الأحد، 19 يوليو 2026 — 2 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
العالم

التصعيد الأمريكي الإيراني… رسائل ردع متبادلة ومخاوف من سوء التقدير العسكري

Author
ربيعة خطاب 09 يوليو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تشهد العلاقات الأمريكية الإيرانية تصعيدا جديدا ينذر بمزيد من التوتر في منطقة الشرق الأوسط، بعد التصريحات التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي أعلن فيها انتهاء مذكرة التفاهم مع طهران، ملوحا بمواصلة سياسة الضغوط ومؤكدا رفض بلاده امتلاك إيران للسلاح النووي. في المقابل، ردت القيادة الإيرانية بالتأكيد على تمسكها بحقوقها وسيادتها، فيما رفعت القوات المسلحة الإيرانية من سقف تحذيراتها، معلنة أن أي دولة أو جهة تتيح للولايات المتحدة استخدام أراضيها أو قواعدها العسكرية لتنفيذ هجمات ضد إيران ستعد هدفا مشروعا للرد العسكري. ويأتي هذا التصعيد في وقت تشهد فيه المنطقة حالة من الترقب، وسط مخاوف من أن يؤدي تبادل التهديدات إلى مواجهة أوسع قد تمتد تداعياتها إلى أمن الخليج وأسواق الطاقة والاستقرار الإقليمي، في ظل تعثر المسار الدبلوماسي واستمرار الخلافات بشأن البرنامج النووي الإيراني.

وفي هذا السياق يرى الباحث السياسي الإيراني رضا القزويني، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن التصعيد الأخير في الخطاب المتبادل بين الولايات المتحدة وإيران يعكس استمرار حالة التوتر المزمنة التي تحكم العلاقات بين البلدين منذ عقود، لكنه في الوقت ذاته يكشف عن دخول الأزمة مرحلة أكثر حساسية في ظل تصاعد الرسائل السياسية والعسكرية من الجانبين. وأوضح أن التطورات الأخيرة لا يمكن فصلها عن سياق الصراع المستمر حول البرنامج النووي الإيراني والنفوذ الإقليمي، وهي ملفات لا تزال تمثل جوهر الخلاف بين واشنطن وطهران.

وأكد رضا القزويني أن الإدارة الأمريكية تواصل اعتماد سياسة الضغوط السياسية والاقتصادية والعسكرية بهدف الحد من قدرات إيران النووية وتقليص نفوذها في الشرق الأوسط، في حين تحاول طهران تثبيت معادلة ردع تجعل أي خيار عسكري ضدها مكلفا للغاية. وأضاف أن هذا التوازن القائم على تبادل التهديدات أصبح سمة رئيسية للعلاقة بين الطرفين، حيث يسعى كل منهما إلى تحسين موقعه التفاوضي دون الوصول إلى مواجهة مباشرة واسعة النطاق.

وأشار رضا القزويني إلى أن التصريحات المتبادلة بين واشنطن وطهران تدخل إلى حد كبير في إطار الحرب النفسية والضغوط السياسية، إذ يحاول كل طرف توجيه رسائل إلى خصمه وإلى حلفائه في الوقت نفسه. غير أنه حذر من أن استمرار هذا النهج يرفع من احتمالات وقوع أخطاء في الحسابات أو سوء تقدير ميداني قد يؤدي إلى تصعيد غير محسوب، خاصة في ظل غياب قنوات اتصال مباشرة وفاعلة بين الجانبين، واستمرار أزمة الثقة التي تعرقل أي تقدم دبلوماسي.

وفي قراءته لتحذير القوات المسلحة الإيرانية للدول التي قد تسمح باستخدام أراضيها أو قواعدها العسكرية في أي هجوم أمريكي، أوضح رضا القزويني أن الرسالة الإيرانية تحمل أبعادا استراتيجية تتجاوز الرد على الولايات المتحدة وحدها، إذ تستهدف أيضا الدول الحليفة لواشنطن في المنطقة. ويرى أن طهران تسعى إلى إيصال رسالة مفادها أن أي دعم عسكري أو لوجستي لعمل عسكري أمريكي سيجعل تلك الدول جزءا من المواجهة، وهو ما يهدف إلى رفع كلفة أي تحرك عسكري محتمل ضد إيران.

وأضاف رضا القزويني أن هذه التحذيرات تأتي في إطار استراتيجية الردع الإيرانية التي تقوم على توسيع دائرة المخاطر أمام أي طرف يفكر في المشاركة في عمليات عسكرية ضدها. فإيران تدرك أن الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة يعتمد إلى حد كبير على شبكة من القواعد والتسهيلات اللوجستية، ولذلك فإن توجيه رسائل مباشرة إلى الدول المستضيفة يمثل محاولة لتقليص هامش الحركة الأمريكية وإعادة رسم الحسابات الأمنية في الخليج والشرق الأوسط.

ويرى رضا القزويني أن هذه التطورات ستدفع العديد من دول المنطقة إلى تبني مقاربة أكثر حذرا في إدارة علاقاتها الأمنية، خصوصا تلك التي ترتبط بشراكات استراتيجية مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه تحرص على الحفاظ على علاقات مستقرة مع إيران. وأكد أن دول الخليج تدرك أن أي مواجهة عسكرية واسعة ستنعكس مباشرة على أمنها الداخلي وعلى منشآتها الحيوية، فضلا عن تأثيرها على حركة التجارة والطاقة، وهو ما يجعلها تميل إلى تجنب الانخراط في أي تصعيد قد يحول أراضيها إلى ساحات مواجهة.

وأوضح رضا القزويني أن المنطقة تعيش حاليا حالة من التوازن الحذر، حيث تسعى مختلف الأطراف إلى تجنب الحرب الشاملة مع الاستمرار في توجيه رسائل القوة والردع. وأضاف أن هذا الواقع يجعل التصعيد الإعلامي والسياسي أكثر حضورا من المواجهة العسكرية المباشرة، لكنه لا يلغي احتمال وقوع أحداث ميدانية قد تخرج الأوضاع عن السيطرة، سواء نتيجة خطأ في التقدير أو بسبب تحركات غير محسوبة من أطراف إقليمية أو فاعلين غير دولتيين.

وفي حديثه عن السيناريوهات المحتملة خلال المرحلة المقبلة، اعتبر رضا القزويني أن الاحتمال الأكثر ترجيحا يتمثل في استمرار سياسة “التصعيد المنضبط”، بحيث يواصل كل من الولايات المتحدة وإيران تبادل الضغوط السياسية والعسكرية دون الانزلاق إلى حرب شاملة. وأوضح أن الطرفين يدركان أن أي مواجهة مباشرة ستكون لها كلفة باهظة، ليس فقط على المستوى العسكري، وإنما أيضا على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة وأمن الملاحة في الخليج.

وأضاف رضا القزويني أن هذا السيناريو لا يعني غياب المخاطر، بل إن احتمالات التصعيد المفاجئ ستظل قائمة إذا وقع حادث أمني أو اشتباك ميداني يصعب احتواؤه في الوقت المناسب. ولذلك، فإن المرحلة المقبلة ستظل رهينة بقدرة القوى الإقليمية والدولية على احتواء التوتر ومنع انتقاله إلى مواجهة مفتوحة قد تمتد آثارها إلى خارج حدود الشرق الأوسط.

وفي المقابل، أكد رضا القزويني أن فرص العودة إلى المسار الدبلوماسي لا تزال قائمة رغم الصعوبات الكبيرة التي تعترضها. وأشار إلى أن عددا من القوى الإقليمية والدولية يواصل العمل للحفاظ على قنوات الاتصال بين واشنطن وطهران، انطلاقا من إدراك الجميع أن الحلول العسكرية لن توفر استقرارا دائما، وأن التسوية السياسية تبقى الخيار الأقل كلفة لجميع الأطراف.

وأكد رضا القزويني أن مستقبل الأزمة سيبقى مرتبطا بمدى استعداد الولايات المتحدة وإيران لتقديم تنازلات متبادلة، خاصة في الملفات المتعلقة بالبرنامج النووي والعقوبات والضمانات الأمنية. وأضاف أن استمرار التصعيد دون أفق سياسي قد يدفع المنطقة إلى مرحلة أكثر تعقيدا، تنعكس تداعياتها على أمن الخليج، وحركة الملاحة البحرية، وأسواق الطاقة العالمية، وهو ما يجعل احتواء