الأربعاء، 07 أكتوبر 2026 — 23 ربيع الثاني 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
اقتصاد

التعاون جنوب-جنوب.. الجزائر تقود نموذجا جديدا للشراكة الطاقوية

Author
صبرينة عيلان 27 يوليو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تبرز الجزائر كلاعب إقليمي يمتلك رصيدا من الخبرة يؤهله لقيادة مرحلة جديدة من الشراكات الطاقوية داخل القارة، فبعد أكثر من ستة عقود من بناء صناعة بترولية وغازية متكاملة، تتجه الجزائر إلى توظيف هذا الإرث الصناعي والتقني في مرافقة الدول الإفريقية الصاعدة، وفي مقدمتها السنغال، التي دخلت مرحلة مفصلية عقب الاكتشافات الكبرى للمحروقات في سواحلها.

وبين طموح سنغالي لتسريع استغلال هذه الثروات، وخبرة جزائرية راسخة في الاستكشاف والإنتاج والتكرير وتسييل الغاز والتسويق الدولي، تتشكل ملامح شراكة استراتيجية جديدة مرشحة لأن تصبح نموذجاً للتعاون الإفريقي في قطاع الطاقة.

وفي هذا الإطار، احتضنت الجزائر مباحثات رفيعة المستوى عكست الإرادة المشتركة للبلدين للارتقاء بالتعاون في مجال المحروقات إلى آفاق أوسع، من خلال بناء شراكة تقوم على نقل الخبرات، وتبادل التكنولوجيا، وتطوير المشاريع المشتركة، بما يعزز الأمن الطاقوي للقارة ويدعم مسار التكامل الاقتصادي الإفريقي، حيث استقبل وزير الدولة، وزير المحروقات، محمد عرقاب، أمس بمقر الوزارة، وزير الاندماج الإفريقي والشؤون الخارجية والسنغاليين بالخارج، الشيخ نيانغ، الذي يقوم بزيارة عمل إلى الجزائر.

وشكل اللقاء مناسبة لاستعراض واقع وآفاق التعاون الثنائي في مجال المحروقات، حيث أشاد الجانبان بمتانة علاقات الأخوة والصداقة بين الجزائر والسنغال، وبالإرادة المشتركة للارتقاء بها إلى شراكة اقتصادية واستراتيجية أوسع.

سوناطراك تمتلك استراتيجية متوسطة وبعيدة المدى لتوسيع شراكاتها الإفريقية

هذا وتشهد السياسة الطاقوية الجزائرية، خلال السنوات الأخيرة، توجها متسارعا نحو تعزيز الحضور داخل القارة الإفريقية، ليس فقط باعتبار الجزائر بلدا منتجا ومصدّرا للمحروقات، وإنما أيضا كشريك استراتيجي قادر على مرافقة الدول الإفريقية في تطوير صناعاتها البترولية والغازية ونقل الخبرة والتكنولوجيا إليها.

وفي هذا السياق، يؤكد الدكتور بغداد مندوش، الخبير في مجال النفط والمحروقات، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن سوناطراك لا تتحرك بمنطق الفرص الآنية، وإنما وفق رؤية استراتيجية متوسطة وبعيدة المدى تهدف إلى ترسيخ الحضور الجزائري في إفريقيا عبر الاستثمار، ونقل المعرفة، وتطوير المشاريع المشتركة، وهو ما ينسجم مع التوجهات الجديدة للدبلوماسية الاقتصادية الجزائرية الرامية إلى جعل القارة الإفريقية فضاءً للتكامل الاقتصادي والاستثماري.

ويرى الدكتور بغداد مندوش أن شركة سوناطراك وضعت، منذ سنوات استراتيجية متوسطة وبعيدة المدى للتوسع خارج الحدود الوطنية، خاصة باتجاه القارة الإفريقية، وذلك من خلال ذراعها المتخصصة في الاستثمارات الخارجية “سيباكس”، التي تتولى تنفيذ مشاريع الاستكشاف والاستثمار والشراكات في عدد من الدول الإفريقية.

ويشير إلى أن هذه الاستراتيجية تستهدف بالدرجة الأولى البلدان الإفريقية التي تمتلك احتياطيات واعدة من النفط والغاز، سواء كانت دولا منتجة منذ سنوات أو دولا حديثة العهد بالاكتشافات البترولية، بما يسمح للجزائر بتحويل خبرتها الممتدة لعقود إلى قيمة مضافة تخدم التنمية الطاقوية في القارة.

ويضيف أن هذا التوجه لا يقتصر على الاستثمار فقط، بل يشمل بناء شراكات طويلة الأمد تقوم على تقاسم الخبرات وتكوين الكفاءات والمساهمة في تطوير مختلف حلقات الصناعة البترولية.

ويبرز الخبير أن سوناطراك ليست بصدد إطلاق استراتيجية جديدة من الصفر، بل تمتلك حضورا فعليا في عدد من الدول الإفريقية منذ سنوات، ففي ليبيا، تنشط الشركة الجزائرية منذ فترة طويلة وتمكنت من تحقيق اكتشافات بترولية مهمة، كما تواصل حضورها في مشاريع الاستكشاف والتطوير رغم التحديات التي عرفها هذا البلد.

كما تنشط سوناطراك في النيجر منذ سنة 2015، حيث حققت بدورها اكتشافات بترولية في حقول “كفرا”، الأمر الذي يعكس قدرة المؤسسة على العمل في البيئات الجيولوجية المختلفة وتحقيق نتائج إيجابية.

ويضيف الدكتور مندوش أن نشاط الشركة يمتد كذلك إلى موريتانيا، سواء في مجال الاستكشاف وتطوير الحقول أو في مجال توزيع الوقود، إلى جانب التعاون في مجال التكوين والتأهيل البشري.

السنغال محطة جديدة في الاستراتيجية الجزائرية
ويؤكد الدكتور بغداد مندوش أن الاهتمام المتزايد من الجانب السنغالي بالتعاون مع الجزائر وسوناطراك لم يأت من فراغ، بل يرتبط مباشرة بالاكتشافات الكبرى التي شهدها هذا البلد خلال السنوات الأخيرة في حقول النفط والغاز البحرية (Offshore).
فالسنغال، التي دخلت حديثاً نادي الدول المنتجة للمحروقات، تحتاج اليوم إلى شركاء يمتلكون خبرة تقنية وصناعية واسعة تمكنها من استغلال هذه الثروات بأفضل الطرق.

ويرى الخبير أن الجزائر تعد من أكثر الدول المؤهلة لمرافقة السنغال في هذه المرحلة، نظراً لما تمتلكه سوناطراك من تجربة تمتد لأكثر من ستة عقود في مختلف مراحل الصناعة البترولية والغازية.

ويشدد الدكتور بغداد مندوش على أن سوناطراك راكمت خبرة كبيرة في جميع حلقات سلسلة القيمة الخاصة بالمحروقات، بدءاً من عمليات الاستكشاف، مرورا بتطوير الحقول والإنتاج، وصولاً إلى النقل عبر الأنابيب والناقلات البحرية، ثم التكرير والتحويل والتسويق الدولي.

ويؤكد أن الجزائر تعد من الدول الرائدة عالمياً في مجال الغاز الطبيعي، خاصة الغاز الطبيعي المسال، حيث تمتلك خبرة تفوق ستين سنة في هذا المجال، فضلاً عن امتلاكها منشآت صناعية ضخمة مثل مركبي أرزيو وسكيكدة اللذين يشكلان أحد أهم مراكز معالجة وتحويل الغاز في المنطقة.
ويرى أن هذه الخبرة تمنح سوناطراك مصداقية كبيرة لدى الدول الإفريقية التي تبحث عن شركاء قادرين على مرافقتها في تطوير مشاريعها الطاقوية.

ويعتقد الدكتور بغداد مندوش أن أول مجال يمكن أن تستفيد منه السنغال هو تطوير الحقول المكتشفة حديثا، فالاكتشاف وحده لا يكفي، إذ يحتاج إلى خبرات كبيرة في الدراسات الهندسية، ووضع مخططات التطوير، واختيار التقنيات المناسبة للإنتاج، وضمان الاستغلال الأمثل للمكامن البترولية والغازية.

ويضيف أن سوناطراك تمتلك خبرة طويلة في هذا المجال، الأمر الذي يسمح لها بمرافقة السنغال في مختلف مراحل تطوير الحقول الجديدة.

الغاز الطبيعي المسال نقطة القوة الجزائرية

ويشير الخبير إلى أن السنغال، بعد اكتشافاتها الغازية الكبيرة، ستحتاج إلى تطوير صناعة الغاز الطبيعي المسال حتى تتمكن من تصدير إنتاجها إلى الأسواق الدولية.

وهنا، يبرز الدور الذي يمكن أن تلعبه الجزائر، باعتبارها من أوائل الدول التي دخلت مجال تسييل الغاز الطبيعي، وتمتلك خبرة تقنية وصناعية معترفاً بها عالمياً.

ويؤكد أن نقل هذه الخبرة إلى السنغال سيسمح لها بتسريع وتيرة تطوير مشاريعها الغازية وتقليص الزمن اللازم لدخول الأسواق العالمية، ولا تتوقف الخبرة الجزائرية عند الإنتاج فقط، بل تمتد كذلك إلى مجال تسويق النفط والغاز.

فبحسب الدكتور بغداد مندوش، تمتلك سوناطراك شبكة واسعة من العلاقات التجارية مع الأسواق العالمية، إضافة إلى خبرة كبيرة في إدارة العقود التجارية وتصدير الغاز الطبيعي المسال والنفط الخام ومشتقاته، وهذه الخبرة يمكن أن تستفيد منها السنغال عند شروعها في تسويق إنتاجها من الغاز والنفط نحو الأسواق الخارجية.

ومن المجالات التي يعتبرها الدكتور مندوش ذات أهمية كبيرة أيضاً، قطاع التكرير، فسوناطراك تمتلك تجربة واسعة في تشغيل المصافي وتحويل النفط الخام إلى مختلف المنتجات البترولية، وهو ما يمكن أن تستفيد منه السنغال لتطوير قدراتها الصناعية وتقليص اعتمادها على استيراد المشتقات النفطي، كما يمكن للخبرة الجزائرية أن تساهم في تطوير شبكات توزيع الوقود داخل السنغال بما يضمن تحسين الأمن الطاقوي لهذا البلد.
ويؤكد الدكتور بغداد مندوش أن أحد أهم عناصر القوة التي تمتلكها الجزائر يتمثل في العنصر البشري.

فالمعهد الجزائري للبترول، التابع لسوناطراك والكائن ببومرداس، يمتلك تجربة كبيرة في تكوين الإطارات والمهندسين والتقنيين في مختلف تخصصات الصناعة البترولية والغازية.

ويشير إلى أن هذا المعهد استقبل خلال السنوات الماضية العديد من الإطارات القادمة من موريتانيا والنيجر وغيرهما من الدول الإفريقية، وهو ما يؤكد نجاح الجزائر في تحويل التكوين إلى أداة للتعاون والشراكة.

ويرى أن السنغال يمكنها الاستفادة بدورها من هذه التجربة عبر إرسال مهندسيها وتقنييها للتكوين في الجزائر، بما يضمن بناء كفاءات وطنية قادرة على إدارة مشاريعها الطاقوية مستقبلا.

ويرى الخبير أن التعاون بين سوناطراك والشركات السنغالية لا يقتصر على الجانب الاقتصادي فقط، وإنما يحمل أبعاداً استراتيجية وجيوسياسية، فالجزائر تعمل على تعزيز التعاون جنوب-جنوب، وترسيخ مبدأ التكامل الإفريقي، من خلال بناء شراكات قائمة على نقل التكنولوجيا والخبرة بدلاً من الاكتفاء بالعلاقات التجارية التقليدية.

كما أن هذه الشراكات تعزز مكانة الجزائر كفاعل رئيسي في أمن الطاقة الإفريقي، وتمنحها دورا أكبر في مرافقة الدول الإفريقية خلال مراحل تطوير صناعاتها الاستخراجية.

ويضيف الدكتور بغداد مندوش أن هذه الشراكات الجديدة تمثل امتدادا طبيعيا للدور الذي تلعبه الجزائر داخل القارة الإفريقية، ويشير إلى أن سوناطراك تمتلك رصيدا كبيرا من المصداقية والخبرة والاستقرار، وهي عوامل تجعلها شريكا مفضلا بالنسبة للدول الإفريقية التي تبحث عن نقل المعرفة والاستفادة من التجارب الناجحة.

ويؤكد أن توسيع التعاون مع السنغال، إلى جانب استمرار المشاريع في ليبيا والنيجر وموريتانيا، يعكس نجاح الاستراتيجية الجزائرية الرامية إلى جعل سوناطراك فاعلا قاريا في صناعة النفط والغاز، ويكرس مكانة الجزائر كقوة طاقوية إفريقية تجمع بين الخبرة الصناعية، والكفاءة البشرية، والرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى، بما يعزز حضورها الاقتصادي والدبلوماسي داخل القارة ويخدم مسار التكامل الإفريقي في قطاع المحروقات

Author صبرينة عيلان
صبرينة عيلان صحفية بموقع الأيام نيوز، أكتب في جميع المواضيع، خريجة كلية علوم الاعلام والاتصال تخصص اتصال وعلاقات عامة، مساري المهني بدأته بجريدة الخبر حوادث سنة 2019 ثم بجريدة الفجر بعدها انتقلت إلى جريدة النهار ثم الشروق اليومي، كما تقلدت منصب رئيسة التحرير بعدة مواقع إلكترونية منها دزاير توب ، صوت الأحرار، الجزائر اليوم، إلترا نيوز، وأفريكا نيوز، ثم انتقلت إلى الحصاد اليومي ومنها إلى شبكة الأيام الجزائرية، وفي عام 2022 تحصلت على جائزة رئيس الجمهورية للصحفي المحترف في فئة الإعلام الإلكتروني
↑