الأحد، 12 أبريل 2026 — 23 شوال 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
مقالات رأي

الجاهزية العملياتية الدائمة للجيش الوطني الشعبي في مواجهة التهديدات الأمنية

Author
محمد الصالح جمال 08 أبريل 2026
X Facebook TikTok Instagram

تندرج زيارة السيد الفريق أول السعيد شنڨريحة إلى الناحية العسكرية السادسة ضمن سياق يعكس ديناميكية المؤسسة العسكرية الجزائرية في التكيف مع التحولات الأمنية المعاصرة، خاصة في الفضاءات الحدودية الجنوبية التي تمثل أحد أكثر المجالات حساسية وتعقيدا في البيئة الإقليمية. فالناحية العسكرية السادسة، ومقرها تمنراست، تعد نقطة ارتكاز جيو-استراتيجية بالنظر إلى موقعها القريب من بؤر التوتر في الساحل الإفريقي، حيث تتداخل تهديدات الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود.

تعكس هذه الزيارة ثلاثة أبعاد رئيسية. الأول يتمثل في البعد العملياتي، حيث تأتي في إطار متابعة تنفيذ المرحلة الثانية من برنامج التحضير القتالي 2025/2026، ما يدل على استمرار اعتماد الجيش الوطني الشعبي على منطق التخطيط بعيد المدى، القائم على رفع الجاهزية وتعزيز القدرة على الاستجابة السريعة لمختلف التهديدات، سواء التقليدية أو اللاتماثلية. ويؤكد ذلك التركيز في الخطاب على العمليات النوعية التي تستهدف بقايا الجماعات الإرهابية المجرمة، في إشارة إلى انتقال المؤسسة العسكرية من مرحلة المواجهة المباشرة واسعة النطاق إلى مرحلة “التطهير” القائم على العمل الاستخباراتي والضربات المركزة.

البعد الثاني يتمثل في البعد الأمني-الاقتصادي، وهو جانب بالغ الأهمية في السياق الراهن. فقد أبرزت كلمة الفريق أول السعيد شنقريحة العلاقة المركبة بين مكافحة الإرهاب ومحاربة شبكات التهريب، خاصة تهريب المخدرات، باعتبارها أحد أهم مصادر تمويل الجماعات الارهابية الإجرامية. هذا الربط يعكس تطورا في المقاربة الأمنية الجزائرية، التي لم تعد تفصل بين التهديدات الأمنية الصرفة والتحديات الاقتصادية، بل تتعامل معها كمنظومة متكاملة تستهدف استقرار الدولة في أبعاده الشاملة. وفي هذا الإطار، يظهر التنسيق الوثيق بين الجيش ومصالح الأمن كآلية فعالة لإحباط هذه الشبكات وتفكيك بنيتها.

أما البعد الثالث، فهو البعد المعنوي والمؤسساتي، حيث حملت الزيارة رسائل رمزية قوية، بدءا من الترحم على روح المجاهد “هيباوي الوافي”، وصولا إلى تدشين مقر جديد للناحية. هذه الرمزية تعكس استمرارية الذاكرة الوطنية داخل المؤسسة العسكرية، وترسيخ قيم الانتماء والتضحية لدى الأفراد، وهو ما يشكل أحد أهم عناصر التماسك الداخلي.

في سياق أوسع، يمكن قراءة هذه الزيارة كجزء من استراتيجية شاملة يتبناها الجيش الوطني الشعبي لتعزيز موقع الجزائر كفاعل إقليمي في مجال الاستقرار ومكافحة التهديدات العابرة للحدود. فالتأكيد على جاهزية التشكيلات العملياتية وقدرتها على التعامل مع التهديدات المعقدة يندرج ضمن بناء صورة ردعية، موجهة ليس فقط للفاعلين غير الدولاتيين، وإنما أيضا لأي أطراف قد تسعى لاختبار صلابة المنظومة الأمنية والعسكرية الجزائرية.

وعليه، فإن هذه الزيارة لا يمكن اختزالها في بعدها التفقدي فقط، وإنما تمثل مؤشرا على استمرارية عقيدة أمنية قائمة على الاستباق، والتكامل بين الأبعاد العسكرية والأمنية والاقتصادية، مع الحفاظ على التوازن بين الحزم العملياتي والانضباط المؤسساتي. وهي مقاربة تبرز الجيش الوطني الشعبي كمدرسة قائمة بذاتها في إدارة التهديدات المركبة، خاصة في بيئة إقليمية تتسم بالاضطراب وعدم اليقين.

رابط دائم
https://elayem.news/c39mo
Author محمد الصالح جمال
أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية