الأربعاء، 22 يوليو 2026 — 5 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
مقالات رأي

التعاون الدولي بين الصين والولايات المتحدة.. تهدئة مرحلية أم تحول استراتيجي؟

Author
وائل خليل ياسين 05 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات والتنمية، باحث واستشاري متخصص في سياسات مجلس الدولة الصيني لشؤون غرب آسيا وشمال إفريقيا.

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، تبرز نتائج المشاورات الاقتصادية والتجارية الأخيرة بين الصين والولايات المتحدة، كمؤشر لافت على محاولة إعادة ضبط إيقاع العلاقة بين أكبر اقتصادين في العالم. فهذه التفاهمات، التي شملت مجالات الرسوم الجمركية والتجارة الزراعية والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد، لا تعكس فقط رغبة في تهدئة التوترات، بل تكشف عن إدراك متبادل بأن استمرار التصعيد يحمل كلفة باهظة يدفع ثمنها الاقتصاد العالمي برمته.

غير أن السؤال الجوهري لا يكمن في وجود هذه التفاهمات، بل في مدى قدرتها على إحداث تحول حقيقي في طبيعة العلاقة بين القوتين: هل نحن أمام بداية إعادة بناء الثقة، أم مجرد هدنة تكتيكية ضمن مسار تنافسي طويل الأمد؟

من حيث المبدأ، يمكن لهذه التفاهمات أن تسهم في “تقليص حدة التوتر الاقتصادي”، خاصة إذا ما ترجمت إلى إجراءات عملية ومستدامة. فإعادة فتح قنوات الحوار، وتخفيف بعض القيود التجارية، وتوسيع مجالات التعاون، كلها عوامل تعزز مناخ الثقة—ولو بشكل تدريجي. غير أن هذه الثقة تظل محدودة، لأنها لا تعالج جذور الخلاف البنيوي المرتبط بالتنافس على الريادة الاقتصادية والتكنولوجية. ومن ثم، فإن ما نشهده هو أقرب إلى “إدارة للخلاف” منه إلى تسوية نهائية له.

وفي هذا السياق، يكتسب الاتفاق حول العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحرجة أهمية استراتيجية خاصة. فهذه الموارد تمثل عصب الصناعات التكنولوجية المتقدمة، من أشباه الموصلات إلى الطاقة النظيفة. وأي تنسيق بين بكين وواشنطن في هذا المجال من شأنه أن يعزز استقرار سلاسل الإمداد العالمية، ويحد من تقلبات الأسواق، ويمنح الشركات الدولية قدراً أكبر من اليقين. ومع ذلك، لا يلغي هذا الاتفاق توجه الولايات المتحدة وحلفائها نحو تنويع مصادر التوريد وتقليل الاعتماد على الصين، ما يعكس استمرار منطق الحذر الاستراتيجي رغم مظاهر التعاون.

أما على صعيد التعاون الزراعي وصفقات الطائرات، فإن دلالاتها تتجاوز بعدها الاقتصادي المباشر. فتوسيع واردات الصين من المنتجات الزراعية الأمريكية يسهم في تحقيق توازن نسبي في الميزان التجاري، ويدعم قطاعات إنتاجية حساسة داخل الولايات المتحدة. كما أن صفقات الطائرات، لا سيما مع شركات مثل بوينغ، تعكس عودة جزئية للثقة في مجالات صناعية كبرى، وتشير إلى إمكانية توسيع التعاون في القطاعات الأقل حساسية سياسياً.

لكن الأهم من ذلك أن هذه الخطوات تمثل “أرضية مشتركة لإعادة بناء الثقة”، حيث يتم التركيز على مجالات تحقق منفعة متبادلة دون الاصطدام المباشر بالقضايا الأكثر تعقيداً، كالتكنولوجيا المتقدمة والأمن القومي. وهنا يتجلى بوضوح نمط جديد في إدارة العلاقات الدولية، يقوم على الفصل النسبي بين مجالات التعاون ومجالات التنافس.

ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، لا يمكن إغفال أن العلاقة بين الصين والولايات المتحدة لا تزال محكومة بمعادلة مركبة، تجمع بين التعاون الضروري والتنافس الاستراتيجي. فالعالم اليوم لا يعيش مرحلة “نهاية الصراع”، بل مرحلة “تنظيمه وإدارته”. وفي هذا الإطار، يصبح الحفاظ على نظام دولي قائم على القواعد—كما تدعو إليه الأمم المتحدة—أمراً بالغ الأهمية لتفادي الانزلاق نحو مواجهات أوسع.

إن ما تطرحه هذه التطورات يعيد إحياء النقاش حول طبيعة النظام الدولي القادم: هل يتجه نحو مزيد من التعددية والتكامل، أم نحو الانقسام والتكتلات المتنافسة؟ الواقع يشير إلى أن المسارين قد يتقدمان معاً، حيث يستمر التعاون في القضايا العالمية المشتركة، بالتوازي مع احتدام المنافسة في مجالات النفوذ والابتكار.

في ضوء ذلك، يمكن القول إن التفاهمات التجارية الأخيرة لا تمثل تحولاً جذرياً بقدر ما تعكس “مرحلة تهدئة محسوبة” ضمن سياق أوسع من التنافس طويل الأمد. فهي تخفف من حدة التوتر، لكنها لا تلغيه؛ وتفتح آفاقاً للتعاون، لكنها لا تنهي الصراع.

وفي النهاية، يبقى مستقبل العلاقة بين بكين وواشنطن رهناً بقدرتهما على إدارة هذا التوازن الدقيق بين الشراكة والمنافسة. فالعالم لا يحتاج إلى غياب الخلافات بقدر ما يحتاج إلى منع تحولها إلى صدام مفتوح. وبين واقعية المصالح وإمكانات التعاون، يتحدد شكل النظام الدولي القادم—إما نحو استقرار تشاركي، أو نحو تنافس يعاد تشكيله باستمرار دون أن ينفلت من عقاله.

Author وائل خليل ياسين
رئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات والتنمية باحث واستشاري متخصص في بحوث سياسات مجلس الدولة الصيني لشؤون غرب آسيا وشمال إفريقيا