الثلاثاء، 09 يونيو 2026 — 22 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

التكنولوجيا الذكية تقود تحول قطاع المياه في الجزائر

Author
صبرينة عيلان 04 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تختتم اليوم فعاليات الطبعة الـ21 للصالون الدولي للتجهيزات والتكنولوجيات وخدمات المياه والبيئة “SIEE Pollutec” بقصر المعارض الصنوبر البحري بالجزائر العاصمة، بعد 4 أيام من النقاشات والعروض التقنية التي عكست التحول المتسارع الذي يشهده قطاع المياه في الجزائر، سواء من حيث توسيع قدرات التحلية، أو اعتماد الحلول الرقمية والذكية في التسيير، أو تعزيز المشاريع المرتبطة بالأمن المائي والاستدامة البيئية.

وقد تحوّل هذا الموعد الدولي، الذي شهد مشاركة 170 عارضا يمثلون 16 دولة، إلى منصة لعرض الرؤية الجزائرية الجديدة في إدارة الموارد المائية، في ظل التحديات المناخية والطلب المتزايد على المياه، خاصة مع التوسع العمراني والصناعي الذي تشهده مختلف الولايات.

وفي هذا السياق، كشف وزير الري، لوناس بوزقزة عن توجه الدولة نحو إطلاق ثلاثة مصانع جديدة لتحلية مياه البحر بكل من تلمسان والشلف ومستغانم، بطاقة إنتاجية تصل إلى 300 ألف متر مكعب يوميا لكل محطة، في خطوة تعكس استمرار الجزائر في الاستثمار المكثف في مشاريع التحلية كخيار استراتيجي لضمان الأمن المائي.

معالجة المياه شرط لاستدامة التوسع الصناعي

وبخصوص هذا الموضوع، أكد البروفيسور إبراهيم موحوش، عضو المجلس الوطني للبحث العلمي والتكنولوجيا الخبير في الإقتصاد والتسيير المائي، في تصريح لـ “الأيام نيوز”، أن التوسع الذي تعرفه مشاريع معالجة المياه الصناعية في الجزائر يعكس تحولا تدريجيا في نظرة المؤسسات الاقتصادية إلى ملف المياه، من كونه مجرد جانب تقني مرتبط بالإنتاج، إلى عنصر استراتيجي يدخل ضمن معايير الاستدامة والامتثال البيئي والتنافسية الصناعية.

وأوضح موحوش أن أي توسع صناعي، خاصة في القطاعات الغذائية ذات الاستهلاك المرتفع للمياه، لا يمكن أن يستمر على المدى الطويل دون أن ترافقه منشآت فعالة لمعالجة المياه المستعملة.

وقال المتحدث في هذا السياق إن “كل توسع في الإنتاج دون معالجة مرافقة للمياه المستعملة يمكن أن يخلق ضغطًا بيئيًا إضافيا، سواء على الموارد الطبيعية أو على المحيط الحضري والزراعي القريب من المناطق الصناعية. بينما يسمح الاستثمار في محطات التطهير بتحسين صورة المؤسسة، وتقليص المخاطر التنظيمية، وضمان استمرارية النشاط في ظروف أكثر امتثالًا للمعايير البيئية”.

وأشار موحوش إلى أن وصول المجموعة الإسبانية “لانتانيا” إلى 12 مشروع في الجزائر منذ سنة 2023 ليس مجرد توسع تجاري لشركة أجنبية، بل هو مؤشر اقتصادي على وجود طلب متزايد داخل السوق الوطنية على حلول معالجة المياه الصناعية، خاصة في القطاعات التي تستعمل المياه بكثافة أو تنتج مخلفات سائلة معقدة التركيب، مثل صناعات الألبان والزيوت والصناعات الكيميائية والغذائية.

ويرى موحوش أن هذا التوجه يعكس أيضا بداية تشكل سوق بيئية صناعية جديدة في الجزائر، تقوم على خدمات الهندسة المائية، والتجهيزات التقنية، والرقمنة، والمواد الكيميائية الخاصة بالمعالجة، إلى جانب خدمات الصيانة والمراقبة المستمرة. وأضاف أن محطات التطهير الصناعية لا تتوقف عند مرحلة الإنجاز فقط، بل تحتاج إلى تشغيل دائم، ومتابعة تقنية دقيقة، وتحسين دوري للأداء، وهو ما يفتح المجال أمام تطوير كفاءات محلية ومؤسسات مختصة في هذا النشاط.

ومن زاوية أوسع، اعتبر الخبير أن تنامي مشاريع المعالجة الصناعية للمياه يرتبط مباشرة برهانات الأمن المائي في الجزائر، في ظل تزايد الضغوط على الموارد التقليدية بسبب ارتفاع الطلب الحضري والفلاحي والصناعي، إلى جانب تأثيرات التغيرات المناخية. وأوضح أن معالجة المياه المستعملة وإعادة التحكم في دورة المياه داخل المصانع أصبحت اليوم جزءا من مفهوم الحوكمة المائية، الذي يقوم على ترشيد الاستهلاك وتقليص الهدر وإعادة الاستعمال.

كما شدد موحوش على أن مشاركة “لانتانيا” في صالون “SIEE Pollutec” تمنح هذه المشاريع بعدا استراتيجيا أوسع، لأنها تضع ملف معالجة المياه الصناعية ضمن نقاش إقليمي ودولي يتعلق بالاستدامة والبنى التحتية البيئية في إفريقيا.

وأضاف أن هذا النوع من المعارض يسمح بتبادل الخبرات وعرض أحدث الحلول التكنولوجية المرتبطة بالتطهير، والمعالجة، وإعادة استعمال المياه، والامتثال للمعايير البيئية الدولية، وهو ما تحتاجه الجزائر لمواكبة التحولات العالمية في قطاع المياه.

ولا تقتصر أهمية هذه المشاريع على الولايات الساحلية فقط، بل تمتد لتشمل ولايات داخلية مثل البيض وتيارت وسعيدة والنعامة، التي ستستفيد مستقبلا من مياه البحر المحلاة عبر شبكات التحويل، بهدف تحقيق توازن مائي مستدام وتقليص الفوارق في التزويد بالمياه بين مختلف المناطق.

ويأتي ذلك في وقت أصبحت فيه الجزائر تعتمد على شبكة تضم 19 محطة تحلية، تسمح حاليا بتزويد 16 ولاية شمالية وثلاث ولايات داخلية هي البليدة والبويرة وسيدي بلعباس، ما يؤكد التحول التدريجي لتحلية مياه البحر إلى ركيزة أساسية في السياسة المائية الوطنية.

الجزائر تتجه نحو منظومة مائية أكثر مرونة واستدامة

موازاة مع ذلك، أبرز وزير الري، لوناس بوزقزة أن التحسن المسجل في وفرة المياه بعد التساقطات الأخيرة، حيث تجاوز معدل امتلاء السدود 60 بالمائة، فيما فاقت بعض السدود نسبة الامتلاء الكاملة، الأمر الذي ساهم في إنعاش الموارد الجوفية وتحسين خدمات التزويد بمياه الشرب عبر عدة مناطق. كما أشار إلى الجهود المبذولة في ولايات الجنوب، من خلال تعزيز استغلال المياه الجوفية المدعومة بمحطات نزع المعادن، خاصة في تندوف وتمنراست، إلى جانب شبكات التحويل الكبرى التي ساهمت في تقليص العجز المائي بالمنطقة.

وشكلت التكنولوجيا والرقمنة إحدى أبرز محاور الصالون، حيث تم عرض حلول ذكية تعتمد على العدادات الإلكترونية، وأنظمة التحكم عن بعد، وتقنيات رصد التسربات وترشيد الاستهلاك، في مؤشر على دخول الجزائر تدريجيا مرحلة التسيير الرقمي للموارد المائية. وفي هذا الإطار، أطلقت شركة المياه والتطهير للجزائر “سيال” تطبيقها الجديد “قطرة AI”، المعتمد على الذكاء الاصطناعي لتسيير الشبكات وتحسين كفاءة توزيع المياه والتنبؤ بالأعطال والتسربات.

وبالمناسبة أطلقت شركة المياه والتطهير للجزائر “سيال” تطبيقها “قطرة AI” المخصص للتسيير الرقمي للشبكات باستخدام الذكاء الاصطناعي، قصد رفع كفاءة توزيع المياه، ورصد الأعطال على الشبكات مع الانذار بالتسربات، بشكل يضمن استمرارية الخدمة.

ماذا نقصد بتطبيق “قطرة AI” التابع لـ “سيال”؟

يقصد بتطبيق “قطرة AI” التابع لـ “سيال” أنه منصة رقمية ذكية تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي من أجل تحسين تسيير شبكات توزيع المياه ومراقبتها بشكل أكثر دقة وفعالية، خاصة فيما يتعلق بالكشف المبكر عن التسربات، مراقبة ضغط المياه، متابعة الأعطاب التقنية، وضمان توزيع أفضل للموارد المائية داخل الشبكة. ويعمل التطبيق كنوع من “العقل الرقمي” الذي يسمح بتحليل بيانات الشبكة بشكل لحظي، ما يساعد المؤسسة على اكتشاف الاختلالات قبل تفاقمها، وتوقع مناطق الضغط أو الانقطاعات، وتقليص ضياع المياه داخل القنوات، إلى جانب تسريع التدخلات التقنية في حالات الطوارئ.

ويعتمد هذا النظام على دمج الذكاء الاصطناعي مع تحليل البيانات الضخمة وأجهزة الاستشعار الذكية والخرائط الرقمية للشبكات، إضافة إلى تقنيات التنبؤ بالأعطال والصيانة الاستباقية.

كما يندرج مشروع “قطرة AI” ضمن توجه الجزائر نحو رقمنة قطاع المياه وتحديث البنية التحتية، في ظل التحديات المرتبطة بندرة الموارد المائية والتغيرات المناخية وارتفاع الطلب على التزود بالمياه.

هذا وسمح الصالون بإبراز دور المؤسسات الوطنية الفاعلة في القطاع، على غرار الوكالة الوطنية للموارد المائية التي عرضت مشاريع حماية المدن من الفيضانات بالاعتماد على نماذج رقمية متطورة، إضافة إلى الشركة الجزائرية لتحلية المياه، فرع مجمع سوناطراك، التي قدمت حصيلة مشاريعها الاستراتيجية ودورها في تعزيز الأمن المائي الوطني.

وبين مشاريع التحلية الكبرى، وتوسيع شبكات التحويل، والاعتماد على التكنولوجيات الذكية، تعكس مخرجات “SIEE Pollutec 2026” توجها جزائريا واضحا نحو بناء منظومة مائية أكثر مرونة واستدامة، قادرة على مواجهة التقلبات المناخية وضمان تزويد مستقر بالمياه في مختلف مناطق البلاد خلال السنوات المقبلة.

وخلال تطرقه إلى التساقطات التي سجلت على المستوى الوطني خلال السنة الجارية، لفت الوزير إلى أنها سمحت بتسجيل تحسن ملحوظ في مستوى امتلاء السدود قيد الاستغلال، حيث بلغ معدل امتلائها أكثر من 60 بالمئة، فيما تجاوز بعضها نسبة 100 بالمئة بفضل الأمطار المسجلة في الفترة الأخيرة ما ساهم أيضا في انتعاش عدد من الآبار الكبرى بشكل انعكس إيجابا على الخدمة العمومية لتوزيع مياه الشرب عبر الوطن.

وفي زيارته لأجنحة المعرض، نوه الوزير بالكفاءات الوطنية الشابة والوسائل التكنولوجية والمعدات التي صارت تدمج على طول مسار استغلال الموارد المائية على غرار العدادات الذكية، والأجهزة الالكترونية التي تسمح بالتسيير الذكي مع التحكم عن بعد، وجمع المعطيات واقتصاد المياه ومكافحة التسربات.

ومن بين الأجنحة التي تم التوقف عندها جناح الوكالة الوطنية للموارد المائية، حيث استعرض مديرها العام، حسين بن موفق، أبرز المشاريع والدراسات التي تشرف عليها الهيئة كإعداد مخططات خاصة بحماية المدن المعرضة للفيضانات بالاعتماد على نماذج متطورة.

كما استمع الوزير إلى عرض حول نشاطات الشركة الجزائرية لتحلية المياه، فرع مجمع سوناطراك، وكذا انجازاتها ومشاريعها الاستراتيجية حيث أشاد بالدور المحوري الذي تضطلع به في تعزيز الأمن المائي الوطني ودعم جهود الدولة لضمان التزويد المستدام بالمياه.