الثلاثاء، 09 يونيو 2026 — 22 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

البلاستيك المسترجع.. أكثر من مجرّد مادّة بديلة

Author
صبرينة عيلان 05 أبريل 2026
X Facebook TikTok Instagram

تفرض التحدّيات الاقتصادية والبيئية، واقعا جديدا يجعل من البلاستيك المسترجع، أكثر من مجرّد خيار بيئي، إذ أضحى رافعة اقتصادية واعدة في الجزائر. وفي تصريحات لـ”الأيام نيوز”، أكد الخبير في البيئة والاقتصاد الدائري كريم ومان، أن توطين هذه الصناعة كفيل بتقليص فاتورة الاستيراد، وخلق قيمة مضافة، محليا، فيما أوضح الخبير في التنمية الاقتصادية عبد الرحمان هادف، أن إدماج هذا القطاع ضمن النسيج الصناعي الوطني، من شأنه بناء سلسلة قيمة متكاملة، تعزّز النمو الاقتصادي وتفتح آفاقا واسعة لخلق فرص العمل.

وأكد الخبيران أن البلاستيك المسترجع يمثل مفتاحا لتعزيز السيادة الصناعية وكسر فاتورة الاستيراد في الجزائر، حيث يتحوّل إلى أداة استراتيجية لإعادة تشكيل النموذج الصناعي الوطني، قائمة على مبادئ الاستدامة والكفاءة، وتفتح المجال للتحرر التدريجي من التبعية للأسواق الخارجية.
وفي هذا السياق، أصبح التدوير رهانا اقتصاديا حقيقيا لبناء اقتصاد أكثر استقلالية. فمع الارتفاع المتواصل في فاتورة استيراد المواد البلاستيكية الأولية، يشكل البلاستيك المسترجع بديلا عمليا يتيح استغلال الموارد المحلية وتحويل النفايات إلى مواد أولية ذات قيمة صناعية، ما يعزز الإنتاج الوطني ويقلّص الاعتماد على الخارج.
كما يوفر هذا التوجّه فرصة اقتصادية مزدوجة، تتمثل في تخفيف الضغط على الميزان التجاري عبر تقليص الاستيراد، وخلق قيمة مضافة محلية من خلال تطوير سلسلة متكاملة تشمل جمع النفايات وفرزها ومعالجتها وصولا إلى التصنيع النهائي. غير أن تحقيق هذه الأهداف يعتمد على تطوير البنية التحتية، واعتماد تكنولوجيات حديثة، وتأطير القطاع بإطار قانوني ومعايير جودة واضحة، بما يعزز ثقة الصناعيين ويدعم نمو هذا النشاط الواعد.

التدوير الذكي يعزز الاستقلالية الصناعية وفرص الشغل

أكد كريم ومان، المدير السابق للوكالة الوطنية لتثمين النفايات، أن إدماج البلاستيك المسترجع، مثل rPET وrHDPE، لم يعد مجرد خيار صناعي، بل أضحى “خيارا استراتيجيا وحتمية اقتصادية ملحة”، في ظل الأرقام التي تكشف حجم التبعية، حيث استوردت الجزائر مواد بلاستيكية بقيمة تقارب 2.98 مليار دولار خلال سنة 2025 فقط.

كريم ومان
كريم ومان

وأوضح المتحدث أن هذا التوجه يمثل ركيزة أساسية لتعزيز السيادة الصناعية، من خلال تقليص الاعتماد على المدخلات الخارجية التي تثقل كاهل الميزان التجاري، خاصة وأن أسعار البوليمرات البكر المستوردة تبقى رهينة تقلبات أسعار النفط العالمية. وأضاف أن موقع الجزائر كثالث أكبر مستورد للمواد البلاستيكية الأولية في إفريقيا والشرق الأوسط، بحجم يفوق المليون طن سنويا، يجعل من التدوير المحلي “حاجزا وقائيا” لامتصاص الصدمات السعرية.

وفي هذا السياق، أشار ومان إلى أن القيمة الاقتصادية للنفايات المنزلية القابلة للاسترجاع في الجزائر تُقدّر بنحو 200 مليار دينار سنويا، ما يعكس إمكانات ضخمة غير مستغلة، يمكن أن تساهم بشكل مباشر في تقليص فاتورة الاستيراد وتحقيق قيمة مضافة محلية.

ومن الناحية التقنية، أبرز المتحدث أن إنتاج البلاستيك المعاد تدويره يستهلك طاقة أقل بنسبة تتراوح بين 70 و80 بالمائة مقارنة بالمواد الخام، في وقت لا يتجاوز فيه معدل تدوير النفايات في الجزائر حاليا 10 بالمائة، وهو ما يضعها في المرتبة الثالثة إفريقيا، لكنه يظل دون الإمكانات المتاحة.

واعتبر ومان أن إدماج البلاستيك المسترجع يندرج ضمن تحول أعمق نحو الاقتصاد الدائري، الذي يقوم على الانتقال من النموذج الخطي التقليدي إلى نموذج متكامل يضمن استدامة سلاسل الإمداد للمصانع، خاصة في قطاعات التغليف والزراعة والبناء، ويحوّل النفايات من عبء بيئي إلى مورد اقتصادي منتج داخل التراب الوطني.
وفي رده على سؤال حول جاهزية البنية التحتية، أوضح المتحدث أن الجزائر “تمر بمنعطف حاسم” في اقتصاد تدوير البلاستيك، في ظل إنتاج يفوق 13 مليون طن من النفايات المنزلية سنويا، منها نحو 1.95 مليون طن من البلاستيك. ورغم توفر قاعدة صناعية أولية، إلا أن معدلات الاسترجاع تبقى دون الطموحات، ما يعكس فجوة استثمارية وحاجة ملحة لتحديث التكنولوجيات المعتمدة.

وأضاف أن القدرات الحالية تعتمد بشكل شبه كلي على التدوير الميكانيكي، مثل الفرز اليدوي والطحن والبثق، وهي تقنيات، رغم فعاليتها، تبقى محدودة بسبب تدهور خصائص المادة مع كل دورة تدوير، ما يحصر الإنتاج في مواد ذات قيمة مضافة منخفضة. كما لفت إلى غياب تقنيات متطورة، مثل أنظمة الفرز البصري والتدوير الكيميائي، التي تتيح إنتاج مواد تضاهي البلاستيك البكر من حيث الجودة.

وعلى الصعيد التنظيمي، شدد ومان على أن العقبات التشريعية تمثل”الحلقة الأضعف” في هذا القطاع، بسبب غياب معايير دقيقة للتقييس الصناعي، خاصة فيما يتعلق بالتمييز بين المواد المخصصة للاستخدام الغذائي وغيرها، ما يضعف ثقة الصناعيين ويدفعهم إلى تفضيل الاستيراد لضمان مطابقة المعايير الصحية.

كما أشار إلى غياب نصوص قانونية تُلزم المصنعين بإدماج نسب دنيا من المواد المعاد تدويرها، وهو ما يحدّ من خلق طلب مستقر في السوق. وفي المقابل، دعا إلى تفعيل نظام المسؤولية الممتدة للمنتج، الذي من شأنه إلزام الشركات بتمويل عمليات جمع ومعالجة النفايات، بما يرفع معدلات الاسترجاع إلى مستويات متقدمة.
وفيما يتعلق بجودة الإنتاج، أكد ومان أن الاقتصاد الدائري لا يعني التنازل عن الجودة، بل يتطلب “هندسة عكسية وابتكارا تقنيا”، مشيرا إلى أن دمج نسب مدروسة من البلاستيك المعاد تدويره لا يؤثر سلبا على الخصائص الميكانيكية للمنتج، بل قد يعزز قيمته التسويقية في ظل التوجه العالمي نحو الاستدامة.

وأكد ومان أن الإطار التشريعي الجديد، لاسيما القانون 02-25، يمثل خطوة مهمة نحو تحويل النفايات إلى مورد اقتصادي، غير أن نجاح هذا المسار يظل مرتبطا بتكريس الفرز من المصدر، رقمنة سلاسل الجمع، وتطوير الطلب عبر الصفقات العمومية الخضراء، بما يضمن استقرار السوق وتحفيز الاستثمار.

التدوير يوقف نزيف العملة الصعبة

من جهته أكد عبد الرحمان هادف، الخبير في التنمية الاقتصادية ومستشار دولي في تصريح خص به “الأيام نيوز”، أن إدماج شعبة البلاستيك المسترجع ضمن الصناعات البلاستيكية الوطنية يمثل “تحولا اقتصاديا عميقا” أكثر منه مجرد خيار صناعي أو بيئي، بالنظر إلى انعكاساته المباشرة على الميزان التجاري وهيكلة الاقتصاد الوطني.

عبد الرحمان هادف

وأوضح هادف أن هذا التوجه يندرج ضمن منطق اقتصادي واضح يقوم على تقليص الواردات وتعويضها بمنتج محلي، خاصة في قطاع يستنزف سنويا مليارات الدولارات من العملة الصعبة. وأضاف أن الاعتماد المفرط على المواد البلاستيكية الأولية المستوردة يجعل الصناعة الوطنية رهينة لتقلبات الأسواق العالمية، ما يضعف القدرة التنافسية ويؤثر على استقرار التكاليف.

وأشار المتحدث إلى أن تطوير البلاستيك المسترجع محليا يسمح بخلق “سلسلة قيمة وطنية متكاملة”، تبدأ من جمع النفايات وفرزها، مرورا بعمليات التحويل، وصولا إلى التصنيع النهائي، وهو ما ينعكس إيجابا على النمو الاقتصادي من خلال خلق مناصب شغل مباشرة وغير مباشرة، وتحفيز الاستثمار في الصناعات التحويلية.

وفي تقييمه للبنية التحتية، اعتبر هادف أن الجزائر تمتلك قاعدة أولية يمكن البناء عليها، غير أنها “غير كافية اقتصاديا” لتحقيق قفزة نوعية في هذا المجال. وأوضح أن الإشكال لا يكمن فقط في توفر الإمكانيات، بل في كفاءتها وقدرتها على إنتاج مواد ذات جودة تنافسية تسمح بإحلال حقيقي للواردات. وشدد على أن ضعف التكنولوجيات المستعملة حاليا، واعتمادها أساسا على التدوير الميكانيكي، يحدّ من القيمة المضافة ويُبقي النشاط في مستويات دنيا من الربحية.
كما لفت إلى أن غياب الاستثمار في التكنولوجيات المتقدمة، مثل الفرز الذكي والتدوير الكيميائي، يحرم الاقتصاد الوطني من فرص الولوج إلى أسواق صناعية ذات قيمة عالية، ويُبقي البلاستيك المسترجع في دائرة المنتجات منخفضة الجودة، وهو ما يقلص من مردوديته الاقتصادية.

وعلى الصعيد التنظيمي، أبرز هادف أن التحدي الأكبر يتمثل في “غياب بيئة قانونية محفزة ومستقرة”، مشيرا إلى أن نقص المعايير التقنية الواضحة يخلق حالة من عدم اليقين لدى المستثمرين والصناعيين، ويحدّ من الثقة في المواد المعاد تدويرها. وأضاف أن غياب إلزامية إدماج نسب من البلاستيك المسترجع في الإنتاج الصناعي يضعف الطلب الداخلي، ويجعل السوق رهينة لتقلبات الأسعار العالمية للمواد الأولية.

وفي هذا الإطار، دعا إلى تبني مقاربة اقتصادية شاملة تقوم على تحفيز الطلب عبر أدوات تشريعية، مثل فرض نسب إدماج تدريجية، وتفعيل آليات السوق، وعلى رأسها المسؤولية الممتدة للمنتج، بما يضمن تمويلا دائما لسلسلة التدوير ويخفف العبء عن المالية العمومية.
كما شدد على ضرورة إرساء منظومة تقييس وطنية تتماشى مع المعايير الدولية، بما يسمح برفع جودة المنتج، واستعادة ثقة الصناعيين، وفتح آفاق التصدير، معتبرا أن “التقييس ليس إجراء تقنيا فقط، بل ركيزة اقتصادية لضمان تنافسية المنتج الوطني”.