في ساحة البيت الأبيض، حيث تختلط عدسات المصورين بابتسامات السياسيين، وقف ديكان روميّان مزهوّان أمام جمهور ينتظر لحظة باتت جزءا من الذاكرة الأمريكية: العفو الرئاسي عن الديك الرومي في عيد الشكر. مشهد يقترب من المسرح أكثر من السياسة، يجمع بين الدعابة والبروتوكول، ويحوّل طيرا عاديا إلى بطل موسمي يتابع الأمريكيون قصته كل عام، في احتفال غريب بقدر ما هو راسخ في تاريخ هذا البلد وثقافته.
تشكّل طقس العفو عن الديك الرومي عبر مسار طويل بدأ من أحداث بسيطة تحوّلت مع الزمن إلى تقليد وطني. تعود إحدى أشهر الروايات إلى ستينيات القرن التاسع عشر، حين طلب "تاد"، ابن الرئيس أبراهام لينكولن، من والده إنقاذ ديك رومي كان قد تعلّق به. استجاب لينكولن لرجاء ابنه ومنح الطائر "عفوا غير رسمي"، وهي حادثة لم تكن حينها سوى لحظة إنسانية عابرة، لكنها ستصبح لاحقا شرارة لتقليد رئاسي متكامل.
ومع مرور العقود، ظل الرؤساء يتلقّون ديكا روميا هدية من مربّي الدواجن في كل موسم لعيد الشكر، لكن لم يكن هناك أي طقس واضح للعفو، ولا منحة رسمية تُبقي الديك خارج المائدة. بقي الأمر مجرد صور بروتوكولية متقطعة، إلى أن جاء الرئيس جورج بوش الأب في عام 1989 ليمنح هذا الطقس معناه النهائي. فبعد أن وقف أمام عدسات الكاميرات، أعلن رسميا عفو الدولة عن الديك الرومي المخصّص للمائدة الرئاسية، لينقله من خانة الطعام إلى خانة الرموز السياسية.
ومنذ تلك اللحظة، تحوّل هذا التقليد إلى جزء ثابت من الرزنامة الرئاسية، لا يكتمل عيد الشكر من دونه. ومع كل رئيس جديد، تتوسع دلالاته ويزداد حضوره الإعلامي، حتى باتت الولايات المتحدة تنتظر العفو وكأنه حدث يجمع بين التاريخ والرمزية والمرح. وهكذا، انتقل الديك الرومي من مجرد طبق رئيسي إلى "شخصية موسمية" تعكس جانبا لطيفا من آلية السياسة الأمريكية.
عيد الشكر.. الرحلة الطويلة للديك الرومي إلى مائدة الأمريكيين
لم يكن الديك الرومي جزءا أصيلا من الثقافة الأمريكية منذ البداية، بل وصل إلى مائدة عيد الشكر عبر سلسلة من التحولات التاريخية التي بدأت مع المستوطنين الأوائل. فالروايات التقليدية تشير إلى أن أول احتفال بعيد الشكر عام 1621 لم يتضمّن بالضرورة ديكا روميا، بل مجموعة أطعمة بسيطة جمعت بين ما كان متاحا من صيد وزراعة. لكن وجود الديك الرومي بكثرة في الغابات، وحجمه الكبير القادر على إطعام عائلات كاملة، جعله لاحقا المرشح الأمثل ليصبح رمزا للوليمة الوطنية الأكبر في الولايات المتحدة.
ومع توسع المستوطنات وتزايد السكان، بدأ الديك الرومي يحتل تدريجيا مكانة في المطبخ الأمريكي، قبل أن يتحول في القرن التاسع عشر إلى طبق مركزي في عيد الشكر بفضل كتّاب وأدباء ساهموا في ترسيخ صورته في الوعي العام. وقد لعبت الصحافة دورا بارزا في هذا التحول، إذ كانت تصف الديك الرومي بـ"ملك المائدة"، وتربطه بفكرة الوفرة والخير التي يجسدها العيد. ومع مرور الوقت، أصبح وجوده على الطاولة جزءا من هوية المناسبة نفسها، تماما كما أصبح الاحتفال رمزا للذاكرة الجماعية الأمريكية.
ومع مطلع القرن العشرين، دخلت صناعة تربية الديك الرومي مرحلة احترافية، ما جعل الطائر يتحول إلى عنصر اقتصادي مهم يرتبط بملايين المبيعات سنويا. ومن هنا، ولدت علاقة جديدة بين المستهلكين والمربين من جهة، وبين المراسم الرسمية في البيت الأبيض من جهة أخرى، إذ صار تقديم ديك رومي للرئيس حدثا تتسابق عليه الجمعيات الزراعية. وهكذا، اكتملت رحلة الديك من الغابة إلى المزرعة، ومن المزرعة إلى المائدة، ثم من المائدة إلى منصة العفو الرئاسي التي جعلت منه بطلا موسميا له جمهوره وقصته كل عام.
البيت الأبيض يوم العفو… السياسة تلبس عباءة الطرافة
في يوم العفو، يتغيّر المشهد داخل البيت الأبيض كليا، إذ يختلط الرسمي الصارم بطابع احتفالي خفيف يضفي على السياسة لمسة غير مألوفة. فالساحة التي اعتادت على التصريحات الحادّة والقرارات الثقيلة، تتحول للحظات إلى مسرح صغير يجمع الرئيس والصحفيين وديكين روميّين يتقدمان بخطوات غير مستقرة نحو المنصة. ومع كل ظهور، يقدّم الرئيس نكات خفيفة حول الطقس أو حول الحياة السياسية، في استراحة نادرة من نسق واشنطن المرهق، وكأن هذا العفو هو المحطة السنوية التي تعترف فيها السلطة بحاجة البلاد إلى جرعة مرح مشتركة.
هذا المزيج بين الدعابة والبروتوكول لم يأتِ من فراغ، فقد وجد الرؤساء الأمريكيون في طقس العفو مساحة رمزية يمكن استخدامها لتمرير رسائل ناعمة تتعلق بالوحدة أو التسامح أو حتى اقتصاد البلاد. فبينما يبدو المشهد بسيطا، إلّا أن حضوره أمام عدسات العالم يجعله لحظة إعلامية مهمة، تستغلها الإدارة كل عام لصناعة صورة إنسانية للرئيس، وإظهار جانب أكثر قربا من الجمهور. وبعض الرؤساء تعاملوا مع المناسبة بنكهة سياسية خفيفة، إذ استخدموها للتعليق على الجدل العام أو على الأحداث الساخنة ولكن بأسلوب ساخر يخفف حدّتها.
ومع تطور الإعلام الرقمي، اكتسب هذا الحدث زخما أكبر، فصار العفو مادة مثالية للمقاطع القصيرة والمنشورات الساخرة التي تنتشر في كل المنصات. ومع كل عام، يتحول الفيديو الخاص بالعفو إلى واحد من أكثر المشاهد تداولا في موسم عيد الشكر، ما يعزز مكانته كطقس يجمع بين السياسة والترفيه. وهكذا، أصبح العفو لحظة يتوقف عندها ملايين الأمريكيين بحثا عن شيء واحد قد لا تقدمه السياسة كثيرا: ابتسامة صادقة وسط ضجيج الأخبار اليومية.
"غوبل" و"وادل"… ديكان في مواجهة الكاميرات وحكم الجمهور
قبل أن يصل الديك الرومي إلى منصة العفو، يمرّ برحلة لا تقل إثارة عن الحدث نفسه، تبدأ من لحظة اختياره داخل المزرعة وتنتهي بعرضه أمام الصحفيين في البيت الأبيض. فالديكان اللذان يشاركان في الطقس كل عام لا يُختاران عشوائيا، بل يخضعان لعملية انتقاء دقيقة تأخذ في الحسبان هدوء الطائر ومظهره وسهولة التعامل معه أمام عدسات الكاميرات. ويتم منح كل ديك اسما لافتا يسهل تداوله إعلاميا، كما يحظى الاثنان ببرنامج "إعداد" خاص يشمل تدريبهما على الوقوف أمام الأضواء والتعود على الضجيج، في خطوة تعكس الطابع الاستعراضي لهذا التقليد.
ومع اقتراب موعد عيد الشكر، تبدأ مرحلة الترويج للديكين عبر منصات التواصل الاجتماعي التابعة للبيت الأبيض والجمعيات الزراعية. يتم نشر صور ومقاطع فيديو قصيرة للطائرين، ويُفتح باب التصويت الشعبي الذي يمنح الفائز لقب "الديك الرومي الوطني". لكن الطريف في المسألة أن الفوز لا يعني النجاة وحده، فقد أصبحت الأعراف تقضي بمنح العفو للطائرين معا، حتى لو فاز أحدهما رسميا بالتصويت. وهكذا، يتحول الحدث إلى منافسة رمزية تمنح الجمهور إحساسا بالمشاركة، فيما يستفيد الديك الرومي من اهتمام جماهيري لا يحصل عليه أي حيوان آخر في هذه الفترة من السنة.
وفي لحظة الوصول إلى البيت الأبيض، يختبر الديك الرومي ذروة شهرته، إذ تظهر صوره في الصحف وشاشات التلفزيون، ويتداول الجمهور ردود فعله الطريفة خلال الحفل. وقد شهدت السنوات الماضية مواقف أصبحت جزءا من الذاكرة الجماعية، مثل تردد بعض الديوك في الصعود إلى المنصة أو محاولتها الهروب من المصورين. ومع ذلك، يبقى مشهد "غوبل" و"وادل" هذا العام تجسيدا واضحا للجانب الإنساني والاحتفالي للطقس، الذي يجعل من طائر بسيط مادة قصصية يتكرر الاهتمام بها عاما بعد عام، وكأنه نجم موسمي له جمهوره وحكايته الخاصة.
بعد العفو… أين يذهب الديك الرومي؟
ما إن تنتهي مراسم العفو داخل البيت الأبيض حتى تبدأ رحلة مختلفة تماما للديكين، رحلة يمكن وصفها بـ"الحياة الثانية" بعيدا عن الضغوط والاحتفالات. فبمجرد مغادرتهما الساحة الرئاسية، يتم نقلهما إلى مزرعة أو جامعة زراعية مجهزة لاستقبالهما، حيث يقضيان ما تبقى من عمرهما في بيئة آمنة وهادئة. بعض الجامعات، مثل جامعة فيرجينيا للتقنية أو جامعة آيوا، خصصت مساحات للديك الرومي المعفو عنه، لتصبح هذه المراكز جزءا من القصة السنوية، وتستقبل الزوار والطلاب الراغبين في التعرف على الطيور التي حظيت بالعفو الرئاسي.
وتحظى الديوك المعفو عنها برعاية خاصة تشمل التغذية والعناية البيطرية ومتابعة دقيقة للحالة الصحية، خصوصا أن الطيور المخصّصة للعيد غالبا ما تربى بطريقة تجعل عمرها قصيرا نسبيا. لذلك، تعمد المزارع المستضيفة إلى توفير ظروف حياة أفضل تضمن راحة الطائر ما أمكن. وتحوّلت هذه الأماكن إلى محطات جذب صغيرة، إذ يتابع الجمهور أخبار "حياة ما بعد العفو" عبر مواقع الجامعات ووسائل الإعلام، لتستمر قصة الديك حتى بعد انتهاء الأضواء عنه رسميا.
ومع مرور السنوات، أصبح هذا الجزء من الطقس يحمل بعدا إنسانيا واجتماعيا مهما، إذ يرى البعض في "الحياة الجديدة" للديك رمزية تتجاوز الحيوان نفسه، وتتعلق بفكرة الرحمة والفرص الثانية. كما تغذي وسائل الإعلام والبروتوكول الرئاسي هذه الصورة الناعمة، ليصبح العفو عن الديك قصة كاملة تمتد من المزرعة إلى البيت الأبيض ثم تعود إلى المزرعة، في دورة موسمية تشبه المسرحية الرمزية التي لا ينقطع جمهورها عاما بعد عام.

