الخميس، 13 أغسطس 2026 — 27 صفر 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

التنمّر المدرسي… أزمة صامتة داخل المؤسسات التربوية

Author
بثينة صايفي 04 أغسطس 2026
X Facebook TikTok Instagram

لم يعد التنمّر المدرسي مجرد تصرف عابر بين الأطفال، بل تحوّل إلى سلوك يثير قلق الأسر والمربين لما يخلفه من آثار نفسية وتربوية قد تمتد إلى شخصية الطفل ومستقبله الدراسي والاجتماعي، وبينما تتعدد صوره داخل الأقسام والساحات المدرسية، تتباين أيضا أسبابه بين ضعف الوعي، وتأثير المحيط الأسري والاجتماعي، وتقليد السلوكيات السلبية.

التنمّر.. سلوك متزايد وليس ظاهرة مثبتة
وفي هذا السياق، يؤكد الخبير التربوي، إسماعيل ذبيح، أن المؤسسات التربوية تشهد في السنوات الأخيرة تزايدا ملحوظا في سلوكيات التنمّر بين الأطفال، غير أنه يرفض تصنيفه في الوقت الراهن على أنه “ظاهرة” بالمعنى العلمي للكلمة، موضحا أن إطلاق هذا الوصف يستوجب الاستناد إلى دراسات ميدانية وإحصاءات دقيقة وتحليلات علمية تثبت حجم انتشاره وأسبابه وتداعياته، وهو ما يجعل الحديث حاليا ينحصر في ارتفاع هذا السلوك وليس في تحوّله إلى ظاهرة مجتمعية مؤكدة.


وأشار إلى أن هذا التمييز بين “السلوك” و”الظاهرة” لا يقلل من خطورة التنمّر، بل يهدف إلى التعامل معه وفق مقاربة علمية دقيقة، بعيدا عن التهويل أو التهوين، فارتفاع حالات التنمّر داخل المؤسسات التربوية يعد مؤشرا يستوجب الاهتمام والبحث، لما يتركه من آثار نفسية وتربوية قد تمتد إلى شخصية الطفل وعلاقاته الاجتماعية ومساره الدراسي.
وأضاف ذبيح أن تنامي هذا السلوك يفرض على الأسرة والمدرسة ومختلف الفاعلين في المجال التربوي الوقوف عند أسبابه الحقيقية، والعمل على معالجتها من جذورها، بدلاً من الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها، ويرى أن فهم الدوافع التي تدفع الطفل إلى ممارسة التنمّر يمثل الخطوة الأولى لبناء برامج وقائية فعالة، تقوم على التربية والتوعية وغرس القيم الإيجابية داخل الأسرة والمؤسسة التعليمية.
وأكد أن مواجهة التنمّر لا ينبغي أن تقتصر على العقوبات والإجراءات التأديبية، وإنما يجب أن تعتمد أيضا على التشخيص العلمي، والرصد المستمر، وتوفير بيئة مدرسية آمنة تعزز الاحترام المتبادل والتسامح وقبول الاختلاف بين الأطفال، بما يسهم في الحد من هذا السلوك قبل أن يتفاقم أو يتحوّل إلى ظاهرة تستدعي تدخلات أكثر تعقيدا.

الجهل بخطورة التنمّر وراء انتشاره
أرجع الخبير التربوي، إسماعيل ذبيح، السبب الرئيسي لارتفاع سلوك التنمّر بين الأطفال إلى غياب الوعي بحقيقة هذا السلوك وآثاره، موضحا أن كثيرا من الأطفال لا يدركون أن ما يعتبرونه مزاحا أو وسيلة لإضحاك زملائهم قد يتحول إلى أذى نفسي عميق يرافق الضحية لفترات طويلة، فالطفل المتنمّر، بحسب ذبيح، لا يقصد في كثير من الأحيان إلحاق الضرر بالآخرين، بل يعتقد أن السخرية أو إطلاق الألقاب أو إحراج زميله أمام الآخرين يدخل في إطار اللعب والتسلية.
وأضاف أن هذا الجهل يجعل الطفل يستهين بخطورة الكلمات التي يوجهها إلى أقرانه، غير مدرك لما قد تسببه من إحساس بالإهانة أو الحزن أو فقدان الثقة بالنفس لدى الطرف الآخر. كما أن الضحك الجماعي الذي قد يرافق مواقف التنمّر يعزز لدى الطفل المتنمّر الاعتقاد بأن ما يقوم به مقبول أو مسلٍ، فيستمر في تكرار هذا السلوك دون الشعور بخطئه أو بعواقبه.
وأشار ذبيح إلى أن آثار التنمّر لا تتوقف عند اللحظة التي يقع فيها، بل قد تمتد إلى مختلف جوانب حياة الطفل المستهدف، فتؤثر في شخصيته وتضعف ثقته بنفسه، وقد تدفعه إلى العزلة والانطواء أو فقدان الرغبة في الذهاب إلى المدرسة، كما تنعكس سلبا على تحصيله الدراسي وعلاقاته الاجتماعية، وتحد من قدرته على تنمية مهاراته والتفاعل الإيجابي مع محيطه.
وأكد أن مواجهة هذه المشكلة تبدأ بتوعية الأطفال منذ سن مبكرة بمعنى التنمّر وأشكاله وآثاره، وتعليمهم أن الكلمة الجارحة قد تكون مؤذية بقدر الأذى الجسدي، وأن احترام مشاعر الآخرين يمثل قيمة تربوية وأخلاقية ينبغي غرسها داخل الأسرة وتعزيزها في المدرسة، حتى يدرك الطفل أن المزاح لا يكون على حساب كرامة الآخرين أو سلامتهم النفسية.

الأطفال يكررون قاموس الكبار
وأشار الخبير التربوي إلى أن كثيرا من ألفاظ التنمّر لا يبتكرها الأطفال، وإنما يقتبسونها من محيطهم الاجتماعي، سواء داخل الأسرة أو الحي أو المدرسة، أو من خلال وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي. وأوضح أن الطفل يوظف كلمات وتعليقات وتوصيفات يسمعها من الكبار، دون أن يدرك دلالاتها أو آثارها، لأنه في هذه المرحلة العمرية لا يمتلك القدرة على التمييز بين المقبول والمرفوض أو بين الألفاظ الجارحة والمهذبة.
وأضاف أن الطفل قد يستخدم أوصافا تتعلق بالشكل أو اللون أو الإعاقة أو حتى ألفاظا بذيئة وعبارات سب وشتم، ليس لأنه يعي معناها، وإنما لأنه اعتاد سماعها في محيطه، فيعيد إنتاجها داخل المدرسة باعتبارها جزءا من قاموسه اللغوي اليومي.
ويرى ذبيح أن الوقاية من التنمّر تبدأ من الأسرة قبل المدرسة، من خلال غرس القيم الأخلاقية في نفوس الأطفال، وفي مقدمتها الاحترام والتقدير وحسن التعامل مع الآخرين. وأكد أن ترسيخ هذه القيم لا يتحقق بالمواعظ والخطب فقط، وإنما بالسلوك اليومي للكبار، متسائلاً: هل يحترم الآباء والمعلمون الأطفال؟ وهل يخاطبونهم بالكلمات الطيبة ويقدّرون مشاعرهم؟ أم أنهم يستخدمون ألفاظا قاسية وجارحة تنعكس لاحقا على سلوك الأبناء؟ مشددا على أن الطفل يتعلم بالقدوة أكثر مما يتعلم بالكلام.

التوعية بلغة يفهمها الطفل
وأشار ذبيح إلى أن حملات التوعية ينبغي أن تراعي الخصائص العمرية للأطفال، وأن تُقدَّم بلغة قريبة من إدراكهم، واقترح ربط السلوكيات الإيجابية بالقيم الدينية، من خلال توضيح أن الكلمات الجارحة والتصرفات المسيئة لا يحبها الله، وأن حسن الخلق واحترام الآخرين من القيم التي يدعو إليها الدين، معتبرا أن هذا الأسلوب يترك أثراً أكبر في نفس الطفل من الخطاب الوعظي المباشر.
ومن بين الوسائل التربوية الفعالة، دعا ذبيح إلى اعتماد أسلوب “لعب الأدوار”، من خلال وضع الطفل الذي يمارس التنمّر في مكان الضحية، حتى يشعر بالأثر النفسي للكلمات الجارحة. وأوضح أن هذه المحاكاة تساعد الطفل على تنمية التعاطف مع الآخرين، وفهم مشاعرهم، وإدراك حجم الأذى الذي قد تسببه كلمة أو سخرية عابرة، ما يسهم في تعديل سلوكه بطريقة عملية.

تعزيز ثقة الضحية بنفسها
كما شدد ذبيح على ضرورة الاهتمام بالأطفال الذين يتعرضون للتنمّر بصورة متكررة، خاصة أولئك الذين يعانون من إعاقة أو اختلاف جسدي أو أي سمة تجعلهم عرضة للسخرية، مؤكدا أن الوقاية لا تقتصر على معاقبة المتنمّر، بل تشمل أيضا تقوية شخصية الضحية، من خلال غرس الثقة بالنفس، وتدريب الطفل على كيفية التعامل مع المواقف المسيئة والرد عليها بطريقة سليمة، بما يعزز شعوره بالأمان وبأنه لا يقل قيمة عن أقرانه مهما كانت ظروفه أو اختلافاته.

مواجهة التنمّر مسؤولية الأسرة والمدرسة
واختتم ذبيح بالتأكيد على أن الحد من التنمّر داخل المؤسسات التربوية يتطلب تكامل الأدوار بين الأسرة والمدرسة والمجتمع، من خلال توفير بيئة تربوية قائمة على الاحترام والتسامح، وتعزيز ثقافة الحوار، وغرس القيم الأخلاقية في نفوس الأطفال منذ الصغر، بما يسهم في بناء جيل أكثر وعيا واحتراما للآخرين.