الأربعاء، 07 أكتوبر 2026 — 23 ربيع الثاني 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
الجزائر

التحول الطاقوي في الجزائر.. مشاريع واعدة لتقليل الاعتماد على الغاز

Author
بثينة صايفي 18 مايو 2026
X Facebook TikTok Instagram

في وقت يتجه فيه العالم نحو الطاقات النظيفة لمواجهة التغيرات المناخية وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، تسعى الجزائر بدورها إلى تعزيز استثماراتها في مجال الطاقات المتجددة، وعلى رأسها طاقة الرياح. فبفضل موقعها الجغرافي الشاسع وما تزخر به من مؤهلات طبيعية، خاصة في المناطق الصحراوية، تملك الجزائر إمكانات كبيرة تؤهلها لتطوير هذا النوع من الطاقة وجعله ركيزة مستقبلية للاقتصاد الوطني.

رغم أن مشاريع طاقة الرياح لا تزال محدودة مقارنة بالإمكانات المتاحة، إلا أن الدولة تراهن عليها ضمن إستراتيجيتها لتحقيق التحوّل الطاقوي وتنويع مصادر إنتاج الكهرباء.

 

برنامج وطني للطاقات المتجددة إلى غاية 2035

وفي هذا السياق، أكد الخبير الطاقوي، بغداد مندوش، أن الجزائر تعمل وفق برنامج وطني يمتد إلى غاية سنة 2035، يهدف إلى تطوير الطاقات الجديدة والمتجددة وتنويع مصادر إنتاج الطاقة، في إطار تقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري، وأوضح أن القدرة الإجمالية المستهدفة ضمن هذا البرنامج تُقدَّر بـ15 ألف ميغاواط، ما سيسمح برفع مساهمة الطاقات المتجددة في المزيج الطاقوي الوطني إلى حوالي 30 بالمئة.

بغداد مندوش خبير طاقوي
بغداد مندوش خبير طاقوي

وأشار المتحدث إلى أن الجزائر تراهن بشكل كبير على الطاقة الشمسية، بالنظر إلى الإمكانات الطبيعية التي تمتلكها، حيث تصل مدة سطوع الشمس إلى نحو 3000 ساعة سنويا على المستوى الوطني، وهو ما يجعلها من بين الدول المؤهلة للاستثمار بقوة في هذا المجال، وأضاف أن الحصة الأكبر من مشاريع الطاقات المتجددة ستكون موجهة للطاقة الشمسية، تليها طاقة الرياح، إلى جانب مشاريع أخرى مرتبطة بالهيدروجين.

 

الهيدروجين… طاقة المستقبل

وفي حديثه عن الهيدروجين، أوضح الخبير أن الجزائر بدأت تتجه نحو هذا المورد باعتباره “طاقة المستقبل” أو “غاز المستقبل”، لما يتميز به من كونه طاقة نظيفة خالية من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الملوِّثة للبيئة، كما أشار إلى وجود مشروع مهم يجمع بين سوناطراك ومجمع “إيني” لإنجاز خط يربط الجزائر بإيطاليا لتزويدها بالهيدروجين، في خطوة تعكس توجّه الجزائر نحو الأسواق الأوروبية في مجال الطاقات النظيفة.

وفي سياق متصل، أكد المتحدث أن الجزائر تمكنت من تحقيق جزء من أهدافها المسطرة ضمن البرنامج الوطني، مشيرًا إلى أنه سيتم خلال سنة 2026 بلوغ قدرة إنتاج تُقدّر بـ3200 ميغاواط من الطاقات المتجددة.

 

اقتصاد الغاز وتوجيهه للتصدير

وأوضح الخبير أن التوجه نحو إنتاج حوالي 3200 ميغاواط من الطاقات المتجددة، خاصة من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، من شأنه أن ينعكس بشكل مباشر على تقليص استهلاك الغاز الطبيعي داخل البلاد، حيث يُقدَّر هذا التوفير بحوالي 8 مليارات متر مكعب من الغاز كانت تُستخدم سابقًا في تشغيل محطات توليد الكهرباء التقليدية.

وأشار إلى أن هذا التحول لا يقتصر فقط على جانب الاقتصاد في الاستهلاك، بل يفتح أيضا آفاقا استراتيجية مهمة أمام الجزائر، إذ يمكن إعادة توجيه هذه الكميات الموفَّرة من الغاز نحو تلبية الطلب المحلي المتزايد في مجالات أخرى مثل الصناعة والبتروكيمياء، أو حتى تعزيز قدرات التصدير نحو الأسواق الخارجية، ما يساهم في دعم مداخيل الدولة من العملة الصعبة.

كما اعتبر أن هذا التوجه يعزز من أمن الطاقة على المدى الطويل، ويقلل من الضغط على الموارد الأحفورية، في وقت يتزايد فيه الطلب العالمي على الطاقة النظيفة والانتقال التدريجي نحو اقتصاد منخفض الكربون.

 

طاقة الرياح كركيزة مستقبلية في المزيج الطاقوي

من جهة أخرى، يرى الخبير الطاقوي أحمد طرطار أن طاقة الرياح تُعد من أبرز الطاقات الواعدة التي يمكن أن تتحول إلى ركيزة أساسية في المزيج الطاقوي الجزائري، خلال السنوات القادمة، خاصة في ظل التوجه العالمي نحو تقليص الاعتماد على الطاقات الأحفورية والبحث عن بدائل نظيفة ومستدامة، ويشير إلى أن الجزائر، بفضل موقعها الجغرافي وتنوعها المناخي، تمتلك إمكانات معتبرة في مجال استغلال الرياح، خصوصًا في المناطق الساحلية والهضاب العليا، ما يجعل هذه الطاقة خيارا استراتيجيا قابلا للتوسع والاستثمار على نطاق واسع.

أحمد طرطار خبير طاقوي
أحمد طرطار خبير طاقوي

وأضاف المتحدث أن إدماج طاقة الرياح ضمن المنظومة الطاقوية لا يهدف فقط إلى إنتاج الكهرباء، بل يساهم أيضا في تعزيز أمن الطاقة الوطني، وتقليل الضغط على الغاز الطبيعي، وبالتالي تحرير كميات أكبر منه للتصدير أو لتلبية حاجيات القطاعات الصناعية المتنامية.

وفي السياق نفسه، اعتبر أن نجاح هذا التحول الطاقوي لا يمكن أن يقوم على مصدر واحد فقط، بل يحتاج إلى مزيج متكامل من الطاقات المتجددة، على غرار الطاقة الشمسية التي تُعد بدورها موردا استراتيجيا مهما، إضافة إلى الهيدروجين الأخضر الذي يُنظر إليه كوقود المستقبل، كما أشار إلى أن هذا التوجه يندرج ضمن ديناميكية عالمية متسارعة نحو الطاقات النظيفة، إلى جانب بعض الدراسات والمشاريع المتعلقة بالطاقة النووية السلمية، التي تبقى خيارا إضافيا في إطار تنويع مصادر الطاقة وضمان الاستقرار الطاقوي على المدى الطويل.

 

تحديات تطوير طاقة الرياح في الجزائر

وأوضح الخبير أن الجزائر لا تزال تسعى إلى تثبيت مكانة طاقة الرياح ضمن استراتيجيتها الطاقوية، غير أن هذا المسار يعرف بعض التباطؤ في التجسيد على أرض الواقع، رغم الإمكانات الطبيعية التي تؤهلها لتطوير هذا القطاع، ويعود ذلك، حسبه، إلى مجموعة من التحديات الهيكلية والتقنية التي ما تزال تعيق الانتقال السريع نحو استغلال واسع لهذه الطاقة.

ومن بين أبرز هذه التحديات، ضعف الاستيعاب التكنولوجي المرتبط بصناعة وتطوير توربينات الرياح ومكوناتها، حيث لا تزال الجزائر تعتمد بشكل كبير على الاستيراد، ما يرفع التكاليف ويحد من وتيرة التوسع، كما أشار إلى أن نقص الكفاءات البشرية المتخصصة في مجالات الطاقات المتجددة والهندسة الطاقوية الدقيقة يمثل عائقا إضافيا، ما يستدعي تعزيز التكوين والبحث العلمي وربط الجامعة بسوق الطاقة بشكل أكبر.

إلى جانب ذلك، يبرز تحدي البنية التحتية، سواء من حيث شبكات نقل الكهرباء أو تجهيزات الربط بين مناطق الإنتاج والاستهلاك، وهو ما يتطلب استثمارات كبيرة وتخطيطا طويل المدى لضمان إدماج فعّال لطاقة الرياح ضمن الشبكة الوطنية، كما لا يمكن إغفال التحديات المرتبطة بتمويل المشاريع وضمان جاذبية الاستثمار في هذا القطاع، خاصة في ظل المنافسة مع الطاقات التقليدية التي لا تزال أقل كلفة على المدى القصير.

وأكد المتحدث أن تجاوز هذه العقبات يعد شرطا أساسيا لتحقيق الهدف الأسمى المتمثل في بناء مزيج طاقوي متوازن ومتنوع، يجمع بين مختلف مصادر الطاقة المتجددة، بما يسمح بدعم التحوّل الطاقوي في الجزائر خلال السنوات المقبلة، مع تعزيز التكامل بين القطاعات الاقتصادية والتكنولوجية ذات الصلة بالطاقة.

 

تقليص البصمة الكربونية والتحوّل الاقتصادي

وأضاف الخبير أن هذا التوجه يندرج أيضا ضمن المساعي الوطنية الرامية إلى تقليص البصمة الكربونية لقطاع الطاقة، وخاصة الغاز الطبيعي الذي يُعد من أهم مصادر الإنتاج والاستهلاك في الجزائر. ويشير إلى أن الانتقال التدريجي نحو إدماج الطاقات النظيفة، وعلى رأسها الهيدروجين الأخضر، يهدف إلى إعادة هيكلة المنظومة الطاقوية بشكل يجعلها أكثر استدامة وأقل تأثيرا على البيئة، بما يتماشى مع الالتزامات الدولية المتعلقة بالمناخ والحد من الانبعاثات.

ويرى المتحدث أن تقليص البصمة الكربونية لا يقتصر على الجانب البيئي فقط، بل يحمل أبعادا اقتصادية استراتيجية، إذ يفتح المجال أمام الجزائر لإعادة تموقعها في الأسواق الطاقوية العالمية كمزود موثوق للطاقة النظيفة، بدل الاقتصار على تصدير الغاز التقليدي. كما أن هذا التحوّل يساهم في تعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني في مرحلة تتجه فيها العديد من الدول نحو فرض معايير بيئية صارمة على واردات الطاقة.

وفي السياق ذاته، أكد أن تحقيق هذا التحول يتطلب اعتماد استراتيجية متكاملة تقوم على تنويع مصادر الطاقة المتجددة، وعلى رأسها الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، باعتبارها ركيزتين أساسيتين لدعم الإنتاج الكهربائي النظيف، إلى جانب تطوير مشاريع الهيدروجين الأخضر كخيار مستقبلي واعد.

كما شدد على أن هذا المسار من شأنه أن يساهم في دعم التحول الاقتصادي في الجزائر، من خلال خلق قيمة مضافة جديدة خارج قطاع المحروقات التقليدي، وتحفيز الاستثمار في التكنولوجيا الخضراء، وفتح فرص عمل جديدة في مجالات البحث، والهندسة، والصناعات الطاقوية الحديثة، بما يعزز الانتقال نحو اقتصاد أكثر تنوعا واستدامة.

 

↑