الأربعاء، 14 أكتوبر 2026 — 1 جمادى الأولى 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
✕
Journal
الجزائر

التنوع البيولوجي في الجزائر.. معركة التنفيذ تبدأ من الغابة والساحل والصحراء

Author
سارة حمدون 30 سبتمبر 2026
X Facebook TikTok Instagram

أودعت الجزائر استراتيجيتها الوطنية للتنوع البيولوجي للفترة 2025-2030 لدى أمانة اتفاقية الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي، في خطوة تضع ملف حماية النظم البيئية ضمن مسار دولي أكثر ارتباطا بالمتابعة والتقييم، وبينما تحدد الوثيقة أهدافا تمتد من حماية الأنواع واستعادة الأوساط الطبيعية إلى إدماج التنوع البيولوجي في الفلاحة والطاقة والعمران والصناعة، يبرز سؤال أكثر ارتباطا بالواقع حول كيفية تحول هذه الالتزامات إلى نتائج يمكن قياسها في الغابات والمناطق الرطبة والسهوب والسواحل والصحراء.

فالرهان خلال السنوات المقبلة يرتبط بقدرة الاستراتيجية على الانتقال من صياغة الأهداف إلى بناء منظومة للرصد والتمويل والتدخل، خاصة في ظل الضغوط التي تواجهها النظم البيئية الجزائرية بفعل الحرائق والتصحر والتمدن وتغيّر المناخ والاستغلال المكثف للموارد الطبيعية. وفي قراءة لهذا التحول، يوضح الباحث في البيئة والعمران، خالد فوضيل، في تصريحه لجريدة “الأيام نيوز”، أن قيمة الخطوة تكمن في ربط الالتزامات الوطنية بالإطار التنفيذي الدولي المرتبط بمخرجات اتفاق كونمينغ-مونتريال.

استراتيجية بأهداف رقمية ومسؤولية تتجاوز قطاع البيئة

درست الحكومة في يونيو 2026 مشروع الاستراتيجية الوطنية للتنوع البيولوجي وخطة العمل المرتبطة بها، انسجاما مع الإطار العالمي لكونمينغ-مونتريال، وتستهدف الوثيقة وقف تدهور النظم الإيكولوجية، حماية الأنواع المهددة، إعادة تأهيل الأوساط المتدهورة، وتحسين خدمات النظم البيئية مع إدماج رهانات التنوع البيولوجي في السياسات القطاعية وتعزيز مشاركة الجماعات المحلية والمجتمع المدني والقطاع الاقتصادي.

وتظهر أهمية الاستراتيجية في طبيعة أهدافها الكمية، فالمعطيات المدرجة لدى أمانة اتفاقية التنوع البيولوجي تحدد هدفا وطنيا يتمثل في المحافظة على ما لا يقل عن 20 بالمئة من المناطق البرية و5 بالمئة من المناطق البحرية والساحلية، إلى جانب استعادة النظم البيئية الطبيعية في مساحة لا تقل عن خمسة ملايين هكتار، كما تتضمن أهدافا مرتبطة بالمتابعة والتقييم عبر نظام معلومات جغرافي مشترك وإدماج التكيف مع تغير المناخ ومكافحة التصحر في إدارة النظم البيئية.

ويكتسب هذا البعد الرقمي أهمية خاصة، لأن قياس نجاح السياسات البيئية يحتاج إلى مؤشرات مرتبطة بمساحة الموائل المستعادة، حالة الأنواع، جودة المياه، سلامة الغطاء النباتي ومدى فعالية المناطق المحمية في الميدان.

في هذا الإطار، يشير خالد فوضيل، الباحث في مجال البيئة والعمران، إلى أن إيداع الاستراتيجية لدى الأمانة الأممية يمثل انتقالا من الالتزام البيئي العام إلى إطار تنفيذي دولي، مع إمكانية الاستفادة من قنوات التمويل والتعاون التقني المتخصصة في التنوع البيولوجي، كما يربط الباحث هذه المرحلة بمسؤولية تحيين وتفعيل النصوص القانونية ذات الصلة وإدماج الاعتبارات البيئية في القرارات التنموية.

من حرائق الغابات إلى تراجع الموائل.. البيئة تحت ضغط متعدد

وتأتي الاستراتيجية الجديدة في سياق بيئي تتداخل فيه عدة ضغوط، فحرائق الغابات خلال فصل الصيف تضيف عبئا على الأوساط الغابية، بينما تواجه المناطق السهبية ضغوط الرعي والتصحر، وتتأثر المناطق الرطبة بتوسع العمران واستعمالات الأراضي واستنزاف الموارد المائية.

كما يرى فوضيل أن المشهد البيئي الجزائري يتشكل تحت تأثير مزدوج للتغيرات المناخية والأنشطة البشرية، مستشهدا بمناطق غابية مثل البابور وجبال جرجرة وبجاية وجيجل، حيث تمثل الحرائق المتكررة ضغطا على الموائل الطبيعية، ويشير في هذا السياق إلى أنواع ذات قيمة بيئية كبيرة، بينها كاسر الجوز القبائلي والمكاك البربري، فضلا عن أنواع نباتية مرتبطة بالأنظمة الغابية المتوسطية.

وتأخذ المشكلة بعدا مختلفا في المناطق السهبية، حيث يربط الباحث بين الرعي المكثف وتدهور الغطاء النباتي، بينما تظهر تحديات أخرى في المناطق الرطبة الساحلية والداخلية التي تؤدي أدوارا حيوية للطيور المهاجرة والتوازنات المائية، وتؤكد الاستراتيجية نفسها أن إدارة التنوع البيولوجي ترتبط بإدارة الأنظمة البيئية ككل، وهو توجه ينسجم مع الإطار العالمي لكونمينغ-مونتريال الذي يضع التخطيط المكاني الشامل وتقليص فقدان المناطق ذات الأهمية البيئية ضمن أهدافه الأساسية.

الاختبار الحقيقي يبدأ عند المشاريع الاقتصادية

أحد أكثر التحولات أهمية في الوثيقة يتمثل في وضع التنوع البيولوجي داخل السياسات القطاعية، فالمعطيات المنشورة لدى اتفاقية التنوع البيولوجي تتضمن هدفا لإدماج التنوع البيولوجي في قطاعات الطاقة والصناعة والمناجم والفلاحة والصيد والسياحة، كما تتضمن الاستراتيجية أهدافا لتطوير آليات تمويل مخصصة للحفاظ على التنوع البيولوجي وربط الأولويات الوطنية بفرص التمويل الدولي.

ويفتح ذلك نقاشا حول طريقة تقييم المشاريع قبل إنجازها، فمشروع عمراني قريب من منطقة حساسة أو توسع فلاحي في منطقة تعاني ضغطا مائيا أو منشأة طاقوية تقع ضمن مسار أنواع مهاجرة، كلها حالات تجعل التقييم البيئي جزءا من القرار الاقتصادي ذاته.

ويقترح فوضيل في هذا الإطار توسيع العمل بالحلول القائمة على الطبيعة والتخطيط الإيكولوجي المسبق، ففي الفلاحة يمكن تعزيز استعمال الأصناف المحلية المتأقلمة مع الظروف المناخية، بينما يحتاج العمران إلى خرائط للحساسية البيئية وممرات إيكولوجية تسمح باستمرار حركة الأنواع. أما مشاريع الطاقة، يؤكد الباحث، فإن اختيار مواقعها يحتاج إلى مسوح مسبقة لمسارات هجرة الطيور وحركة الأنواع البرية، بهذه المقاربة يتحول التنوع البيولوجي من ملف تابع للسياسة البيئية إلى معيار يدخل في حسابات التخطيط الاقتصادي والعمراني.

2030.. كيف سيعرف الجزائريون أن الاستراتيجية نجحت؟

تمنح أمانة اتفاقية التنوع البيولوجي أهمية كبيرة للمؤشرات وآليات التتبع ضمن تنفيذ إطار كونمينغ-مونتريال، وتشمل المؤشرات الدولية المقترحة قياس مساحة النظم الطبيعية، حالة الأنواع، ومؤشرات المناطق المحمية واستعادة النظم المتدهورة، وتملك الجزائر بدورها هدفا صريحا يتعلق بإنشاء نظام للمعلومات الجغرافية المشتركة لمتابعة وتقييم برامج ومشاريع التنوع البيولوجي.

ويفيد خالد فوضيل بأن تقييم النتائج إلى غاية 2030 يحتاج إلى مؤشرات بيئية وحقلية دقيقة، مثل تطور حالة الأنواع المهددة واستعادة الغطاء النباتي في المناطق المتضررة من الحرائق وسلامة الموارد المائية وجودة إدارة المناطق المحمية، ويقترح الاستناد إلى مؤشرات دولية، بينها مؤشر القائمة الحمراء للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة باعتباره أداة لمتابعة اتجاهات خطر الانقراض.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة، لأن نجاح السياسة البيئية يظهر في تغير حالة النظام الطبيعي نفسه: عودة الغطاء النباتي، تحسن الموائل، استقرار الأنواع، تحسن جودة المياه، واستعادة الوظائف البيئية للمناطق المتضررة.

التمويل والبيانات.. الحلقة التي تحدد سرعة التنفيذ

تاريخ الاستراتيجيات الوطنية للتنوع البيولوجي في الجزائر يبرز حجم الجهد المؤسساتي المبذول في هذا المجال، وتشير وزارة البيئة إلى أن الاستراتيجية السابقة 2016-2030 أعدت بمشاركة واسعة شملت أكثر من 750 ممثلا عن القطاعات المعنية، إلى جانب خبراء وورشات جهوية ووطنية وقطاعية وحددت 21 هدفا و113 نشاطا، كما يبين التقرير الوطني السادس للتنوع البيولوجي أن تقييم تنفيذ الاستراتيجية السابقة اعتمد مقاربة تشاركية ومؤشرات لقياس التقدم.

وتأتي الاستراتيجية الجديدة في مرحلة تحتاج إلى تعزيز هذا المسار بأدوات أكثر ارتباطا بالبيانات المفتوحة والرصد الميداني، وفي هذا السياق، أطلقت وزارة البيئة منصة وطنية للتنوع البيولوجي بهدف جمع وتحيين المعطيات المتعلقة بالتنوع البيولوجي على المستوى الوطني، كما يعتبر فوضيل أن تطوير البحث الميداني وجرد الموارد الجينية وتأهيل المناطق المحمية يمثل جزءا أساسيا من معادلة التنفيذ، مع أهمية توفير تجهيزات حديثة وتقنيات الاستشعار عن بعد والتحليل العلمي للعينات.

المجتمع المحلي شريك في حماية ما تبقى من الموائل

تضع الاستراتيجية مسؤولية حماية التنوع البيولوجي ضمن دائرة أوسع من المؤسسات المركزية، فالوثيقة تتضمن إشراك الجماعات المحلية والمجتمع المدني والقطاع الاقتصادي، بينما تدرج الأهداف الوطنية مشاركة السكان في إدارة وحماية واستعادة وتثمين التنوع البيولوجي.

كما أكد فوضيل أن الجمعيات والجامعات يمكن أن تسهم في ما يعرف بعلوم المواطن عبر إشراك المتطوعين والباحثين في رصد الطيور والأنواع وتوثيق التعديات والتلوث والأنواع الغازية، كما يلفت إلى أهمية توجيه حملات التشجير نحو الأنواع المحلية الملائمة للخصوصيات الإيكولوجية لكل منطقة.

في المحصلة، تضع الجزائر استراتيجية جديدة للتنوع البيولوجي أمام اختبار يمتد حتى 2030، عنوانه القدرة على تحويل الأهداف إلى خرائط وبيانات ومشاريع وتمويل ومؤشرات ميدانية، وقد سجلت أمانة اتفاقية التنوع البيولوجي نشر الاستراتيجية الجزائرية 2025-2030 بتاريخ 25 سبتمبر 2026 ضمن الاستراتيجيات الوطنية المتوافقة مع إطار كونمينغ-مونتريال.

ويبقى الرهان الأهم في السنوات المقبلة مرتبطا بما ستقوله المؤشرات عن الغابة بعد الحريق والمحمية بعد تصنيفها والنظام الرطب بعد حمايته والنوع المهدد بعد وضعه ضمن برامج الحفظ، عند هذه النقطة تحديدا تتحول الاستراتيجية من وثيقة التزام إلى أداة تقاس آثارها داخل الطبيعة نفسها.

Author سارة حمدون
صحفية جزائرية في مختلف الوسائط، محررة مقالات متنوعة و مقدمة و صانعة محتوى، أركز في أعمالي على معالجة القضايا بأسلوب مهني و قريب من المتلقي
↑