم استقلالية القرار الاقتصادي الوطني عبر تنويع مصادر الجباية والابتعاد عن التقلبات المفاجئة لأسواق الخام العالمية.

وأشار إلى أن الصناعات البتروكيميائية تفتح المجال أمام أنشطة إنتاجية متعددة تشمل مجالات التغليف، البلاستيك، الأدوية، مواد البناء، والمنسوجات، ما يتيح للاقتصاد فرصا واسعة للنمو والتوسع وتشكيل سلاسل قيمة محلية مترابطة تضمن استمرارية سلاسل التوريد للمصانع المحلية.

وأضاف أن الدولة تعمل على إرساء قاعدة صناعية متكاملة ترتكز على ربط الموارد الطبيعية بالصناعات التحويلية، بالتكامل مع قطاعات المناجم، الفلاحة، والسياحة، لتنشيط الحركية الاستثمارية وتحقيق إقلاع إنتاجي شامل ومترابط يرفع من قيمة الناتج الداخلي الخام.

توفير مناصب الشغل وتعزيز التواجد الإقليمي

ويرى الدكتور أحمد طرطار أن هذه المشاريع الصناعية الجديدة تساهم بفعالية في امتصاص البطالة عبر استحداث آلاف مناصب الشغل المباشرة داخل المصانع، والوظائف غير المباشرة في قطاعات النقل، الخدمات، والمناولة الصناعية، ما يرفع القدرة الشرائية ويسهم في تنمية المناطق الداخلية، فضلا عن تطوير المهارات والخبرات المهنية لليد العاملة الوطنية وتأهيلها وفق أحدث المعايير الصناعية العالمية المتاحة في السوق الحالية.

وأكد المتحدث أن بناء اقتصاد صناعي متنوع يضمن تعزيز الحضور الجزائري في فضاء القارة الإفريقية، مستفيدا من منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية التي تفتح أسواقا واعدة للمنتجات الجزائرية.

وتوفر البنية التحتية القوية والموانئ المتخصصة ميزة تنافسية لوجستية استثنائية تسهل نفاذ المنتجات الصناعية وتلبية الطلب المتنامي على الأسمدة والمشتقات الكيميائية في الأسواق الإقليمية المجاورة، ما يجعل الجزائر قطبا اقتصاديا محوريا في حوض البحر الأبيض المتوسط والعمق الإفريقي.

إنتاج المواد الأولية محليا يحمي النسيج الصناعي

من جانبه، أكد الخبير الاقتصادي الأستاذ فارس هباش، في تصريح خص به “الأيام نيوز”، أن التوجيهات الرئاسية المتعلقة بإنتاج المواد الأولية الخاصة بالصناعات البلاستيكية محليا تجسد تحولا استراتيجيا نحو بناء صناعة متكاملة، تقوم على التصنيع والإنتاج وعقد الشراكات المثمرة وضخ رساميل جديدة في السوق المحلية. وأوضح أن المقومات اللوجستية المتوفرة وشبكة الموانئ تمنح الاستثمارات البتروكيميائية جدوى اقتصادية عالية وقدرة تنافسية ممتازة في الأسواق الدولية من حيث الجودة والسعر وسرعة التوزيع والتموين بفعالية تامة.

وأشار إلى أن السوق الوطنية تشهد طلبا متناميا على المشتقات التحويلية، ما يجعل تطوير الإنتاج المحلي خطوة حتمية لتحقيق الاكتفاء الذاتي وحماية احتياطيات الصرف الأجنبي للدولة.

وأضاف أن توفير المدخلات الأساسية محليا يضمن تموين المؤسسات الوطنية بأسعار مستقرة وتنافسية، ويحمي النسيج الصناعي من صدمات سلاسل التوريد العالمية، كما يوفر بيئة آمنة تمنح المستثمرين الخواص والشركات الصغيرة وضوحا تاما في الرؤية التشغيلية والمالية على المدى الطويل لتوسيع نشاطاتهم الاستثمارية بيسر.

مشروع البولي بروبيلين بأرزيو قاطرة للتنمية

وأوضح الأستاذ فارس هباش أن مشروع إنتاج البولي بروبيلين بأرزيو يمثل ركيزة جوهرية لبناء القاعدة البتروكيميائية الوطنية، حيث يسهم في توطين التكنولوجيات المعقدة في صناعة البلاستيك والمشتقات الغازية وتأمين احتياجات مئات المصانع الناشطة في مجالات التغليف والنسيج وصناعة السيارات والأجهزة الكهرومنزلية الوطنية المنتشرة عبر ربوع الوطن، منهيا التبعية للشحن الدولي المعقد والمكلف ماليا وعمليا وميدانيا في ظل الظروف الجيوسياسية والاقتصادية الراهنة.

وأضاف أن المشروع ستكون له آثار تنموية ممتدة عبر تحفيز الشباب على تأسيس مؤسسات ناشئة وصغيرة تعتمد على هذه المواد الأولية لإنتاج سلع نهائية ذات جودة عالية، ما يدعم حوكمة القطاع الصناعي ويرفع من مساهمته الفعالة في الاقتصاد الوطني.

وأكد أن قطاع البتروكيمياء يمتلك قدرة فائقة على تحريك شبكة مترابطة من الأنشطة الاقتصادية والخدمية واللوجستية التي تصنع اقتصادا وطنيا قويا، مرنا، ومتكاملا قادرا على مواجهة الصدمات العالمية وتحقيق الازدهار المأمول.

وفي الختام، يجمع الخبراء والمختصون على أن النجاح الفعلي لهذه الرؤية يرتبط بتحقيق التكامل التام والانسجام الحكومي بين قطاع المحروقات، الصناعات التحويلية، والطاقات المتجددة.

وتبرز هذه المحاور الاستراتيجية كقوة دافعة لبناء اقتصاد منتج يرتكز على المعرفة، الابتكار، وتسريع إنجاز المشاريع الاستراتيجية وتطوير الاستثمار، بما يضمن رفاهية المجتمع وتحقيق التنمية المستدامة للأجيال القادمة بامتياز وتفوق كاملين.

Author إيمان عبروس
أنا إيمان عبروس، صحفية بموقع الأيام نيوز، أهتم بالشأن الاقتصادي والصحي والاجتماعي، خريجة جامعة الجزائر 3، كلية علوم الإعلام والاتصال، تخصص صحافة مكتوبة. بدأت مساري المهني بجريدة الفجر سنة 2014، ثم التحقت بقناة دزاير، حيث عملت بقسم الأخبار والروبورتاجات، مكلفة بالتغطيات الميدانية، قبل أن أنتقل إلى قناة الخبر للعمل في قسم الأخبار والتغطيات. وفي سنة 2016 شغلت منصب معدة ومقدمة برامج بقناة توميديا، ثم التحقت بموقع العصر، حيث عملت في إعداد التقارير والتغطيات الميدانية، وبعدها بجريدة الموعد اليومية، إلى أن التحقت بشبكة الأيام الجزائرية، حيث أواصل تغطية ومعالجة مختلف القضايا الاقتصادية والصحية والاجتماعية.