الأحد، 14 يونيو 2026 — 27 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

التلوث الصناعي في الجزائر.. بين رهانات التنمية ومتطلبات حماية البيئة

Author
سارة حمدون 04 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تحول قطاع البيئة في العقود الأخيرة إلى واحد من أبرز القضايا العالمية التي تفرض نفسها بقوة في النقاشات الاقتصادية والتنموية في ظل توسع صناعي متسارع ساهم في تحقيق نمو اقتصادي وخلق مناصب شغل، لكنه في المقابل أفرز تحديات بيئية متزايدة تهدد صحة الإنسان واستدامة الموارد الطبيعية، وبين متطلبات التنمية الاقتصادية وضرورة الحفاظ على التوازن البيئي، يبرز التلوث الصناعي كإحدى أهم الإشكاليات التي تواجه مختلف الدول، ومنها الجزائر التي تسعى إلى بناء نموذج تنموي مستدام يوازن بين الإنتاج وحماية البيئة.

ويعد القطاع الصناعي أحد أهم محركات الاقتصاد الوطني، بالنظر إلى مساهمته في خلق القيمة المضافة ودعم الإنتاج المحلي، غير أن توسع المناطق الصناعية وتزايد الأنشطة البتروكيميائية والتحويلية والطاقوية جعل الأثر البيئي لهذه الأنشطة أكثر وضوحا، ما يستدعي تعزيز آليات الرقابة والوقاية البيئ

التلوث الصناعي..خطر يتجاوز حدود المنشأت

لا يقتصر تأثير التلوث الصناعي على محيط المصانع فقط، بل يمتد إلى الهواء والمياه والتربة، ما يجعله من أخطر أشكال التلوث البيئي، وتتمثل أبرز مصادره في الانبعاثات الغازية الناتجة عن عمليات الاحتراق الصناعي، وتصريف المياه غير المعالجة، إضافة إلى النفايات الصناعية الخاصة والخطرة، فضلا عن المخلفات الكيميائية المرتبطة بالصناعات الثقيلة.

وتؤدي هذه الملوثات إلى تدهور جودة الهواء وارتفاع تركيز الجسيمات الدقيقة والغازات السامة، كما تساهم في تلويث الموارد المائية والتربة وهو ما ينعكس مباشرة على صحة الإنسان والنظم البيئية.

وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن تلوث الهواء يعد من أكبر المخاطر البيئية على الصحة العامة، حيث يتسبب في حوالي 4.2 ملايين وفاة مبكرة سنويا نتيجة التلوث الخارجي للهواء، إضافة إلى نحو 3.2 ملايين وفاة مرتبطة بتلوث الهواء داخل المنازل، ليصل إجمالي الوفيات المرتبطة بتلوث الهواء إلى حوالي 7 ملايين وفاة سنويا، كما تشير المنظمة إلى أن نحو 99 بالمائة من سكان العالم يعيشون في مناطق تتجاوز فيها مستويات جودة الهواء الحدود الموصى بها

وتعكس هذه الأرقام حجم الخطر الذي يشكله التلوث الصناعي، خاصة في المناطق التي تعرف نشاطا صناعيا كثيفا وانبعاثات متكررة.

دراسات دولية تؤكد خطورة التلوث الصناعي

لم تعد آثار التلوث الصناعي مجرد توقعات بيئية، بل أصبحت حقيقة مدعومة بدراسات علمية دولية، فقد أظهرت تقديرات دراسة نشرت ضمن أبحاث “العبء العالمي للأمراض” (Global Burden of Disease) ودراسات علمية منشورة في مجلة The Lancet أن التلوث بجميع أشكاله مسؤول عن ملايين الوفيات سنويا حول العالم، مع مساهمة كبيرة للتلوث الناتج عن النشاط الصناعي وإنتاج الطاقة.

كما يشير البنك الدولي إلى أن التلوث البيئي خاصة تلوث الهواء، لا يقتصر أثره على الجانب الصحي، بل يسبب خسائر اقتصادية كبيرة نتيجة ارتفاع تكاليف الرعاية الصحية وتراجع الإنتاجية وفقدان أيام العمل، ما يجعله أحد العوامل التي تؤثر بشكل مباشر على التنمية الاقتصادية للدول

وتؤكد هذه الدراسات أن التلوث الصناعي لم يعد قضية بيئية فقط، بل أصبح قضية تنموية وصحية واقتصادية في آن واحد، تتطلب مقاربة شاملة تقوم على الوقاية والتحكم في مصادر التلوث.

هشام عداد: التوازن بين التنمية والبيئة ضرورة حتمية

وفي هذا السياق، أوضح المختص في البيئة والأخطار الصناعية هشام عداد أن العالم يشهد توسعا صناعيا متسارعا فرض تحديات بيئية متزايدة أصبحت من أبرز القضايا المطروحة على المستويين الدولي والوطني

وأكد أن الأنشطة الصناعية رغم دورها في تحقيق النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل، أفرزت أثارا بيئية سلبية تمس جودة الهواء والمياه والتربة وتنعكس بشكل مباشر على صحة الإنسان واستقرار الأنظمة البيئية

وأشار إلى أن الجزائر، مثلها مثل العديد من الدول، واجهت هذه الإشكالية مع توسع النشاط الصناعي واتساع المناطق الصناعية، ما استدعى تبني إطار قانوني وتنظيمي يهدف إلى تحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة

وأضاف أن أبرز الأخطار الصناعية تتمثل في الانبعاثات الغازية، وتصريف المياه الصناعية غير المعالجة وإنتاج النفايات الخاصة والخطرة، إضافة إلى التلوث المرتبط بالأنشطة البترولية والكيميائية، وهو ما قد يؤدي إلى ارتفاع معدلات الأمراض التنفسية وتدهور الموارد الطبيعية وفقدان التنوع البيولوجي

كما شدد على أن تحقيق التنمية الصناعية المستدامة يتطلب الاستثمار في التكنولوجيا النظيفة وتطوير أنظمة المراقبة البيئية وتشجيع إعادة التدوير وترشيد استهلاك الموارد، معتبرا أن حماية البيئة لم تعد مسؤولية الدولة فقط، بل مسؤولية جماعية تشمل المؤسسات والمجتمع.

الإطار القانوني البيئي في الجزائر

اعتمدت الجزائر منظومة قانونية تهدف إلى تنظيم العلاقة بين النشاط الصناعي وحماية البيئة، ويعد القانون رقم 03-10 المؤرخ في 19 يوليو 2003 والمتعلق بحماية البيئة في إطار التنمية المستدامة من أهم هذه النصوص، حيث يكرس مبادئ الوقاية والاحتياط والمسؤولية البيئية ومبدأ “الملوث يدفع”

كما تم تدعيم هذا الإطار بنصوص تنظيمية تحدد شروط إنشاء واستغلال المؤسسات المصنفة لحماية البيئة، وتفرض إعداد دراسات التأثير البيئي قبل إطلاق المشاريع الصناعية. ومن بين هذه النصوص المرسوم التنفيذي رقم 06-198 الذي ينظم المؤسسات المصنفة لحماية البيئة.

يتيح هذا النظام القانوني للسلطات المختصة بمراقبة مدى التزام المؤسسات الصناعية بالمعايير البيئية واتخاذ الإجراءات اللازمة في حال تسجيل تجاوزات

مؤشرات وطنية وتحديات ميدانية

تشهد الجزائر توسعا متواصلا في النشاط الصناعي في إطار سياسة تنويع الاقتصاد الوطني وتقليل الاعتماد على المحروقات، وهو ما يفرض تحديات بيئية متزايدة تتعلق بمراقبة الانبعاثات الصناعية وتسيير النفايات الخاصة والخطرة

وتنتج مختلف القطاعات الصناعية كميات معتبرة من النفايات، بعضها يصنف ضمن النفايات الخاصة والخطرة التي تتطلب معالجة دقيقة وتقنيات متطورة لتفادي تأثيراتها على التربة والمياه الجوفية والوسط الطبيعي

كما أن المناطق الصناعية الكبرى والمركبات البتروكيميائية تشكل فضاءات حساسة بيئيا بسبب طبيعة الأنشطة التي تحتضنها، ما يستدعي تعزيز أنظمة المراقبة والتفتيش البيئي بشكل مستمر.

ويرى مختصون أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في وجود القوانين، بل في مدى تطبيقها ميدانيا، من خلال تشديد الرقابة، وتحديث أنظمة الرصد البيئي، وتعزيز ثقافة الالتزام داخل المؤسسات الصناعية.

الصناعة الخضراء:خيار استراتيجي للمستقبل

في ظل التحولات العالمية والتغيرات المناخية، أصبح التوجه نحو الصناعة الخضراء خيارا استراتيجيا لا بديل عنه ويقوم هذا النموذج على اعتماد تقنيات إنتاج نظيفة تقلل من استهلاك الطاقة والمياه وتحد من الانبعاثات الغازية، مع تعزيز إعادة التدوير وتثمين النفايات الصناعية.

وتشير المعطيات الدولية إلى أن الاستثمار في التكنولوجيا النظيفة يساهم في تقليل المخاطر الصحية والبيئية، ويعزز في الوقت نفسه تنافسية المؤسسات الصناعية، خاصة مع تزايد اشتراطات الأسواق الدولية المتعلقة بالبصمة الكربونية والمعايير البيئية.

في هذا الاطار، يؤكد هشام عداد أن الانتقال نحو الصناعة الخضراء لم يعد خيارا تقنيا فقط، بل أصبح ضرورة اقتصادية وبيئية في ظل الضغط المتزايد على الموارد الطبيعية وارتفاع كلفة التلوث الصناعي، مشيرا إلى أن تبني هذا النموذج يفرض إعادة هيكلة عميقة للقطاع الصناعي من خلال الاستثمار في الابتكار والتكنولوجيا النظيفة.

وفي الجزائر، يندرج تطوير الطاقات المتجددة وتشجيع الاقتصاد الدائري ضمن الجهود الرامية إلى بناء نموذج تنموي أكثر استدامة، قادر على تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي وحماية البيئة.

حماية البيئة مسؤولية جماعية

لم تعد حماية البيئة مسؤولية الدولة وحدها، بل أصبحت مسؤولية جماعية تتطلب تضافر جهود مختلف الفاعلين، من مؤسسات صناعية وهيئات رقابية ومجتمع مدني ومواطنين.

فالتنمية الحقيقية لا تقاس فقط بمؤشرات النمو الاقتصادي، بل أيضا بمدى قدرة المجتمع على حماية موارده الطبيعية وضمان بيئة سليمة للأجيال القادمة.

وبين رهانات التنمية ومتطلبات حماية البيئة، يظل التحدي الأساسي هو بناء نموذج صناعي متوازن يحقق النمو الاقتصادي دون المساس بالمنظومة البيئية، بما يضمن استدامة التنمية في الجزائر على المدى الطويل.

أن حماية البيئة لم تعد مسؤولية الدولة وحدها، بل أصبحت مسؤولية جماعية تتطلب تضافر جهود مختلف الفاعلين، من مؤسسات صناعية وهيئات رقابية ومجتمع مدني ومواطنين.

هذا وأوضح المصدر ذاته أن الانتقال نحو حماية بيئية فعالة لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال إشراك كل الفاعلين، لأن التحديات البيئية اليوم معقدة ومترابطة ولا يمكن لأي طرف مواجهتها بمفرده، مضيفا أن نجاح السياسات البيئية مرتبط بمدى وعي المجتمع الصناعي والمواطن بأهمية الحفاظ على الموارد الطبيعية.

فالتنمية الحقيقية لا تقاس فقط بمؤشرات النمو الاقتصادي بل أيضا بمدى قدرة المجتمع على حماية موارده الطبيعية وضمان بيئة سليمة للأجيال القادمة.

وبين رهانات التنمية ومتطلبات حماية البيئة، يظل التحدي الأساسي هو بناء نموذج صناعي متوازن يحقق النمو الاقتصادي دون المساس بالمنظومة البيئية، بما يضمن استدامة التنمية في الجزائر على المدى الطويل.

Author سارة حمدون
كاتبة و صحفية جزائرية في مختلف الوسائط، محررة مقالات متنوعة و مقدمة و صانعة محتوى، أركز في أعمالي على معالجة القضايا بأسلوب مهني و قريب من المتلقي