الأربعاء، 07 أكتوبر 2026 — 23 ربيع الثاني 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
الجزائر

التقارب الجزائري الإسباني.. هل يعيد رسم معادلات غرب المتوسط؟


تكتسي زيارة رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، إلى الجزائر أهمية تتجاوز استعادة الدفء إلى العلاقات الثنائية بعد سنوات من الفتور، بالنظر إلى توقيتها الذي يتزامن مع تحولات متسارعة تشهدها منطقة غرب البحر الأبيض المتوسط، وسط رهانات متزايدة تتعلق بأمن الطاقة، واستقرار الساحل، والهجرة، والتنافس الجيوسياسي.

وعكست التصريحات الرسمية حرص البلدين على طي صفحة الفتور في العلاقات الثنائية، إذ وصف بيدرو سانشيز، خلال تصريح مشترك مع رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، عقب الاستقبال الرسمي الذي خصه به، أمس الاثنين، بمقر رئاسة الجمهورية، الجزائر بأنها “شريك استراتيجي وصديق عزيز”، مؤكدا أن معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون تمثل الأساس المتين لمواصلة بناء علاقات ثنائية متميزة.

كما تطرق إلى “الأولويات الرئيسية” التي تتقاسمها إسبانيا في هذه المرحلة مع الجزائر ورئيسها عبد المجيد تبون، مبرزا أهمية “تعزيز الحوار السياسي بين الجانبين، باعتباره الأساس الذي تُبنى عليه جميع مجالات التعاون الأخرى”.

من جانبه، أكد رئيس الجمهورية أن زيارة سانشيز إلى الجزائر تعد “محطة جوهرية تعبر عن الإرادة السياسية للبلدين الصديقين في الدفع بشراكتهما الثنائية التي تنطوي على منافع مؤكدة”، فضلا عن كونها “محطة مهمة في التحضير للدورة الثامنة للاجتماع رفيع المستوى الجزائري-الإسباني، المزمع عقده خلال أكتوبر المقبل”.

في هذا السياق، يطرح التقارب الجزائري الإسباني النقاش حول تأثيره في إعادة تشكيل موازين العلاقات الإقليمية، ومدى قدرته على إرساء معادلات جديدة في المنطقة.

التقارب الجزائري الإسباني استجابة لتحولات جيوسياسية متسارعة

ويرى مصطفى كمال دماني، باحث في الدراسات الأمنية والاستراتيجية، أن زيارة رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، إلى الجزائر تندرج ضمن ديناميكية أوروبية متصاعدة تجاه الجزائر، سبقتها زيارات رئاسية من تركيا وإيطاليا، وأخرى إلى البرتغال وألمانيا.

وأوضح دماني، أن هذه التحركات تعكس إدراكا أوروبيا متزايدا للدور المحوري الذي باتت تؤديه الجزائر في محيطها الإقليمي، لاسيما في ظل التحديات المرتبطة بأمن الطاقة، لافتا إلى أن الحرب الروسية الأوكرانية كشفت هشاشة الأمن الطاقوي الأوروبي، قبل أن تؤدي الحرب الأمريكية الصهيونية على إيران إلى تعميق هذه الإشكالية، وهو ما عزز مكانة الجزائر باعتبارها شريكا استراتيجيا في مجال الطاقة بالنسبة للدول الأوروبية.

وأشار المتحدث إلى أن العلاقات الجزائرية الإسبانية تتميز بخصوصية تختلف عن علاقات الجزائر مع بقية الشركاء الأوروبيين، بحكم القرب الجغرافي وتشابك المصالح الأمنية والسياسية، لافتا إلى أن ملف الهجرة غير النظامية يعد من أبرز القضايا المشتركة، باعتباره تحديا مباشرا لاستقرار منطقة غرب المتوسط.

وأضاف أن الحراك الدبلوماسي الذي قادته الجزائر خلال الفترة الأخيرة في منطقة الساحل الإفريقي أعاد الزخم لدورها الإقليمي، وهو ما يحظى باهتمام إسباني، بالنظر إلى ارتباط استقرار الساحل بملف الهجرة نحو أوروبا، معتبرا أن نجاح الجزائر في تعزيز الأمن والاستقرار بالمنطقة من شأنه الحد من تدفقات الهجرة غير النظامية.

وأكد الباحث في الدراسات الاستراتيجية أن إعادة تفعيل معاهدة الصداقة بين الجزائر ومدريد تمثل خطوة مهمة نحو ترسيخ التقارب بين البلدين، بما يسمح لإسبانيا بإعادة موازنة علاقاتها في غرب المتوسط، خاصة في ظل التحولات التي تشهدها المنطقة، والتقارب المتزايد بين المغرب وفرنسا، إلى جانب تنامي التعاون العسكري المغربي مع الكيان الصهيوني، الذي يشكل مصدر انشغال بالنسبة لمدريد.

وأبرز دماني أن القضية الفلسطينية هي من بين الملفات المطروحة خلال المباحثات، بالنظر إلى اعتراف إسبانيا بدولة فلسطين ومواقفها من الحرب على غزة ولبنان، مضيفا أن تطورات الأوضاع في ليبيا تحتل أيضا مكانة مهمة في جدول الأعمال، خصوصا في ضوء المبادرات الدولية الأخيرة، لما يمثله استقرار ليبيا من أهمية مباشرة لأمن غرب المتوسط.

خِتاماً، أبرز دماني أن تداخل التحديات الطاقوية والأمنية، بداية من تداعيات الحرب في أوكرانيا، مرورا بالتوترات المرتبطة بإيران، وصولا إلى تدهور الأوضاع في منطقة الساحل، شكل حافزا رئيسيا لإعادة التقارب بين الجزائر وإسبانيا، بما يخدم مصالح الطرفين ويعزز استقرار منطقة غرب المتوسط.

الجزائر وإسبانيا تؤسسان لمرحلة جديدة في توازنات غرب المتوسط

من جانبه، أفاد رابح لعروسي، أستاذ في العلوم السياسية، بأن زيارة رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، إلى الجزائر تمثل محطة سياسية ودبلوماسية بالغة الأهمية، باعتبارها تأتي بعد سنوات من الفتور الذي طبع العلاقات بين البلدين، مشيرا إلى أن هذا التقارب يعكس إرادة مشتركة لطي صفحة الخلافات السابقة والانطلاق نحو مرحلة جديدة من التعاون، بما ينعكس على توازنات منطقة غرب البحر الأبيض المتوسط.

وأوضح لعروسي أن هذا التقارب لا ينبغي النظر إليه من زاوية العلاقات الثنائية فحسب، وإنما باعتباره تطورا ستكون له انعكاسات مباشرة على شبكة المصالح الإقليمية، خاصة في الملفات المرتبطة بالطاقة والأمن والهجرة، فضلا عن التنافس الجيوسياسي الذي تشهده المنطقة في ظل التحولات الدولية المتسارعة.

وأضاف أن قراءة هذا التقارب يمكن أن تتم من خلال ثلاث محطات أساسية، تُعنى الأولى بإعادة التوازن إلى العلاقات الجزائرية الإسبانية، عبر استعادة الثقة تدريجيا بين الشريكين بعد فترة من التوتر، وهو ما من شأنه أن يعيد بعث التعاون الاقتصادي والتجاري، ويمنح العلاقات الثنائية زخما جديدا يقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.

وأشار المتحدث إلى أن المحطة الثانية تتعلق بتعزيز مكانة الجزائر كمورّد استراتيجي للطاقة، موضحا أن أوروبا أصبحت، خلال السنوات الأخيرة، تبحث عن تنويع مصادر إمداداتها الطاقوية، الأمر الذي جعل الجزائر تكتسب أهمية متزايدة باعتبارها أحد أكثر موردي الغاز الطبيعي موثوقية بالنسبة لجنوب أوروبا.

وأبرز أستاذ العلوم السياسية أن هذا المعطى لا يمنح الجزائر بعدا اقتصاديا فحسب، وإنما يرفع أيضا من وزنها السياسي في تعاملها مع الدول الأوروبية، ويعزز قدرتها على التفاوض ضمن الملفات ذات الاهتمام المشترك.

وأبرز لعروسي أن هذا التقارب ينسجم مع التحولات التي تشهدها الساحة الأوروبية في مجال أمن الطاقة، حيث أصبحت الجزائر شريكا لا غنى عنه بالنسبة لعدد من الدول الأوروبية، وهو ما يفسر تنامي الحراك الدبلوماسي الأوروبي تجاه الجزائر خلال الفترة الأخيرة، في ظل سعي القارة الأوروبية إلى تأمين احتياجاتها من الطاقة عبر شركاء يتمتعون بالاستقرار والموثوقية.

وفي المقابل، أكد أن التحسن المسجل في العلاقات لا يعني وجود تطابق كامل في مواقف البلدين، لافتا إلى أن عددا من الملفات لا يزال محل تباين، وفي مقدمتها قضية الصحراء الغربية، إلى جانب اختلاف بعض الرؤى المتعلقة بالسياسات المتوسطية، وهو ما يجعل هذا التقارب قائما على إدارة نقاط الاختلاف بالتوازي مع توسيع مجالات التعاون.

وأشار محدثنا إلى أن نجاح هذا المسار سيظل مرتبطا بقدرة الطرفين على الحفاظ على مناخ الثقة وترجمة الإرادة السياسية إلى مشاريع وشراكات عملية، بما يضمن استمرارية هذا التقارب ويحول دون عودة التوترات السابقة.

كما أكد أن التقارب الجزائري الإسباني لا يقتصر على إعادة العلاقات الثنائية إلى مسارها، وإنما يسهم في إعادة رسم موازين القوى في غرب البحر الأبيض المتوسط، من خلال تكريس الجزائر كفاعل استراتيجي ومحوري في ملفات الطاقة والأمن، وإعادة إسبانيا إلى موقع الشريك الأوروبي الرئيس للجزائر.

وفي ختام حديثه إلى “الأيام نيوز”، أشار رابح لعروسي إلى أن استمرار هذا المسار من شأنه أن يجعل العلاقات بين البلدين أحد أهم مرتكزات الاستقرار والتعاون في الحوض الغربي للبحر الأبيض المتوسط خلال المرحلة المقبلة.

Author سهام سعدية سوماتي
صحفية بموقع الأيام نيوز، أكتب في مختلف المواضيع، متحصلة على شهادة ماستر 2 تخصص اتصال سياسي واجتماعي بجامعة الجزائر 3، و ماستر 1 تخصص سمعي بصري بالمدرسة العليا للصحافة، بدأت مساري المهني كمحررة بجريدة البصائر سنة 2017، ثم اشتغلت بجريدة الحياة وبعدها انتقلت إلى جريدة الاتحاد، كما اشتغلت في موقع "سهم ميديا" المتخصص في الشأن الاقتصادي، وكمتعاونة مختصة في متابعة الأخبار مع شبكة "سكاي نيوز"، وبعدها انتقلت إلى شبكة الأيام الجزائرية عام 2022، وفي عام 2023 تحصلت على جائزة تقديرية في مسابقة رئيس الجمهورية للصحفي المحترف.
↑