الأحد، 19 يوليو 2026 — 2 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
العالم

التكوين العسكري في الجزائر.. رهان استراتيجي لتعزيز الجاهزية ومواكبة حروب المستقبل

Author
ربيعة خطاب 09 يوليو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تواصل الجزائر تعزيز منظومة التكوين العسكري باعتبارها إحدى الركائز الأساسية لتطوير قدرات الجيش الوطني الشعبي ومواكبة التحولات المتسارعة التي تشهدها البيئة الأمنية الإقليمية والدولية. وفي ظل التطور الكبير الذي عرفته طبيعة الحروب الحديثة، والتي أصبحت تعتمد بشكل متزايد على التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية والفضاء السيبراني، برزت الحاجة إلى مراجعة مناهج التكوين العسكري بما يضمن إعداد ضباط يمتلكون الكفاءة العلمية والعملية اللازمة للتعامل مع مختلف التحديات الأمنية المستجدة. وفي هذا السياق، أكد الفريق أول السعيد شنڨريحة، الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع الوطني، رئيس أركان الجيش الوطني الشعبي، خلال زيارته إلى الأكاديمية العسكرية لشرشال عشية حفل التخرج السنوي للدفعات، أن منظومة التكوين العسكري في الجزائر حققت مستويات متقدمة بفضل الاهتمام الذي توليه القيادة العليا للجيش لهذا القطاع، مشددا على ضرورة تكوين ضباط قادرين على استيعاب مفاهيم القتال الحديثة والتحكم في التقنيات العسكرية المتطورة، بما يعزز جاهزية المؤسسة العسكرية لمواجهة التهديدات الراهنة والمستقبلية.

في هذا السياق أكد الدكتور محمد صالح جمال، المختص في العلاقات الدولية، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن منظومة التكوين العسكري في الجزائر شهدت خلال السنوات الأخيرة تطورا نوعيا يعكس الرؤية الاستراتيجية التي تتبناها القيادة العليا للجيش الوطني الشعبي، والتي تضع الاستثمار في المورد البشري في صدارة أولوياتها. وأوضح أن قوة الجيوش الحديثة لم تعد تقاس فقط بما تمتلكه من تجهيزات وأسلحة متطورة، وإنما أيضا بقدرتها على إعداد كفاءات بشرية مؤهلة تمتلك المعرفة العلمية والمهارات العملياتية اللازمة للتعامل مع مختلف التحديات الأمنية.

 

وأشار الدكتور محمد صالح جمال إلى أن فلسفة التكوين العسكري في الجزائر عرفت تحولا عميقا، حيث تجاوزت المفهوم التقليدي الذي كان يرتكز على التكوين النظري والتدريب الميداني فقط، لتتبنى مقاربة متكاملة تجمع بين التأهيل الأكاديمي والتكوين التقني والتدريب العملياتي. ويرى أن هذه المنهجية الجديدة تساهم في إعداد ضباط يمتلكون القدرة على التحليل واتخاذ القرار في الظروف المعقدة، بما يضمن جاهزية المؤسسة العسكرية للتعامل مع مختلف السيناريوهات الأمنية.

 

وأوضح الدكتور محمد صالح جمال أن الأكاديمية العسكرية لشرشال تجسد هذا التحول، بعدما أصبحت مؤسسة تجمع بين الانضباط العسكري والتكوين الجامعي المتخصص، مع الحرص على مواكبة أحدث المناهج المعتمدة في كبرى المؤسسات العسكرية. وأضاف أن تحديث البرامج البيداغوجية، وإدماج وسائل المحاكاة الحديثة، والاستعانة بكفاءات وطنية ذات خبرة، أسهم في الارتقاء بمستوى التكوين وإعداد إطارات عسكرية تمتلك الكفاءة العلمية والاحترافية اللازمة لتحمل المسؤوليات القيادية.

 

وأضاف الدكتور محمد صالح جمال أن نجاح منظومة التكوين العسكري يعود أيضا إلى الاهتمام المتواصل الذي توليه القيادة العليا للجيش الوطني الشعبي لتطوير العنصر البشري، باعتباره الركيزة الأساسية التي تقوم عليها فعالية المؤسسة العسكرية. كما أكد أن الاستفادة من الخبرة الميدانية التي راكمها الجيش الوطني الشعبي في حماية الحدود، ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، جعلت برامج التكوين أكثر ارتباطا بالواقع الأمني، وهو ما عزز جاهزية الضباط للتعامل مع التهديدات الفعلية التي تواجه البلاد.

 

وفي حديثه عن التحولات العالمية، أكد الدكتور محمد صالح جمال أن طبيعة الصراعات المسلحة تغيرت بشكل جذري خلال السنوات الأخيرة، بعدما أصبحت التكنولوجيا عاملا حاسما في إدارة العمليات العسكرية. وأوضح أن الاعتماد المتزايد على الطائرات المسيّرة، وأنظمة الذكاء الاصطناعي، والحرب الإلكترونية، والفضاء السيبراني، فرض على مختلف الجيوش إعادة النظر في مناهجها التكوينية حتى تتمكن من مواكبة التطورات المتسارعة التي يشهدها المجال العسكري.

 

ويرى الدكتور محمد صالح جمال أن مواصلة تحديث البرامج التعليمية داخل المؤسسات العسكرية الجزائرية أصبحت ضرورة استراتيجية، وذلك من خلال إدماج تخصصات مرتبطة بالتكنولوجيا الرقمية، وأمن المعلومات، وتحليل البيانات، وأنظمة القيادة والسيطرة، إلى جانب توسيع استخدام تقنيات المحاكاة والتدريب الذكي. وأكد أن هذه الوسائل توفر بيئة تدريبية متقدمة تساعد على إعداد ضباط قادرين على التعامل مع مختلف الأنظمة التكنولوجية الحديثة بكفاءة عالية.

 

وأضاف الدكتور محمد صالح جمال أن التكوين العسكري العصري لا ينبغي أن يركز فقط على اكتساب المهارات التقنية، وإنما يجب أن يحافظ في الوقت ذاته على ترسيخ القيم العسكرية الأصيلة، وفي مقدمتها الانضباط، وروح المسؤولية، والقيادة، والالتزام بالواجب الوطني. وأشار إلى أن الجمع بين المعرفة العلمية والأخلاق العسكرية يمثل الضمان الحقيقي لبناء ضابط قادر على قيادة الوحدات العسكرية بكفاءة في مختلف الظروف.

وأكد الدكتور محمد صالح جمال أن ضابط المستقبل مطالب اليوم بأن يجمع بين الكفاءة العسكرية والخلفية العلمية والقدرة على توظيف التكنولوجيا في إدارة العمليات. كما ينبغي أن يمتلك مهارات التحليل الاستراتيجي، وسرعة اتخاذ القرار، وإدارة الأزمات، والتكيف مع البيئات العملياتية المعقدة، فضلا عن الإلمام بمجالات الحرب السيبرانية والذكاء الاصطناعي، التي أصبحت تمثل أحد أهم ميادين الصراع في القرن الحادي والعشرين. ولذلك، فإن التكوين المستمر لم يعد خيارا، بل أصبح ضرورة تفرضها سرعة التطور التكنولوجي.

وفي تقييمه لمستقبل التكوين العسكري، أوضح الدكتور محمد صالح جمال أن التحولات الأمنية التي يعرفها المحيط الإقليمي والدولي تستوجب مواصلة تطوير منظومة التكوين العسكري وفق رؤية استشرافية تستند إلى التطور العلمي والتكنولوجي. وأكد أن التهديدات الحالية لم تعد تقتصر على المواجهات العسكرية التقليدية، بل امتدت إلى الإرهاب، والجريمة المنظمة العابرة للحدود، والهجمات السيبرانية، ومحاولات استهداف المنشآت والبنى التحتية الحيوية، وهو ما يفرض إعداد أفراد عسكريين يمتلكون تكوينا شاملا ومتعدد الاختصاصات.

وشدد الدكتور محمد صالح جمال على أهمية مواصلة تحديث المناهج التعليمية، وتوسيع استخدام الرقمنة وتقنيات الذكاء الاصطناعي والمحاكاة في مختلف مراحل التدريب، إلى جانب تعزيز البحث العلمي العسكري وربطه بالجامعات ومراكز البحث الوطنية، بما يسمح بتطوير حلول وطنية تتماشى مع المتغيرات العالمية. كما اعتبر أن تشجيع الابتكار والاستثمار في التكوين المستمر والاستفادة من التجارب الدولية الرائدة من شأنه أن يرفع كفاءة الموارد البشرية ويعزز الجاهزية العملياتية للمؤسسة العسكرية.

واكد الدكتور محمد صالح جمال على أن الجزائر تمتلك اليوم رصيدا مهما في مجال التكوين العسكري بفضل الخبرة التي راكمها الجيش الوطني الشعبي والاهتمام الذي توليه القيادة العليا لتطوير هذا القطاع الحيوي. وأوضح أن مواصلة الاستثمار في العنصر البشري وتحديث منظومة التكوين سيضمن للمؤسسة العسكرية الحفاظ على جاهزيتها، والتكيف مع مختلف التحولات الأمنية والتكنولوجية، بما يمكنها من أداء مهامها الدستورية في حماية السيادة الوطنية وصون أمن البلاد واستقرارها.