البردوني.. الشاعر اليمني الذي توقّف قلبُه فضجّت المدينة بالقصائد

حبيب وافيت من صنعاء يحملني

نسر وخلف ضلوعي تلهث العرب

ماذا أحدث عن صنعاء يا أبتي

مليحة عاشقاها السل والجرب

في هذه المدينة التي تغنّى بها طيلة حياته – وهو الشاعر الذي انسكب من الغيم قصائد هاطلة وميلاد ضوء في محافظة ذمار المباركة بشعره – لم يحظ شاعرنا بالكثير من المكرمات من قبل صنعاء وجمهور الأدب، بل بقبر بحجم جسده لا ثروته اللغوية ومعارفه الواسعة التي لا حدّ لها ، هنا في مقبرة خزيمة – التي تعبت من أنين الفراق والحزن على الوطن – ينام جسد رائي اليمن وشاعرها المبصر وآخر أنبياء القصائد من العرب قاطبة، بحسب توصيف الدهشة لشعراء كُثر لم تغب عن مخيّلتهم لحظات الدهشة لشاعر ألقى أعظم معجزة أسماها “أبو تمام وعروبة اليوم” في حفل المربد بالموصل فإذا هي تلقف ما يأفكون من الشعر.. إنه رائي اليمن عبد الله البردوني وهذه ذكراه الـ 23 منذ أن أفل من عالمنا وظل أناشيد وطن خالد.

منذ أغسطس/ أوت 1999 تاريخ رحيله وأغسطس هذا العام ذكرى وفاته، الكثير من الأحداث والمتغيّرات على الساحة العربية والوطن الذي كرّس البردوني حياته للدفاع عنه والاستماتة من أجل مناصرة قضايا الحرية والعدالة، وكيف لا وهو الشاعر الاستثنائي المتشرّب من ثدي الكرامة والعزة شربة لا يظمأ بعدها أحد، ولعل أبرز غصّة قد تمر في كل عام هي ذكرى وفاته والوقوف على أطلال المشهد الثقافي المتلاشي برمته بل والمنقلب على عقبيه.

البردوني ضوء لا يأفل

البردوني رسولٌ لا يشبه غيره من الرُسل، إذ بكلماته بلغ مالم يبلغه رسول بعده، كان رائيًا يجوب بقصائده عوالم لم تخطر في قلب بشر، ولم يتكهّن بها عالم مستبصر، البردوني حيّ يرزق، تخلّد بقصائده، ومن وجهة نظري لا يحتاج البردوني إلى إحياء ذكراه، في السلم حاضرا تماما كما هو في الحرب، وفي الحب يتواجد بكثرة على هيئة سوسنة وحيدة بين كومة من الشوك! بهكذا كلمات تحدّث الكاتب اليمني “نجيب التركي” لـ ” الأيام نيوز”.

بينما قالت الروائية ذكريات عقلان لـ “الأيام نيوز”، “مع أن المشهد السياسي لا يشجع المشهد الثقافي بل وفي بعض الأحيان يكون محبطاً له، إلا أنّ الفئة المهتمة تسعى جاهدة إلى خلق وعي ثقافي وأدبي من خلال الفعاليات والإصدارات المتتالية التي تملأ الفجوة الثقافية. وكما أن البعض لا يُنسى مهما ساءت الظروف، فلا تخلو منصة اجتماعية أو وسيلة إعلامية أو تجمّع أدبي من إحياء ذكرى رحيل البردوني، وهذا ما يُحمد عقباه.

وفي محطة من المقارنة ، تقول الإعلامية يرستين النهمي لـ”الأيام نيوز” تحيي الشعوب والأمم ذِكرى مفكّريها وشعرائها وفلاسفتِها بالأكاليل والإحياءِ لموروثاتِهِم، ونحنُ في اليمنِ إذ تمُرّ ذِكرى الشاعر والمُفكِر والفيلسوفُ والأديب عبداللهِ البردوني، ،لا نستذكِرهُ حق ذِكرهِ ،ولا نُقدرهُ حق قدرهِ ،ولا نعطيه حقّ عطائهِ ،ولا نرفعهُ نحو منزلتِه ،حيث تَمّر ذِكرى وفاته في كُلِّ عامٍ ولا أحدًا يذكرها؛ عدا مجموعة صغيرة من المُثقفين ،الذين يحيون هذه الذِكرى بفعاليةٍ صباحية ،يكتفون خلالها بمراجعة بعض نصوصه وقراءتها، يتخللها تداولاتهم لمواقف عاشها البردوني، ولا أشك أن هذه المواقف التي عاشها البردوني أصبحت مُستهلكة؛ كونها تُعاد وتُكرر.

وتضيف يرستين النهمي، يُعاب على هذه الثُلة القليلة التي تُحيي ذِكرى وفاته، الكسل والجمود والتقوقع على نفسِها وفقدانها للجاذبية وانعدام الانفتاح على المكوّنات الشعبية؛ وهذه العيوبُ جزءٌ من كُل، ولها عوائدٌ سلبية كثيرة منها: تغييب الشعر البردونيّ عن الساحة الفكرية والثقافية، في الوقت الذي يُفترض أن تكون هذه الذِكرى مرحلةً استكشافية للجديد وحثّ الشعراء المعاصرين على مُجاراة البردوني في شعرهِ المُتّقِد بِحُب الوطن والمُشتعل نورًا بالقومية العربية، فالكسل الذي يتّصف بهِ القائمون على الفعاليات تجعلها تتقوقع على نفسِها أكثر وأكثر، ولا يحضرها سوى عدد محدود، مما يُغيّب الجماهير ويجعل البردوني وكأنَّهُ شاعرٌ لفئةٍ مُحددة وليس شاعر اليمن الكبير بأكمله.

أتستبدلون الذي هو أدنى..

وأنت تمر بالقرب من بيت الثقافة بصنعاء قد تسمع آية على لسان طفل يرثي المشهد الأدبي والثقافي ويبكي رحيل شاعر الحكمة والبيان وبَانِي قصيدة الوطن “أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير” وكأنه يرمز إلى آخر فعالية أدبية احتضنها بيت الثقافة وحملت اسم البردوني، لكنها أساءت له كثيرا وقسمت المشهد الثقافي وكل فريق بما لديهم متمسّكون.

هنا في صنعاء وتزامنا مع ذكرى رحيل عبدالله البردوني الـ 23،أقامت مؤسسة شعراء على نافذة العالم للثقافة والإبداع، معرض البردوني للكتاب الذي شهد صدور 43 كتابا شعريا وقصصيا لكتّاب من مختلف المشارب والانتماءات، لكن ظهور أحمد عظيمان – الرجل القروي الذي غلب عليه طابع البساطة، ويكاد يجزم في قرارة نفسه أنه شاعر وما هو بشاعر، لولا أن ثمّة دويلات لا تملك إرثا حضاريا قد موّلته وبسطت شهرته شمال البلاد وجنوبها – ظهوره أثار سخطا كبيرا عبر مواقع التواصل الاجتماعي ومحافل الأدباء والمثقفين، الذين وصفوا ذلك بالسذاجة والتعدّي على حرمة البردوني وبيت الثقافة الذي يُعد رمزية أدبية وثقافية في صنعاء.

 وهنا تقول الروائية ذكريات عقلان لـ “الأيام نيوز” واصفة المشهد تحت عنوان “هُوّة الثقافة ما بين البردوني وعظيمان” بالقول من أرض بلقيس نشأ أديب اليمن، لن أقول الأديب الكبير فليست مفردتي من تعطيه مكاناً أو حجماً، بينما يبرز المرء بعمله، أعطى البردوني لما يقارب من خمسة عقود من علمه وأدبه ما أثرى الأدب اليمني وأصبح عمله معلماً لكل طالب أدب.

وتضيف ذكريات عقلان، الوسط الأدبي اليوم يقف حائراً ناظراً لما حدث في فعالية إحياء الذكرى الأخيرة لرحيل البردوني وظهور عظيمان على منصة الفعالية، وهنا لسنا بصدد الاستنقاص من أحد أو التقليل من شأنه فلكلٍ مكانه ومكانته، لكن من أراد أن يتسلّق على سلم مَهيب فليعد العدة اللازمة لذلك.

الصحفي ماجد زايد وفي حديثه لـ”الأيام نيوز” يقول “هناك تَعمُّد للتعامل مع بيت الثقافة بصنعاء كقاعة للفعاليات وللإيجار، وربما هو تَعمُّد لإهانة رمزية المكان المحفور في ذاكرة اليمنيين عن الثقافة والمثقفين، أنا لا أدري حقًا ما مبررات الاستفزاز المتكرر، للرأي العام، ولكن ومن ناحية أخرى، هؤلاء المنظمون الفاسدون يرتكبون خطيئة ستدمر حياة إنسان مسكين في النهاية يسمى (أحمد عظيمان)، لابد لهذا الرجل الساذج أن يكتشف ذات يوم بأنه كان مجرد دمية غرضها الاستمتاع بغبائها وسذاجتها، دمية يسخرون منها ويرفعونها إلى أعلى مستويات التباهي بغرض الاستغلال والرواج، وربما هي نتيجة مُلحة عن نكايتهم بالواقع المنحط الذي يعيشونه، كعاقبة عن سنوات طويلة يعيشونها في ثنايا (الغباء) والفساد، والمحاولات الفاشلة للقفز بأي وسيلة كانت نحو الأضواء.”

ويضيف، “من جانب آخر، يعمل هؤلاء الراكبون الفاسدون لتسخير هذه الحكاية لصالحهم، هم يدركون جيدًا حقيقة الدُّمية المشهورة وسخرية الآلاف منها، تمامًا كحكاية هشام الشويع الذي أصبح في النهاية يقتنع بموهبته الفنية المطلقة، بل وأحقيته في انتزاع وجوده الفني المشهور، هنا يهدف مجموعة الأشخاص الراكبين إلى تحقيق وجودهم أمام جمهور الرجل لينالوا منه شهرتهم أيضًا، الشهرة القادمة من رأس اللعبة المتداولة!

وفي نفس السياق يقول الكاتب نجيب التركي لـ “الأيام نيوز” رأيي بالفعالية والمعرض، كلاهما مرتبطان ببعضهما البعض، المعرض نتيجة طبيعية للفعالية، وقد شاهدنا جميعًا الزخم الذي كان في أول يوم للافتتاح، وفي اليوم الثاني تفاجأت كغيري من الزائرين الذين لم يستطيعوا الحضور في اليوم الأول، أن المعرض مُغلق، وحين سألنا قالوا لنا: المعرض كان مفتوحا إلى غاية الثانية ظهرا، ومن ثم أغلقوه، والسبب الرئيسي في ذلك ندرة الزوار، أو أنهم أدركوا أن الفعالية ليست للبردوني، إنما للمتسلّقين على أكتافه!

من جهته، استنكر الشاعر اليمني فؤاد المحنبي أحد منظمي الفعالية التابعة لمؤسسة شعراء على نافذة العالم عبر حسابه على صفحة الفايسبوك، ساخرا من تهكُّم البعض على المعرض بالقول “يجب أن يكون المنصف نحلة تبحث عن العطر والجمال ولا يكون كذبابة تتحرّى العِلل، فلا يمكن أن تُختزل فرحة 43 شاعرا وشاعرة في خطأ طفيف.. وهو حديث يعده البعض من الصحفيين والأدباء اعترافا صريحا بالخطأ الذي يتوجّب الاعتذار رسميا لكل الوطن لما بدر من استخفاف بقيمة شاعر بحجم البردوني.