الإثنين، 07 سبتمبر 2026 — 23 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

التكفل المدرسي بأطفال التوحد.. الجزائر تراهن على الكشف المبكر


مع اقتراب موعد الدخول المدرسي، يتجه الاهتمام إلى تعزيز التكفل المدرسي بالأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، من خلال إجراءات تستهدف تحسين ظروف تمدرسهم والاستجابة لاحتياجاتهم التربوية والصحية.

وفي هذا الإطار، وجّه الوزير الأول، سيفي غريب، خلال اجتماع مع الولاة الأربعاء الماضي، إلى إجراء تقييم للاحتياجات الضرورية المتعلقة بالتكفل المدرسي بهذه الفئة، بالتوازي مع إطلاق حملة واسعة للكشف المبكر عن أعراض اضطراب طيف التوحد عبر المؤسسات التربوية، قصد تحديد الحالات التي تستدعي تكفلا صحيا ومدرسيا خاصا، والعمل على فتح أقسام خاصة جديدة في مختلف الأطوار التعليمية.

في هذا الصدد، أفاد توفيق زروقي، مختص في علم الاجتماع التربوي، أن توجه الحكومة نحو تعزيز التكفل المدرسي بالأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، وإطلاق حملة واسعة للكشف المبكر عن أعراض اضطراب طيف التوحد عبر المؤسسات التربوية، يعكس إدراكا متزايدا لاتساع هذه الفئة وضرورة التعامل معها من خلال استراتيجية واضحة ومتكاملة، بالنظر إلى ما يمكن أن تتركه صعوبات التشخيص والتكفل المبكر من انعكاسات على المسار التعليمي والاجتماعي للأطفال.

الكشف المبكر أساس التكفل المتكامل بأطفال طيف التوحد

وأوضح زروقي أن الاهتمام الرسمي بهذه الفئة يعكس وعيا بأهمية التدخل المبكر، لاسيما أن اكتشاف مؤشرات اضطراب طيف التوحد في مراحل عمرية مبكرة يتيح للجهات المختصة تحديد احتياجات الطفل ووضع آليات مناسبة لمرافقته، مشيرا إلى أن التشخيص المبكر من شأنه أن يكشف طبيعة الصعوبات التي يواجهها الطفل، سواء تعلق الأمر باللغة والنطق أو بالقدرات المعرفية أو السلوك والتفاعل الاجتماعي، وهو ما يسمح بتوجيهه نحو التكفل الملائم في الوقت المناسب.

وأبرز المتحدث أن التكفل الفعّال لا ينبغي أن يقتصر على الجانب المدرسي فقط، وإنما يتطلب رؤية شاملة تمتد إلى الأسرة والمحيط التربوي والاجتماعي، باعتبار أن الطفل يقضي جزءا مهما من حياته داخل أسرته ومدرسته، وبالتالي فإن نجاح عملية المرافقة يرتبط بمدى التنسيق بين مختلف الأطراف المعنية، بما يسمح بتوفير بيئة مستقرة ومناسبة تساعده على تطوير قدراته وتحسين اندماجه.

وأشار المختص إلى أن التجارب الدولية في مجال التكفل التربوي بالأطفال ضمن طيف التوحد تقوم أساسا على استراتيجيتين بيداغوجيتين، تتمثل الأولى في الدمج داخل الأقسام العادية إلى جانب باقي الأطفال، بما يسمح لهم بالتعلم والتفاعل في بيئة مدرسية مشتركة، ويجنبهم الشعور بالنقص أو الاختلاف عن أقرانهم، بينما تعتمد الاستراتيجية الثانية على الفصل، من خلال إنشاء أقسام خاصة ومناهج وبرامج تربوية تتلاءم مع احتياجات هذه الفئة، إلى جانب توفير معلمين ومربين مؤهلين للتعامل مع خصوصياتها.

وأضاف زروقي أن الجزائر اعتمدت خلال فترة معينة استراتيجية الدمج، غير أن التوجه الحالي يسير نحو تعزيز استراتيجية الفصل والتكفل بالأطفال ضمن أقسام خاصة، بالنظر إلى تزايد عدد الحالات التي تحتاج إلى متابعة تربوية متخصصة، معتبرا أن هذا الخيار يمكن أن يوفر للطفل ظروفا أكثر ملاءمة لتحسين مستواه وأدائه، خاصة في المراحل التي يكون فيها بحاجة إلى برامج وأساليب تعليمية تراعي قدراته واحتياجاته الخاصة.

وفي هذا الإطار، أوضح محدثنا أن التكفل داخل أقسام متخصصة لا يعني بالضرورة إبعاد الطفل بشكل دائم عن الوسط المدرسي العادي، وإنما يمكن أن يشكل مرحلة لتحسين قدراته اللغوية والمعرفية والسلوكية ومهاراته الاجتماعية، ثم تقييم مدى إمكانية دمجه لاحقا، وفقا لتطور حالته وقدرته على التفاعل مع المحيط المدرسي ومتطلبات المنهاج التعليمي.

كما أشار إلى أن بعض المتغيرات الاجتماعية والتكنولوجية التي يعرفها المجتمع تستدعي مزيدا من الدراسة والانتباه، لافتاً إلى الانتشار الواسع للأجهزة اللوحية وارتباط الأطفال بها منذ سن مبكرة، وما قد يرافق الإفراط في استخدامها من تأثيرات على التواصل والتفاعل الاجتماعي، مع التأكيد على ضرورة التمييز بين هذه العوامل وبين اضطراب طيف التوحد الذي يستوجب تشخيصا متخصصا.

وأكد المختص في علم الاجتماع التربوي أن ملاحظة بعض المؤشرات، مثل التأخر في الكلام أو صعوبات النطق والتواصل أو ضعف التفاعل الاجتماعي، ينبغي أن تكون دافعا إلى طلب التقييم والتشخيص المتخصص، بدل انتظار تفاقم الصعوبات أو وصول الطفل إلى سن التمدرس، مشددا على أن التدخل المبكر يرفع من فرص تحسين المهارات التي يحتاج إليها الطفل لمواصلة مساره التعليمي بصورة أفضل.

واعتبر المتحدث أن توسيع الكشف المبكر داخل المؤسسات التربوية يمكن أن يشكل خطوة مهمة في بناء قاعدة معلومات تساعد على معرفة الاحتياجات الحقيقية لهذه الفئة، وتحديد عدد الأقسام المتخصصة والموارد البشرية والتربوية اللازمة، فضلا عن توجيه الأطفال نحو الخدمات المناسبة بحسب طبيعة احتياجاتهم.

كما ثمّن انتباه الحكومة إلى هذا الملف، معتبرا أن إدراج التكفل بهذه الفئة ضمن أولويات الدخول المدرسي المقبل يمثل مكسبا للمدرسة الجزائرية والأسرة، خاصة إذا رافقته آليات عملية للتشخيص والمرافقة والتقييم المستمر، إلى جانب تأهيل المعلمين والمربين للتعامل مع الأطفال ضمن طيف التوحد وفق أساليب تربوية مناسبة.

وفي السياق ذاته، شدد على أن الأسرة تبقى طرفا أساسيا في هذه العملية، باعتبار أن التكفل المدرسي وحده لا يكفي لتحقيق النتائج المرجوة، داعيا إلى تعزيز التعاون بين الأسرة والمدرسة والجهات المختصة، وتوفير بيئة أسرية واجتماعية تساعد الطفل على تطوير مهاراته والاستفادة من البرامج التربوية والعلاجية الموجهة إليه.

وفي ختام حديثه لـ”الأيام نيوز”، أكد زروقي على أن نجاح استراتيجية التكفل بالأطفال ضمن طيف التوحد يرتبط بمدى تكامل الأدوار بين المدرسة والأسرة والقطاع الصحي والجهات المختصة، موضحا أن الكشف المبكر لا يمثل غاية في حد ذاته، وإنما يشكل مدخلا لتدخل أكثر دقة وفعالية، يتيح مرافقة الطفل في الوقت المناسب، والحد من الصعوبات التي قد تؤثر في مساره التعليمي والاجتماعي مستقبلا.

 

 

 

 

 

 

Author سهام سعدية سوماتي
صحفية بموقع الأيام نيوز، أكتب في مختلف المواضيع، متحصلة على شهادة ماستر 2 تخصص اتصال سياسي واجتماعي بجامعة الجزائر 3، و ماستر 1 تخصص سمعي بصري بالمدرسة العليا للصحافة، بدأت مساري المهني كمحررة بجريدة البصائر سنة 2017، ثم اشتغلت بجريدة الحياة وبعدها انتقلت إلى جريدة الاتحاد، كما اشتغلت في موقع "سهم ميديا" المتخصص في الشأن الاقتصادي، وكمتعاونة مختصة في متابعة الأخبار مع شبكة "سكاي نيوز"، وبعدها انتقلت إلى شبكة الأيام الجزائرية عام 2022، وفي عام 2023 تحصلت على جائزة تقديرية في مسابقة رئيس الجمهورية للصحفي المحترف.