السبت، 07 مارس 2026 — 17 رمضان 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اختيارات المحرر

التاريخ يستعيد مكائده الدبلوماسية على حساب طهران.. المصافحة الفخّ

Author
صبرينة عيلان 02 مارس 2026
X Facebook TikTok Instagram

الخدعة التي استخدمها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حين اتخذ من المفاوضات غطاء لتحضير الهجوم على إيران، ليست تكتيكا مُبتكَرا، مرتبطا بشخصية ترامب المزاجية والمتقلّبة، كما قد يبدو، بل هي في الحقيقة امتداد لنمط طويل ومتكرّر في العلاقات الدولية. فقد شهدت المحطات الدبلوماسية عبر التاريخ، حوارات رسمية استخدمها القادة لتحقيق أهداف عسكرية وسياسية ضد خصومهم، قبل اندلاع الحروب. وكشف خبراء ومحللون تحدثوا لـ”الأيام نيوز” عن أهم هذه التجارب، بدءا من اتفاق ميونيخ عام 1938، مرورا بمفاوضات باريس أثناء حرب فيتنام، وصولا إلى اجتياح العراق عام 2003، مؤكدين أن العديد من المسارات التفاوضية، لم تهدف إلى تحقيق تفاهمات حقيقية، بقدر ما سعى القادة من خلالها لشراء الوقت والتحضير للعدوان، كما فعل ترامب – بالتنسيق مع الاحتلال الصهيوني – مع طهران مؤخرا وبأسلوب أكثر مكرا.

 أعادت التصريحات التي أطلقتها المتحدثة باسم الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، بشأن الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران فتح نقاش قديم في العلاقات الدولية حول طبيعة الدبلوماسية وحدودها الحقيقية في زمن الصراعات الكبرى. فبينما يُنظر تقليديا إلى المفاوضات بوصفها أداة لاحتواء الأزمات ومنع الانزلاق نحو الحرب، طرحت موسكو قراءة مختلفة ترى أن المسارات التفاوضية قد تتحول أحيانا إلى جزء من هندسة الصراع نفسه، لا وسيلة لإنهائه.

وفي حديث لقناة “سولوفيوف لايف”، اعتبرت زاخاروفا أن الضربات العسكرية لم تكن نتيجة انهيار مفاجئ للمفاوضات، بل جرى التخطيط لها “تحت غطاء” العملية التفاوضية ذاتها، موضحة أنه “لم يكن هناك أي حديث عن انسحاب إيران من المفاوضات أو أي خطوات منفرة”، وهو ما يعني ـ وفق الرواية الروسية ـ أن العمل العسكري لم يكن رد فعل سياسيا، بل خيارا سبق المسار الدبلوماسي زمنيا. وأضافت أن هذه الأساليب ليست جديدة، بل “تم اختبارها ومستخدمة منذ سنوات”، مستحضرة تجربة اتفاقيات مينسك المرتبطة بالأزمة الأوكرانية.

هذا الطرح لم يبق في إطار التصريح السياسي، بل فتح الباب أمام قراءات تحليلية أعمق حاولت تفسير دلالاته التاريخية والاستراتيجية، خاصة في ظل تزامن الضربات مع استمرار المحادثات النووية التي جرت قبل أيام في جنيف، ما جعل التساؤل يدور حول ما إذا كانت الدبلوماسية لا تزال أداة لتجنب الحرب أم أصبحت إحدى مراحلها.

الدبلوماسية بين فلسفة السلام وواقعية الصراع

في هذا السياق، قدّم الدكتور محمد اليمني، خبير العلاقات الدولية، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، قراءة تاريخية واسعة تربط بين الحدث الراهن وتطور مفهوم التفاوض داخل النظام الدولي. إذ يوضح أن المفاوضات منذ نشأة النظام الدولي الحديث عقب صلح وستفاليا اعتُبرت وسيلة لاحتواء الصراع وتقليص كلفته ومنع تحوله إلى مواجهة شاملة، غير أن التجربة التاريخية كشفت وجها آخر للدبلوماسية، حيث لم تُستخدم دائما لتحقيق السلام بقدر ما استُخدمت أحيانا لإدارة الصراع ذاته. فالتاريخ العملي للعلاقات الدولية، كما يبيّن، يبرهن أن الدبلوماسية لم تكن في كل المراحل جسرا للتسوية، بل تحولت في محطات عديدة إلى أداة تكتيكية تُدار عبرها الحروب قبل اندلاعها فعليا.

محمد اليمني

فبحسب طرحه، لم تُستخدم المفاوضات دائما بوصفها جسرا للسلام، بل تحولت في كثير من اللحظات المفصلية إلى أداة تكتيكية لإدارة الحرب قبل اندلاعها. ومن هنا يكتسب تصريح زاخاروفا أهميته، لأنه ـ وفق التحليل ـ لا يعكس مشهدا سياسيا آنيا بقدر ما يستدعي نمطا تاريخيا متكررا يقوم على استخدام الاتفاقيات كغطاء زمني ونفسي لتنفيذ عمليات عسكرية مخطط لها مسبقا، وهو نمط يرى أنه تكرر عبر قرون من التفاعلات الدولية، بحيث تصبح المفاوضات أحيانا جزءا من الإعداد الاستراتيجي للصراع لا وسيلة لتجنبه.

ويشير اليمني إلى أن الحروب الكبرى في التاريخ الأوروبي نادرا ما اندلعت بشكل مفاجئ؛ إذ سبقها غالبا مسار تفاوضي طويل يحمل في ظاهره لغة التسوية، بينما كان التحضير العسكري يجري في الخلفية. ويبرز اتفاق ميونخ عام 1938، باعتباره مثالا واضحا على ما يسميه “وهم التفاوض”، حيث تعهّد الغرب آنذاك باحتواء ألمانيا النازية مقابل وقف توسعها، غير أن الاتفاق لم يكن سوى مهلة زمنية أعادت خلالها برلين ترتيب قدراتها العسكرية، بينما أُصيب خصومها بالشلل السياسي. وهنا تتجسد الفكرة الأساسية التي يخلص إليها التحليل: التفاوض لا يمنع الحرب إذا تعامل معه أحد الأطراف كوسيلة مؤقتة لا كغاية نهائية.

هذا الاستنتاج لا يبقى محصورا في مرحلة ما قبل الحرب العالمية الثانية، بل يتكرر في سياقات لاحقة، إذ يوضح اليمني أن الحرب الباردة شهدت انتقال هذا الأسلوب من ممارسة ظرفية إلى منهج منظم في إدارة الصراع الدولي. فمفاوضات باريس خلال حرب فيتنام استمرت سنوات بينما العمليات العسكرية الأمريكية تتواصل بوتيرة مرتفعة، ولم يكن الهدف إنهاء الحرب بقدر ما تمثّل في تهدئة الرأي العام الداخلي، واختبار مواقف الخصم، وتحسين شروط الخروج العسكري. بذلك لم توقف المفاوضات القصف، بل رافقته، ما يعكس تداخلا واضحا بين المسار السياسي والعمل الميداني.

هذا التداخل بين المسارين السياسي والعسكري، وفق القراءة ذاتها، تعمّق أكثر بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، حين أصبحت المفاوضات أداة لإنتاج الشرعية الدولية لا لمنع الحرب. ويظهر ذلك بوضوح في أزمة يوغوسلافيا عام 1999، حيث قُدمت مسارات تفاوضية بشروط يعلم الطرف الصربي مسبقا صعوبة قبولها، ليصبح رفض التوقيع لاحقا مبررا أخلاقيا للتدخل العسكري. هنا يتحول التفاوض، كما يشرح، إلى ما يشبه الفخ السياسي: إما القبول بشروط قسرية، أو الاتهام بتعطيل السلام.

وتتواصل الأمثلة في اجتياح العراق عام 2003، الذي يراه اليمني النموذج الأوضح في التاريخ الحديث على هذا التكتيك. فبين عامي 2002 و2003 كانت فرق التفتيش الدولية تعمل، والتقارير لم تثبت وجود أسلحة دمار شامل، كما أبدت بغداد تعاونا نسبيا، ومع ذلك كان القرار العسكري قد حُسم مسبقا. في هذه الحالة لم تكن المفاوضات سوى مرحلة لإدارة الزمن الدولي وتأمين الغطاء السياسي وإعداد الرأي العام، قبل أن يتبين لاحقا أن المبررات كانت زائفة وأن القرار العسكري سبق أي نتيجة تفاوضية، ما رسّخ فكرة أن المفاوضات قد تعكس أحيانا نية “الضرب المؤجل” لا نية الحل.

ويستمر هذا النمط في الحالة الليبية، حيث جرت اتصالات دبلوماسية مكثفة تحت شعار حماية المدنيين، قبل أن ينقلب المسار إلى تدخل عسكري شامل أدى إلى انهيار الدولة. ويشير التحليل إلى أن الحلول التفاوضية لم تكن قد استُنفدت بالكامل، وأن سقف العمليات العسكرية تجاوز التفويض السياسي، بينما تغيّر الهدف أثناء التنفيذ، بما يعزز فكرة أن الدبلوماسية كانت مدخلا للعمل العسكري لا مخرجا منه.

ولا يقتصر الاستدعاء التاريخي على هذه الحالات، إذ يتوقف اليمني عند اتفاقيات مينسك التي تشير إليها زاخاروفا، معتبرا أن الاستناد إليها يقوم على اعترافات لاحقة من قادة غربيين بأن الاتفاق لم يكن يهدف إلى حل النزاع بقدر ما كان وسيلة لتجميده وشراء الوقت وإعادة بناء القدرات العسكرية. ومن منظور تاريخي، يمثل ذلك ـ كما يوضح ـ اعترافا نادرا بإمكانية استخدام الاتفاقيات كأداة خداع مقصودة ضمن إدارة الصراع.

ويمتد التحليل أيضا إلى التجربة الإسرائيلية، حيث يظهر هذا النمط من خلال الجمع بين مسارات تفاوضية مفتوحة ورسائل طمأنة سياسية تتبعها ضربات استباقية محسوبة، ما يعكس تصورا يرى أن التفاوض ليس نقيضا للحرب بل جزءا من بيئتها العملياتية، خصوصا حين يتعلق الأمر بتهديدات استراتيجية.

ومن خلال هذه السلسلة التاريخية الممتدة، يخلص اليمني إلى ثلاث نتائج مركزية: أن التفاوض لم يكن يوما ضمانة مطلقة للسلام، وأن القوى الكبرى استخدمته مرارا كأداة لإدارة التوقيت الاستراتيجي لا لتغيير القرار، وأن تراكم هذه السوابق أسهم في تآكل الثقة بالنظام التفاوضي الدولي. وفي ضوء ذلك، يصبح الحديث عن فقدان الدبلوماسية لصدقيتها مدخلا لفهم لماذا قد تتحول الحرب، في حسابات الدول، إلى خيار يبدو منطقيا عندما تفقد الاتفاقيات قدرتها على خلق الثقة.

غير أن الانتقال من القراءة التاريخية العامة إلى تحليل الحدث الراهن يطرح سؤالا إضافيا: هل تنطبق هذه السوابق فعلا على الضربات الأخيرة ضد إيران، أم أن الأمر يتعلق بتفسير سياسي مرتبط بالصراع الدولي الحالي؟ هنا تتقدم مقاربة أخرى تحاول تفكيك المؤشرات العملية التي استندت إليها الرواية الروسية.

مؤشرات التوقيت وسؤال القرار المسبق

الدكتور إسماعيل خلف الله، الخبير الدولي والمحلل السياسي، تناول – في تصريح لـ”الأيام نيوز” -المسألة من زاوية أقرب إلى تحليل الوقائع السياسية المحيطة بالضربة. إذ اعتبر أن زاخاروفا قدّمت مجموعة من الملاحظات التي توحي بأن مسار التفاوض لم يعكس نية حقيقية للتهدئة، بل كان غطاء لقرار تصعيد تم اتخاذه مسبقا، وهو توصيف يعكس – بحسب قراءته – تحولا لافتا في فهم العلاقة بين المسارين الدبلوماسي والعسكري داخل الأزمات الدولية المعاصرة.

إسماعيل خلف الله

فالقراءة التي يطرحها تقوم على فكرة أن تنفيذ الضربات لم يكن مرتبطا بنتائج المفاوضات أو رهينا بها، ما يعني أن التفاوض لم يكن شرطا لتفادي العمل العسكري. ووفق التصريحات التي استند إليها، فإن زاخاروفا ترى أن القرار العسكري اتُّخذ بغض النظر عن مآلات العملية التفاوضية، الأمر الذي يضع المفاوضات في موقع مختلف: ليس كأداة لحل الأزمة، بل كمسار مواز لا يؤثر فعليا في القرار الاستراتيجي النهائي.

ومن بين المؤشرات التي استندت إليها الرواية الروسية أن إيران لم تنسحب من المفاوضات ولم تصدر عنها خطوات تصعيدية، بل على العكس، لم تُبدِ – وفق القراءة الروسية – أي سلوك يمكن تفسيره باعتباره تعطيلا أو استفزازا أو محاولة لابتزاز الطرف الآخر. كما أعلن الوسيط العماني عن وجود أجواء إيجابية وتقدم في العملية التفاوضية، وهو عنصر اعتبرته موسكو دليلا إضافيا على أن التصعيد العسكري لم يكن ردّ فعل على فشل الحوار.

ويكتسب هذا المعطى أهمية خاصة، لأن الفريق الإيراني كان موجودا في جنيف لحظة بدء الضربات، ما يعزز – وفق التحليل – فرضية أن المسار التفاوضي كان يسير شكليا بالتوازي مع تحضيرات عسكرية جارية على الأرض. هذا التزامن الزمني تحديدا يمثل، في نظر خلف الله، أحد أبرز عناصر الحجة الروسية، إذ يوحي بأن التفاوض لم يكن مرحلة فاصلة بين الحرب والسلام، بل مجرد سياق سياسي رافق قرارا عسكريا سبق اتخاذه.

هذا التفسير أعاد إلى الواجهة تجربة اتفاقيات مينسك التي ترى موسكو أنها استُخدمت لكسب الوقت وإعادة ترتيب موازين القوى. فوفق الخطاب الروسي، لم تكن تلك الاتفاقيات تهدف فعليا إلى تسوية النزاع الأوكراني بقدر ما وفّرت فترة زمنية لإعادة بناء القدرات العسكرية للطرف الآخر. وتصف موسكو هذا المسار أحيانا بأنه “فخ دبلوماسي”، أي عملية تفاوضية تُستخدم لإشغال الخصم سياسيا بينما تتواصل التحضيرات الميدانية بعيدا عن الأضواء.

ويُستحضر هنا أيضا مثال حرب الخليج الثانية، حين استمرت المسارات الدبلوماسية بشأن انسحاب العراق من الكويت بينما كان التحالف الدولي يجهز لعملية “عاصفة الصحراء”، في نموذج يعكس تزامن التفاوض والاستعداد العسكري. ففي تلك المرحلة، لم تتوقف الاتصالات السياسية، لكن التخطيط العسكري كان يسير بوتيرة متسارعة انتهت بعملية عسكرية حاسمة، ما يعزز – وفق هذه القراءة – فكرة أن المسارين قد يسيران معا دون أن يكون أحدهما بديلا عن الآخر.

وبناء على هذه القراءة، تصبح الدبلوماسية أحيانا واجهة سياسية تُستخدم لإظهار الالتزام بالحوار، بينما تكون القرارات الاستراتيجية قد اتخذت بالفعل في اتجاه التصعيد. فالتفاوض، وفق هذا التصور، يؤدي وظيفة مزدوجة: تهدئة المناخ الدولي وإدارة ردود الفعل، وفي الوقت نفسه توفير غطاء سياسي يسمح بتنفيذ خيارات عسكرية محسومة سلفا. غير أن هذا الاستنتاج يقود بدوره إلى مستوى أوسع من التحليل يتجاوز الحدث نفسه نحو فهم خلفيات الخطاب الروسي ودلالاته الجيوسياسية، خاصة في ظل التوتر المتصاعد بين موسكو والغرب.

عبد الحق سعدي

الصراع على السردية الدولية

عبد الحق سعدي، المحلل السياسي، قدّم مقاربة تربط تصريح زاخاروفا بالسياق الأوسع للتنافس بين روسيا والغرب. ففي تصريحه لـ”الأيام نيوز”، اعتبر أن الموقف الروسي لا يمكن فصله عن الصراع الجيوسياسي المحتدم حول ملفات الشرق الأوسط، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني، حيث تتداخل الحسابات الأمنية مع صراع النفوذ الدولي وإعادة تشكيل موازين القوى العالمية.

فالحديث عن تكتيك “تحت غطاء المفاوضات” يشكل، ضمن هذا الإطار، اتهاما مباشرا بأن المسار الدبلوماسي لم يكن هدفا بحد ذاته، بل وسيلة لإدارة الوقت وامتصاص ردود الفعل الدولية تمهيدا لتحرك عسكري محسوب. ومن وجهة النظر الروسية، فإن استمرار المفاوضات خلق انطباعا زائفا بالتهدئة، خفّض مستوى الاستنفار السياسي والعسكري لدى الطرف المقابل، ما سمح بتنفيذ الضربات في توقيت مدروس بعناية.

بهذا المعنى تتحول المفاوضات إلى مظلة سياسية تمنح غطاء زمنيا لتحركات مقررة مسبقا، أي أنها تصبح جزءا من إدارة الصراع لا أداة لتسويته. واستحضار تجربة مينسك هنا يحمل دلالة رمزية قوية، إذ ترى موسكو أن الاتفاقيات التي هدفت رسميا إلى وقف إطلاق النار استُخدمت عمليا لتعزيز القدرات العسكرية الأوكرانية، وهو تفسير تعزز داخل الخطاب الروسي بعد تصريحات أوروبية لاحقة فُهمت في موسكو باعتبارها إقرارا بالطابع المرحلي لتلك الاتفاقيات.

ويمتد التحليل إلى أمثلة تاريخية مثل اتفاق ميونيخ ومفاوضات باريس في فيتنام، حيث يظهر التداخل بين المسارين السياسي والعسكري بوصفه سمة متكررة في إدارة الأزمات الكبرى. ففي ميونيخ، كان الهدف المعلن تجنب الحرب، لكن الاتفاق سبق اندلاعها زمنيا، بينما كشفت مفاوضات باريس أن التفاوض يمكن أن يستمر لسنوات بالتوازي مع العمليات العسكرية، ما يعكس إدارة مزدوجة للصراع تجمع بين الضغط السياسي والقوة الصلبة.

كما يشير سعدي إلى أن الشرق الأوسط شهد بدوره اتهامات متبادلة باستغلال التفاوض لتحسين المواقع الميدانية أو إعادة ترتيب التحالفات قبل أي تصعيد، وهو ما جعل فكرة استخدام الدبلوماسية كأداة ضمن أدوات الصراع جزءا من الخطاب السياسي الإقليمي والدولي على حد سواء.

ومع ذلك، يلفت سعدي إلى نقطة حاسمة مفادها أن اتهام استخدام المفاوضات كغطاء عسكري يحتاج إلى أدلة قاطعة تثبت أن قرار الضربة اتُّخذ قبل المسار التفاوضي، إذ إن غياب الوثائق أو التسريبات يجعل المسألة جزءا من “حرب السرديات” بين القوى الكبرى أكثر من كونها حقيقة مثبتة بشكل نهائي. فالصراع هنا لا يدور فقط حول الوقائع العسكرية، بل حول تفسيرها ومن يملك حق تعريف الحدث أمام الرأي العام الدولي.

هذا التوصيف يفتح المجال أمام قراءة مكمّلة تركز على البعد المفاهيمي للخطاب الروسي نفسه، وكيف تحوّل التشكيك في الدبلوماسية إلى عنصر ثابت في تفسير موسكو للأزمات الدولية، في سياق سعيها لنزع الشرعية عن التحركات الغربية وتقديم نفسها كمدافع عن قواعد القانون الدولي.

الدبلوماسية كأداة صراع لا وسيلة حل

المحلل السياسي فاروق طيفور قدّم – في تصريح لـ”الأيام نيوز” – طرحا ينسجم مع هذا الاتجاه، حيث اعتبر أن المفاوضات، وفق المنطق الروسي، قد تتحول إلى مظلة تمنح شرعية شكلية لتحركات عسكرية مخطط لها مسبقا بدلا من أن تكون مسارا فعليا لتسوية النزاعات، وهو تصور يعكس مستوى عميقا من الشك الاستراتيجي في نوايا القوى الغربية.

فاروق طيفور

ويبرز استحضار اتفاقيات مينسك مرة أخرى بوصفه دليلا على الشكوك الروسية العميقة تجاه نوايا الغرب، خاصة بعد تفسير موسكو لتصريحات أوروبية باعتبارها إقرارا ضمنيا بالطابع المرحلي لتلك التفاهمات. ومن هنا يصبح الربط بين الضربات على إيران وتجربة مينسك جزءا من سردية أوسع ترى أن الدبلوماسية تُستخدم تكتيكيا ضمن إدارة الصراع، لا كخيار نهائي لإنهائه.

ويستدعي التحليل مثال اتفاق ميونيخ عام 1938 ومفاوضات باريس في فيتنام لإبراز صعوبة الفصل الكامل بين المسار السياسي والمسار الميداني، حيث كثيرا ما تسير القوة والتفاوض في خطين متوازيين يتقاطعان دون أن يتناقضا بالضرورة. فالتاريخ السياسي، كما يوضح، يقدم نماذج عديدة تُدار فيها الأزمات عبر مسارين متزامنين: تفاوض علني وضغط عسكري ضمني.

وفي الشرق الأوسط، حيث تتشابك التحالفات والتوازنات الأمنية، تتكرر الاتهامات بأن التفاوض يُستغل لإعادة ترتيب المواقع الاستراتيجية قبل أي مواجهة، ما يجعل فكرة “المفاوضات كغطاء” جزءا من أدبيات الصراع السياسي المعاصر، خاصة في الأزمات المرتبطة بالأمن الإقليمي والبرامج العسكرية الحساسة.

غير أن طيفور يشدد بدوره على أن إثبات هذا الطرح يتطلب أدلة ملموسة تؤكد أن القرار العسكري سبق فعلا العملية التفاوضية، لأن غياب مثل هذه المعطيات يبقي التصريح الروسي ضمن إطار السجال السياسي الدولي، لا ضمن الحقائق المؤكدة تاريخيا.

وعند جمع هذه القراءات المختلفة، يتضح أن الجدل الذي أثارته تصريحات زاخاروفا يتجاوز الضربات على إيران ليصل إلى سؤال أعمق يتعلق بمستقبل الدبلوماسية نفسها. فالتاريخ الذي استُحضر في التحليلات المختلفة – من ميونيخ إلى فيتنام والعراق وليبيا ومينسك – يعكس نمطا متكررا يتمثل في تداخل التفاوض مع الحسابات العسكرية.

هذا التداخل لا يعني بالضرورة أن كل مفاوضات تخفي حربا، لكنه يكشف أن الثقة في النظام التفاوضي الدولي لم تعد مطلقة كما كانت في مراحل سابقة. فحين تتكرر الشكوك بشأن نيات الأطراف الكبرى، تتحول المفاوضات من مساحة لخفض التوتر إلى ساحة جديدة للصراع السياسي والسردي، حيث يصبح الصراع على تفسير الأحداث لا يقل أهمية عن الأحداث نفسها.