في إقليم الحوز المغربي، تنهار المنازل الطينية وتتشقّق الطرق، وتفتقد القرى إلى أبسط مقومات الحياة منذ سنوات، ويعيش السكان تحت رهبة دائمة من انهيار ما تبقى من بيوتهم، عاجزين عن الوصول إلى مدارس ومستشفيات وطرقات صالحة، بينما الإعلام يركز على الملاعب المتألقة، وأضواء منافسات بطولة كأس الأمم الإفريقية 2025، لكرة القدم، التي توحي بعالم مزيف من التقدم، ويرتفع التصفيق لإنجازات تبدو بعيدة كل البعد عن واقعهم، فتتحول البهرجة إلى قناع يخفي مأساة شعب يكافح الإهمال والنسيان كل يوم.
زلزال 8 سبتمبر 2023 كان اختبارا قاسيا وكاشفا: لم تكن الكارثة الطبيعية وحدها ما أسفر عن المآسي، بل فضحت الفجوة العميقة بين خطاب "المغرب المتقدم" على الورق والواقع اليومي المؤلم. في حين تتباهى سلطة المخزن بالطرق السريعة والمطارات والملاعب الحديثة، انهارت منازل الطين في القرى، وتعذّر الوصول إلى قرى كاملة بسبب غياب الطرق الصالحة، وتأخرت المساعدات بل إن أغلبها لم يصل، فكانت الخيام البديلة مجرد شعارات فارغة تُخفف من وقع المأساة لكنها لا تمحو الألم.
وحتى تاريخ 7 جانفي 2026، لا تزال تداعيات الزلزال قائمة، وتحولت إلى واقع متفاقم يثبت هشاشة البنية التحتية وعجز التدخلات عن معالجة جذور الأزمة. آلاف الأسر ما تزال تنتظر إعادة الإعمار، والمسالك الطرقية الحيوية لم تُفتح بعد، والمرافق الأساسية من مدارس ومستشفيات غائبة، ما يفاقم شعور السكان بالإقصاء ويطرح سؤال الجاهزية الحقيقية للبنية التحتية خارج المراكز الحضرية.
إذا كان إفريقيا اليوم وكأس العالم في وقت لاحق يتطلبان ملاعب وفنادق وطرقا عصرية، فإن (الدولة) العادلة تتطلب قبل ذلك مساكن آمنة، مدارس ومراكز صحية، وطرقات تصل إلى آخر قرية في الأطلس. والحوز اليوم يطرح سؤالا بسيطا لكنه محرج: هل تُبنى البنية التحتية من أجل تلميع صورة المغرب أمام العالم، أم من أجل المواطن الذي يعيش في قلب الجبال؟
الناشط الحقوقي عبد الحي نجاري يصف المأساة بوضوح: "نحن لا نريد أرقاما ووعودا على الورق! أكثر من 51 ألف منزل أعلن عن إعادة تأهيله بعد زلزال 2023، لكن آلاف الأسر ما تزال تعيش في خيام غير صالحة، بدون طرق أو خدمات أساسية. هذا ليس تقدما، بل تراكم إهمال سنين طويلة!"، وأضاف في تصريح لـ"الأيام نيوز": "الحكومة تتباهى بالبنية التحتية في المدن الكبرى لاستقبال الأحداث الدولية، بينما آلاف المواطنين في الحوز محاصرون ويعانون تدهورا حقيقيا لم نره في أي إحصاء رسمي. الواقع على الأرض مختلف تماما عن الخطاب الإعلامي!"
إعمار متعثر ومعاناة مستمرة
وقد عاد ملف متضرري زلزال الحوز وتارودانت إلى واجهة النقاش العمومي، بعدما كشفت الرياح القوية والأمطار الغزيرة التي عرفتها عدة مناطق بالمغرب هشاشة الخيام والمنازل المتنقلة التي لا يزال مئات المتضررين يقيمون بها منذ أزيد من سنتين على وقوع الفاجعة. المشاهد المتداولة أظهرت خياما تتطاير وأخرى تتعرض للتلف الكلي بفعل قوة الرياح، في مشهد يعكس حجم المعاناة اليومية التي يعيشها المتضررون مع كل تقلب مناخي، ويطرح علامات استفهام كبرى حول مدى نجاعة الحلول المؤقتة التي اعتمدتها السلطات لإيواء السكان المنكوبين، والتي تحولت مع مرور الوقت إلى واقع دائم بدل أن تكون مرحلة انتقالية قصيرة.
مع كل موجة برد أو تساقطات مطرية أو رياح قوية، يعود ملف إعادة إعمار المناطق المتضررة بقوة إلى الواجهة، وسط تساؤلات متزايدة حول فشل الحكومة في التدبير الشامل لهذا الورش، سواء من حيث احترام الآجال المعلنة أو ضمان كرامة المتضررين. ورغم استفادة عدد مهم من الأسر من برامج إعادة البناء، إلا أن شكاوى كثيرة تؤكد أن المنازل المشيدة لا تستجيب لمعايير الجودة المطلوبة، ولا تراعي الخصوصيات الجغرافية والمناخية للمناطق الجبلية.
يصف متضررون هذه المساكن الجديدة بـ"الصناديق الإسمنتية"، مؤكدين أنها تتحول إلى فضاءات شديدة البرودة خلال فصل الشتاء، وإلى أفران خانقة في فصل الصيف، بسبب غياب العزل الحراري وضعف جودة المواد المستعملة، ما يجعلها غير صالحة للعيش الكريم، ويضاعف معاناة الأسر التي فقدت منازلها ومصادر عيشها.
نجاري يؤكد أن الزلزال كشف هشاشة الدولة أكثر من قوة الطبيعة نفسها: "بعض القرى لا يمكن الوصول إليها، المدارس والمراكز الصحية لم تُرمم، والبرامج الحكومية لا تصل إلى الفئات الأكثر هشاشة. هذا ليس إخفاقا مؤقتا، أنه فشل بنيوي في التنمية العادلة!" ويضيف: "إذا كانت البنية التحتية جاهزة أمام العالم، فلماذا لا تكون جاهزة أمام المواطن في قلب الأطلس؟ المواطن ليس رقما في الإحصاءات، إنه إنسان يحتاج إلى سكن آمن، طرق سالكة ومستشفى قريب. كل خطاب رسمي عن التقدم يبدو بعيدا عن معاناتنا اليومية".
كما تتوجه انتقادات لاذعة إلى سلطة المخزن بسبب ما يعتبره متابعون تعثرا واضحا في تنزيل وعود إعادة الإعمار، وغياب مقاربة تشاركية حقيقية تشرك الساكنة المحلية وخبراء البناء الجبلي في صياغة حلول مستدامة. ويطالب نشطاء بفتح تحقيق شفاف حول طرق صرف ميزانيات الإعمار، وضمان محاسبة كل المتورطين في أي اختلالات، مؤكدين أن كرامة المتضررين لا تحتمل مزيدا من التأجيل أو الحلول الترقيعية.
خيام متداعية وديون متصاعدة
في الوقت نفسه، يواجه المغرب تحديا ماليا غير مسبوق. يقول نجاري: "الدين العام قد يصل بنهاية 2025 إلى نحو 130 مليار دولار، منها حوالي 85 مليار دولار كدين خارجي، أي ما يعادل 309 مليارات درهم. هذه الأرقام تعكس زيادة ملحوظة نتيجة الاعتماد المتزايد على الاقتراض الدولي لتغطية العجز وتمويل الاستثمارات العامة، وهو ما يطرح تساؤلات عن جدوى السياسات المالية المتبعة". ويضيف: "يتوهم المسؤولون أن الاقتراض الدولي دليل على القدرة على الاستثمار والتنمية، بينما المواطن المغربي لا يرى انعكاس هذه القوة على حياته اليومية، بل يشعر بثقل الديون في كل مجال: الصحة، التعليم، البنية التحتية".
ويشير نجاري إلى التناقض بين المشاريع الكبرى المعلنة والواقع المعيشي للمواطن: "الدولة تتباهى بالمشاريع الضخمة لاستقطاب الاستثمار والأحداث الدولية، بينما آلاف الأسر في المدن والبوادي تعاني من بنية تحتية متداعية، مدارس ومستشفيات غير مجهزة، وطرق لا تصل إلى القرى النائية. هذا ليس تقدما، بل تضليل للرأي العام وهدر للمال على واجهات إعلامية".
ويحذر: "إذا استمر المغرب في الاعتماد على الاقتراض الخارجي دون إصلاحات مالية حقيقية، ستصبح الديون عبئا ثقيلا على الأجيال القادمة، وستستمر الفوارق الاجتماعية والاقتصادية، وسيظل المواطن في الأطلس والحوز يعاني نقص الخدمات الأساسية، بينما تتبارى المدن الكبرى على استضافة الأحداث الدولية".
من جانبه، يشير الناشط السياسي الريفي الشراك محمد إلى سياسات اقتصادية واجتماعية مجحفة، قائلا: "لم نرَ مثل نظام المغرب وانتقامه من شعبه"، موضحا أن الاقتصاد يعاني من عجز تجاري متزايد، رغم فائض في بعض القطاعات، ما يضاعف الفوارق بين المدن الكبرى والمناطق الريفية. ويضيف: "التركيز على قطاعات محددة مثل الفوسفاط والطيران والسيارات لا يكفي، فالسياسات الحالية تستهدف الربح السريع للنظام على حساب المواطن العادي، وتزيد الفجوة الاجتماعية والاقتصادية".
ويخلص إلى أن المغرب يعيش مفارقة واضحة: بريق المشاريع الكبرى أمام العالم مقابل مأساة المواطن العادي، ما يشكل قنبلة موقوتة تهدد الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي إذا لم يتم التعامل معها بشكل جدي. ويقول: "المواطن المغربي لم يعد قادرا على انتظار حلول ترقيعية، فالنظام مطالب بمراجعة سياساته الجذرية وإعادة توزيع الثروات، وإلا ستستمر الأزمة، وسيظل الشعب الضحية الأولى والأخيرة".

