الخميس، 11 يونيو 2026 — 24 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
العالم

التكنولوجيا والتطبيع.. الوجه الجديد لمشروع الشرق الأوسط الجديد

Author
ربيعة خطاب 02 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تكشف التطورات المرتبطة باتفاقيات أبراهام عن تحولٍ يتجاوز فكرة التطبيع الدبلوماسي بين الإمارات والكيان الصهيوني، نحو بناء شبكة مصالح اقتصادية وأمنية متداخلة في الخليج. وبينما تروج أبوظبي لهذا المسار باعتباره خيارا استراتيجيا لتعزيز النفوذ والاندماج في الاقتصاد العالمي، يرى منتقدون أنه أدى إلى ترسيخ حضور صهيوني متنام داخل قطاعات حساسة، بما يثير تساؤلات حول السيادة وحدود الاستقلال الاستراتيجي في المنطقة، خاصة في ظل الحرب على غزة وتزايد التوترات الإقليمية.

وفي هذا السياق أكد خبير العلاقات الدولية، أمين وافي، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن مسار التطبيع الذي شهدته المنطقة، خلال السنوات الأخيرة، تجاوز كونه مجرد خيار سياسي مرتبط بتوجهات حكومات معينة، ليصبح واقعا هيكليا متشابكا مع المصالح الاقتصادية والأمنية والتكنولوجية للدول المنخرطة فيه. وأوضح أن التراجع عن هذا المسار لم يعد مسألة قرار سياسي يمكن اتخاذه بسهولة، بل أصبح يتطلب بناء استراتيجية بديلة وشاملة قادرة على تعويض المكاسب التي ترتبت عن هذه الشراكات، سواء على المستوى الاقتصادي أو الأمني أو التقني.

وأشار أمين وافي إلى أن العديد من الدول التي دخلت في مسارات التطبيع أصبحت مرتبطة باتفاقيات معلنة وأخرى غير معلنة، ما جعل عملية الانفصال عن هذه المنظومة أكثر تعقيدا من أي وقت مضى. وأضاف أن الإشكال لا يتعلق فقط بالاتفاقيات الرسمية، وإنما أيضاً بالبنية النخبوية والسياسية والاقتصادية التي تشكلت حول هذه العلاقات، حيث نشأت شبكات مصالح ومراكز نفوذ مرتبطة بهذا التوجه، الأمر الذي يجعل أي محاولة للتراجع عنه تواجه تحديات داخلية وخارجية في آن واحد.

واعتبر أمين وافي أن عملية إدماج الكيان الصهيوني في المنظومات الاقتصادية والتكنولوجية والأمنية الإقليمية تمثل ما وصفه بـ”المقامرة الاستراتيجية”. إذ توفر هذه الشراكات مكاسب سريعة للدول المنخرطة فيها، سواء من خلال الحصول على تقنيات متطورة أو تعزيز التعاون الأمني أو الاستفادة من مشاريع اقتصادية واستثمارية مشتركة، خاصة في ظل بيئة إقليمية تتسم بدرجات عالية من الاضطراب وعدم الاستقرار.

ويرى أمين وافي أن هذه المكاسب الآنية تخفي في المقابل مخاطر استراتيجية بعيدة المدى، أبرزها تكريس حالة من الاعتمادية المتزايدة على الأطراف الخارجية. وأوضح أن الخطر لا يكمن في التعاون التقني أو التكنولوجي بحد ذاته، وإنما في إمكانية تحول هذا التعاون إلى مصدر تبعية يجعل الدول عاجزة عن اتخاذ قرارات مستقلة في القضايا الحيوية المرتبطة بأمنها القومي ومصالحها الاستراتيجية.

وأضاف أمين وافي أن التحدي الحقيقي الذي يواجه دول الخليج والدول المنخرطة في هذه الترتيبات لا يتعلق بالحصول على التكنولوجيا المتقدمة، وإنما بقدرتها على الاحتفاظ بما وصفه بـ”مفاتيح السيادة”. فالدول التي تعتمد على أنظمة أمنية أو سيبرانية أو تكنولوجية مستوردة بشكل كامل، قد تجد نفسها مستقبلاً أمام ضغوط سياسية أو اقتصادية تحد من هامش حركتها واستقلالية قرارها الوطني. كما حذر من احتمال أن تتحوّل بعض الأدوات التكنولوجية التي تم اقتناؤها بهدف حماية الدولة إلى وسائل ضغط أو ابتزاز سياسي، أو إلى آليات تدفع الدول للانخراط في صراعات لا تتوافق بالضرورة مع أولوياتها الوطنية.

وشدد أمين وافي على أن خيار توطين التكنولوجيا وبناء القدرات الذاتية لا يزال ممكناً من الناحية النظرية والعملية، معتبراً أنه يمثل البديل الأكثر استدامة عن الاعتماد المفرط على الشراكات الخارجية. وأوضح أن بناء منظومات وطنية في مجالات التكنولوجيا والأمن السيبراني والابتكار يتطلب استثمارات طويلة الأمد وإرادة سياسية واضحة، لكنه يظل الخيار الأنجع لضمان الاستقلالية الاستراتيجية للدول. غير أنه تساءل في المقابل عمن يملك الجرأة السياسية لتحمّل كلفة هذا الخيار واتخاذ قرار السير في طريق الاستقلال التكنولوجي الكامل، خاصة في ظل الإغراءات والمكاسب السريعة التي توفرها الشراكات القائمة.

وعند حديثه عن اتفاقيات أبراهام، أكد أمين وافي أنها لا يمكن اختزالها في مفهوم السلام أو التطبيع التقليدي، بل تمثل مشروعا أوسع لإعادة ترتيب البيئة الإقليمية وفق مقاربات أمنية واستراتيجية جديدة. ويرى أن هذه الاتفاقيات أسهمت بالفعل في إعادة تشكيل موازين القوى والتحالفات داخل المنطقة، وفتحت المجال أمام أنماط جديدة من التعاون الاقتصادي والتكنولوجي والأمني بين عدد من الأطراف الإقليمية.

لكن أمين وافي حذر في الوقت ذاته من أن هذه الترتيبات قد تؤدي إلى بروز أشكال جديدة من التنافس والصراع الإقليمي. فبدلاً من الحروب التقليدية المباشرة، يتوقع أن تتجه المنطقة نحو ما يشبه “الحرب الباردة الإقليمية”، حيث تصبح التكنولوجيا المتقدمة والممرات التجارية والبنى التحتية الرقمية والأنظمة السيبرانية أدوات رئيسية للتنافس وفرض النفوذ بين القوى المختلفة.

وأضاف أمين وافي أن القوى الإقليمية الكبرى غير المنخرطة في هذه التحالفات، قد تتجه إلى تعزيز سياسات الاعتماد على الذات وتطوير منظومات أمنية واقتصادية وتكنولوجية مستقلة، في محاولة لمواجهة التحولات الجارية وفرض توازنات جديدة في المنطقة. كما لم يستبعد أن تدفع هذه التطورات بعض الأطراف إلى تبني سياسات أكثر تصعيداً بهدف تغيير الوقائع التي أفرزتها التحالفات الجديدة.

وأكد أمين وافي على أن الخاسر الأكبر من هذه الترتيبات، وفق رؤيته، هو العالم العربي الذي يجد نفسه في كثير من الأحيان طرفاً متأثراً بالتحولات أكثر من كونه فاعلاً رئيسيا في صياغتها. واعتبر أن المشروع الإبراهيمي يمثل، من وجهة نظره، شكلاً جديداً من أشكال التبعية وإعادة إنتاج النفوذ الخارجي في المنطقة، ويرى أنه يجسد بصورة عملية الأفكار المرتبطة بمشروع “الشرق الأوسط الجديد” الذي طُرح في مراحل سابقة، معتبرا أن مستقبل المنطقة سيبقى رهيناً بمدى قدرة دولها على تحقيق توازن بين الانفتاح على الشراكات الخارجية والحفاظ على استقلالية القرار الوطني والسيادة الاستراتيجية.