الأحد، 14 يونيو 2026 — 27 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

التدخين بين القصّر.. هل تكفي القوانين الجديدة لحماية الأجيال؟

Author
إيمان عبروس 01 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

يواصل التدخين فرض نفسه كأحد أبرز التحديات الصحية التي تواجه المجتمعات عبر العالم، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بعشرات الأمراض المزمنة والخطيرة التي تستنزف الأفراد والمنظومات الصحية على حد سواء.

وفي الجزائر، يتجدد النقاش حول سبل الحد من انتشار هذه الآفة، خاصة في أوساط الأطفال والمراهقين، بالتزامن مع إحياء اليوم العالمي لمكافحة التدخين وصدور إجراءات قانونية جديدة تهدف إلى تنظيم تسويق منتجات التبغ وتعزيز حماية الصحة العمومية.

ويؤكد المختصون في مجال الصحة وحماية المستهلك أن الرهان اليوم أصبح مرتبطا بمدى فعالية آليات الردع والرقابة الميدانية لمنع وصول السجائر إلى القصّر، والحد من مختلف أشكال الترويج المباشر وغير المباشر لهذه المنتجات.

مرسوم تنفيذي جديد لتعزيز حماية الصحة العمومية

أكد رئيس المنظمة الوطنية لحماية المستهلك وإرشاده، مصطفى زبدي، في تصريح خص به “الأيام نيوز”، أن المرسوم التنفيذي الجديد الصادر عن الوزير الأول جاء لتنظيم عملية بيع السجائر وتحديد ضوابط واضحة تتعلق بالإشهار والترويج لمنتجات التبغ.

وأوضح زبدي أن هذا الإجراء يندرج في إطار الجهود الرامية إلى حماية الصحة العمومية وتعزيز الترسانة القانونية الخاصة بمكافحة التدخين، خاصة أن السجائر تحتوي على عشرات المواد السامة التي ترتبط بشكل مباشر بالعديد من الأمراض الخطيرة.

وأشار إلى أن النصوص الجديدة تضع حدا لكل محاولات تقديم بعض منتجات التبغ على أنها أقل ضررا أو ذات خصائص أفضل من غيرها، باعتبار أن هذه الممارسات التسويقية قد تساهم في تشجيع الاستهلاك وتضليل المستهلكين، خصوصا فئة الشباب.

وأضاف أن المرسوم التنفيذي يمنح الجهات القضائية والرقابية سندا قانونيا أوضح لتطبيق العقوبات ومتابعة المخالفين، بما يساهم في الحد من التجاوزات التي ظلت تسجل في مجال بيع وتسويق السجائر.

منع بيع السجائر للقصّر.. خطوة نحو حماية الأجيال

ومن أبرز النقاط التي تضمنها المرسوم التنفيذي الجديد، منع بيع السجائر للقصّر بشكل صريح، وهو الإجراء الذي يعتبره زبدي ضرورة ملحة لحماية الأطفال والمراهقين من الوقوع في دائرة الإدمان منذ سن مبكرة.

وأوضح أن العديد من الممارسات المسجلة في الواقع الميداني أظهرت سهولة حصول القصّر على السجائر من بعض المحلات التجارية، الأمر الذي يستدعي تشديد الرقابة وتطبيق العقوبات القانونية على المخالفين.

وأكد أن حماية الأطفال والشباب من أخطار التدخين تمثل أولوية صحية واجتماعية، خاصة أن هذه الفئة العمرية تعد الأكثر عرضة للتأثر بالإعلانات والصور النمطية التي تربط التدخين بمظاهر القوة أو النضج أو المكانة الاجتماعية.

ويرى أن التشدد في تطبيق القوانين يشكل أحد أهم الأساليب الكفيلة بالحد من انتشار الظاهرة وضمان احترام النصوص التنظيمية الجديدة.

التدخين.. عامل رئيسي للأمراض الخطيرة

من جانبه، أكد الدكتور محمد كواش، الطبيب المختص في الصحة العمومية، أن التدخين يعد من أبرز أسباب الإصابة بالأمراض المزمنة والفتاكة التي تهدد حياة الملايين حول العالم.

وأوضح، في تصريحه لـ”الأيام نيوز”، أن التدخين يرتبط مباشرة بأمراض القلب والشرايين وسرطان الرئة وسرطان الحنجرة وسرطان الفم واللسان، إضافة إلى العديد من الاضطرابات الصحية الأخرى التي تؤثر على مختلف أجهزة الجسم.

وأشار إلى أن الدراسات الطبية أثبتت كذلك وجود علاقة بين التدخين وبعض الأمراض الوراثية والنادرة، فضلا عن ارتباطه بمشكلات الخصوبة وارتفاع معدلات العقم لدى المدخنين مقارنة بغيرهم.

وأكد أن آثار التدخين تمتد إلى الأشخاص المحيطين بالمدخن من خلال ما يعرف بالتدخين السلبي، الذي يشكل خطرا صحيا حقيقيا على أفراد الأسرة والمجتمع، ويرفع احتمالات الإصابة بالعديد من الأمراض المرتبطة بالتعرض لدخان التبغ.

الأطفال والمراهقون الأكثر عرضة للمخاطر

وحذر كواش من الانتشار المتزايد للتدخين وسط الأطفال والمراهقين، معتبرا أن هذه الفئة العمرية تواجه أخطارا صحية أكبر نتيجة استمرار نمو الجهاز التنفسي وأعضاء الجسم المختلفة.

وأوضح أن الرئتين، خلال مرحلتي الطفولة والمراهقة، تكونان في طور النمو والتطور، ما يجعل تأثير المواد السامة الموجودة في السجائر أكثر خطورة مقارنة بالبالغين.

وأضاف أن الأطفال والمراهقين يتميزون بسرعة أكبر في عملية التنفس مقارنة بالكبار، وهو ما يؤدي إلى استنشاق كميات أكبر من المواد الضارة والنيكوتين، الأمر الذي يضاعف من احتمالات الإصابة بالأمراض مستقبلا.

وأشار إلى أن بداية التدخين في سن مبكرة ترتبط غالبا بارتفاع معدلات الإدمان وصعوبة الإقلاع عنه في مراحل لاحقة من العمر، ما يجعل الوقاية المبكرة أمرا بالغ الأهمية.

السجائر الإلكترونية.. خطر جديد يهدد الشباب

وفي سياق متصل، نبه المختص في الصحة العمومية إلى الانتشار المتسارع للسجائر الإلكترونية بين فئات واسعة من الشباب والمراهقين، في ظل الاعتقاد الخاطئ لدى البعض بأنها أقل ضررا من السجائر التقليدية.

وأوضح أن السجائر الإلكترونية تعتمد على الاستعمال المتواصل والمتكرر طوال فترات طويلة، ما يؤدي إلى تعرض الجسم لكميات كبيرة من المواد الكيميائية والنيكوتين.

وأشار إلى أن النكهات المتعددة والألوان الجذابة التي يتم تسويق هذه المنتجات بها جعلتها أكثر استقطابا للأطفال والمراهقين، خاصة عبر منصات التواصل الاجتماعي التي أصبحت إحدى أهم قنوات الترويج لها.

وأكد أن هذه الظاهرة تستدعي إجراءات أكثر صرامة للحد من انتشارها ومراقبة طرق تسويقها وتداولها داخل المجتمع.

بين القانون والواقع.. تحديات التطبيق الميداني

ورغم وجود إجراءات تنظيمية وقوانين ردعية، يرى المتدخلان أن الواقع الميداني يكشف استمرار العديد من التجاوزات التي تسمح بوصول منتجات التبغ إلى القصّر.

وأشار مصطفى زبدي إلى أن بعض التجار ما زالوا يركزون على تحقيق الأرباح دون مراعاة الانعكاسات الصحية والاجتماعية لهذه الممارسات، وهو ما يفرض تعزيز الرقابة الميدانية وتكثيف عمليات التفتيش.

ومن جهته، دعا الدكتور كواش إلى اعتماد آليات أكثر فعالية للتحقق من سن المشتري، من خلال مطالبة الشباب بإبراز بطاقة الهوية قبل بيع السجائر لهم، على غرار ما هو معمول به في العديد من الدول.

كما شدد على أهمية فرض احترام صارم للقوانين المتعلقة بمنع التدخين في الأماكن العمومية، لما يشكله التدخين السلبي من أخطار على صحة المواطنين.

التوعية والردع.. معادلة ضرورية لمواجهة الظاهرة

تتطلب مكافحة التدخين الجمع بين التوعية الصحية والتطبيق الصارم للقوانين، إذ تسهم حملات التحسيس في رفع الوعي بمخاطر التبغ وآثاره الصحية، بينما تعزز الإجراءات الرقابية والردعية احترام التشريعات وتحد من المخالفات المرتبطة ببيع وتسويق منتجات التبغ.

كما يبقى الاستثمار في الوقاية أقل تكلفة بكثير من علاج الأمراض الناجمة عن التدخين، خاصة في ظل الأعباء المالية الكبيرة التي تتحملها المنظومة الصحية نتيجة التكفل بالأمراض المرتبطة باستهلاك التبغ.

حماية الصحة العمومية مسؤولية جماعية

ويأتي المرسوم التنفيذي الجديد في إطار الجهود الرامية إلى تعزيز الصحة العمومية والحد من انتشار التدخين، مع تركيز خاص على حماية الأطفال والمراهقين من مخاطر الإدمان المبكر.

غير أن تحقيق الأهداف المرجوة يظل مرتبطا بمدى الالتزام بتطبيق النصوص القانونية على أرض الواقع، وتعزيز الرقابة والتوعية في آن واحد.

وباتت مكافحة التدخين من أبرز الرهانات المجتمعية والاقتصادية، لما لها من تأثير مباشر على صحة المواطنين وجودة الحياة ومستقبل التنمية المستدامة.

لذلك يبقى تكاتف جهود مختلف الفاعلين ضروريا لبناء بيئة أكثر أمانا وصحة، تحمي الشباب من الوقوع في براثن الإدمان وتحافظ على حقهم في مستقبل صحي سليم.

Author إيمان عبروس
صحفية خريجة جامعة الجزائر 3 – كلية علوم الإعلام والاتصال. تهتم بالشأن الاقتصادي الصحي والاجتماعي