الجزائر العاصمة.. المدينة التي تنام باكرا

على خلاف معظم عواصم العالم، التي لا تعرف النوم سوى في أولى ساعات الصباح، تخلد العاصمة الجزائرية للنوم باكرا، فالمتجول في شوارعها ليلا، خاصة ساحة أودان وشارع العربي بن مهيدي وديدوش مراد وساحة البريد المركزي، يلاحظ أنه بمجرد غروب الشمس، تشرع المحلات التجارية والمقاهي والمطاعم وقاعات الشاي في غلق أبوابها، وتقل بذلك حركة المواطنين ويبدأ السكون يخيم على أحياء العاصمة لتدخل في سبات عميق حتى طلوع الشمس.

وهو الأمر الذي جعل البعض يلقبونها بـ “البيضاء النائمة”، بالرغم من أن العاصمة الجزائرية تعتبر المركز الاقتصادي والاجتماعي الرئيسي للبلاد، وتعد من أجمل مدن الجزائر، كونها تتميّز ببيئة ثقافية ووجهات سياحية متنوّعة، تشمل حدائق عديدة وشواطئ خلّابة وأماكن ترفيهية متنوّعة على غرار المسارح وقاعات السينما، والعديد من المراكز التجارية والمطاعم التي تُقدّم أفضل المأكولات خاصة التقليدية منها.

وأطلقت ولاية الجزائر الوسطى سنة 2013، مشروعاً سمي بـ “الجزائر لا تنام”، والذي كان يهدف إلى إعادة بعث الروح والحركة في شوارع العاصمة الجزائرية ليلاً، بما في ذلك تحسين خدمات التنقل للجزائريين، إلاّ أن هذا المشروع لم ير النور إلى غاية اليوم.

مشروع “الجزائر لا تنام” لا يزال قائما

وفي هذا الصدد، أكدت المُكلفة بالإعلام وبالشؤون الاجتماعية ببلدية الجزائر الوسطى، الياقوت غرداوي، أن مشروع ” الجزائر لا تنام”، “لا يزال قائما وأن السلطات المحلية على رأسهم رئيسة المجلس الشعبي البلدي، مهدية بن غالية، وضعت على عاتقها إحياء هذا المشروع، وذلك من خلال العمل على إعادة تهيئة الأرصفة والشوارع الرئيسية، مع وضع الإنارة التزيينية على مستوى الأحياء والطرقات من جهة، كما تعمل من جهة أخرى على تحسيس المواطنين والشركاء الاقتصاديين على غرار التجار والسكان من أجل إحياء هذه المبادرة من جديد”.

وفي ذات السياق، كشفت غرداوي، في تصريح لـ “الأيام”، أن “مصالح بلدية الجزائر الوسطى، ستجتمع مع كافة الأطراف المعنية بهذه المبادرة، كمديرية التجارة والنقل وغيرها، من أجل وضع قوانين تساهم في تحفيز التجار والناقلين للعمل حتى ساعات متأخرة من الليل”.

هذا وأشارت غرداوي، إلى أن ذات المصالح، “ستواصل برمجة وإحياء العديد من النشاطات الثقافية والرياضية بالعاصمة، كما جرت عليه العادة خلال العطلة الصيفية، أين نظمت ذات البلدية عدة سهرات فنية وثقافية للعائلات ونشاطات ترفيهية للأطفال، على مستوى الساحات والحدائق وقاعات السينما والمسرح التابعين لبلدية الجزائر الوسطى”.

مطالب التجار

ومن جانبه، طالب الأمين العام للاتحاد العام للتجار والحرفين الجزائريين، حزاب بن شهرة، بـ “ضرورة توفير عدد من الشروط لإحياء الحركة التجارية في العاصمة ليلا، من بينها النقل والإنارة العمومية والأمن، لتحفيز التجار على تمديد ساعات العمل إلى أوقات متأخرة من الليل”، مضيفا بقوله: “لكي تبقى المحلات مفتوحة في الليل يجب أن يكون هناك زبائن، لذلك لا بد من توفير النقل للمواطنين، حتى يتسنى لهم التنقل من أجل التجوّل أو اقتناء حاجياتهم بكل أريحية، مع ضمان وسيلة نقل للعودة إلى منازلهم حتى وإن تأخروا في الخارج، كما يجب توفير الأمن حتى تستطيع العائلات والنساء الخروج بكل أمان واطمئنان، والأمر نفسه بالنسبة لأصحاب المحلات، حتى يمارسوا عملهم دون الخوف من التعرض للسرقة، أيضا توفير الإنارة العمومية في مختلف الشوارع أمر مهم جدا في الليل “.

وقال حزاب بن شهرة، في تصريح لـ “الأيام”، “إن العاصمة الجزائرية من العواصم القلائل في العالم التي لا توجد بها حركة تجارية في الفترة الليلة، لكن عندما تتوفر هذه الشروط، ويجد التاجر أن هناك زبائن وعملية بيع وشراء تسمح له بتحقيق فائدة ومدخول إضافي، سيبقي محلّه أو مطعمه أو مقهاه مفتوحا حتى ساعات متأخرة من الليل، وسيساهم ذلك بعودة الحياة للعاصمة ليلا كما هو الحال في النهار”.

 إعادة الحياة إلى العاصمة ليلا

ودعا بن شهرة، إلى “ضرورة إطلاق حملات وطنية توعوية وتحسيسية، بتعاون ومشاركة جميع أطياف المجتمع، لتقديم أفكار واقتراحات تساهم في تجسيد مشروع “العاصمة لا تنام”، أو إطلاق مبادرات أخرى مماثلة تهدف إلى إعادة الحياة لهذه المدينة، خاصة وأن الوضع اليوم يتطلب أن تلتحق العاصمة بالركب وتبقى مفتوحة 24 ساعة على 24 ساعة، سواء من أجل المواطن الجزائري أومن أجل جذب السواح وإنعاش الاقتصاد الوطني”.

أهمية الاقتصاد الليلي

ومن جهته، أكد الخبير الاقتصادي الجزائري، عمر هارون، أن “تطوير الاقتصاد الليلي في الجزائر أمر مهم ومهم جدا للاقتصاد الوطني، خاصة وأن الجزائر تخسر حوالي 25 بالمائة من الناتج الإجمالي الداخلي، بسبب أن أغلبية الأنشطة التجارية تتوقف في حدود الساعة الرابعة إلى السادسة مساء، بالرغم من أن الكثير من هذه الأنشطة بإمكانها الاستمرار إلى ساعات متأخرة من الليل”.

وأوضح عمر هارون، في تصريح لـ “الأيام”، “إنه لكي يتم تطوير الاقتصاد الليلي في الجزائر لابد من العمل على اتجاهين، الاتجاه الأول يكون في سن القوانين التي تفرض على الأنشطة التجارية الحيوية، مثل المطاعم والمقاهي أن تبقى مفتوحة خلال الفترة الليلية، أو تكون هناك مناوبة بشكل دوري على الأقل لجزء منها عبر مختلف بلديات العاصمة الجزائرية، ولِما لا كُل محافظات الوطن خاصة الكبرى منها”.

الاستثمار في الاقتصاد الليلي

وتابع عمر هارون: “أما النقطة الثانية، فتكمن في فتح مجال الاستثمار في كل ما لديه علاقة بالاقتصاد الليلي وبصناعة الترفيه، على غرار مدن الألعاب والملاهي بالنسبة للأطفال، والمساحات المشتركة وقاعات السينما والمسارح بالنسبة للعائلات، مع محاولة دعم الأجواء الأمنية في هذه الفضاءات، مع أنه الحمد لله اليوم الجزائر تتمتع بجو أمني مستتب جدا، يسمح للعائلات بالخروج بشكل ليلي والتواجد في مختلف مناطق الوطن والعاصمة بشكل خاص”.

وفي ذات السياق، قال الخبير هارون، “إن الجزائر إذا تمكّنت من إحياء الاقتصاد الليلي، كما هو الحال في العديد من الدول العربية والغربية، سيسمح ذلك بتوفير مناصب شغل جديدة بالنسبة إلى عدد كبير من الجزائريين، وليس بالنسبة للبطالين منهم فقط، بل يمكن توفير مناصب شغل كوظيفة ثانية بالنسبة لكثير من الموظفين الذين يشتغلون في الإدارات والمؤسسات العمومية أو الخاصة”.

توفير وظيفة ثانية للموظفين

وأردف هارون يقول: ” فمثلا لو أن النشاط الليلي يستمر إلى الثانية صباحا، هنا يمكن للموظف أن يرتاح ساعة أو ساعتين بعد خروجه من العمل، ثم  يمارس نشاط آخر من السادسة أو السابعة مساء إلى غاية العاشرة أو الحادية عشرة ليلا، يساعده هذا الأمر على كسب مدخول إضافي يرفع أجرته الشهرية بحوالي 50 بالمائة عما يتقاضاه، وهو الأمر الذي قد يؤثر بشكل إيجابي جدا على حياة الأسر الجزائرية، لكن عدم وجود هذا النوع من النشاطات الليلية حرم العديد من الجزائريين، الذين يحتاجون إلى مدخول مالي إضافي، أن تكون لديهم فرصة عمل ثانٍ يساعدهم على تحسين مستوى معيشتهم، عكس ما هو الحال في العديد من دول العالم، أين لا يكتفي أغلبية أرباب العائلات بعمل واحد بل يمارسون أنشطة مختلفة تصل إلى وظيفتين وثلاث وظائف في اليوم، في محاولة لتحسين مدخولهم، وهو أمر مشروع بطبيعة الحال في مواجهة قساوة الأوضاع  الاجتماعية والاقتصادية”.

أما بخصوص عدم تجسيد مشروع ” العاصمة لا تنام” إلى غاية اليوم، قال عمر هارون: “لا أعتقد أن هناك نيّة سياسية فوقيّة للتخلي عن هذا المشروع، بل أظن أن المشكل اجتماعي أكثر منه سياسي، بحيث أن عادات وتقاليد المجتمع الجزائري هي ما يدفع الأسر الجزائرية إلى الإحجام عن الخروج والتزام المنزل في ساعات مبكرة من المساء، وقد يكون ذلك له علاقة بتأثير العشرية السوداء على نمط حياة الجزائريين”.

في حين، يرى المختص في علم الاجتماع، حسين زبيري، أن ” غياب الحركة الليلية في أي مدينة لا يعني أنها غير متطوّرة أو غير متحضرة والعكس صحيح”، مضيفا أن “فكرة انتشار الحركة الليلية قد تتواجه مع العادات والتقاليد من جهة وقد تصطدم من جهة أخرى بفكرة الهاجس الأمني، في ظل تزايد مظاهر الإجرام الحضري في بعض أحياء العاصمة”.

“المدينة الليلية” فكرة اقتصادية بامتياز

وبهذا الخصوص، أوضح زبيري، في تصريح لـ “الأيام”، أن ” فكرة المدينة الليلية بشكل عام ليس لها أسس ثقافية واجتماعية بتلك الحدّة المعروفة بها في البلاد الغربية، لأن الليل جُعل للراحة والنوم والركون إلى الهدوء، في حين جُعِل النهار للعمل والاجتهاد والامتداد في النشاط،  أما الحركة التي عرفتها عواصم ومدن العالم، هي في الحقيقة فكرة اقتصادية بامتياز، ولذلك تم تهيئة المواطن في البلاد الغربية -بالخصوص- على هذا النمط الجديد من الحياة، بمعنى تدجين المواطن ثقافيا واجتماعيا ليتأقلم مع هذا الوضع الاقتصادي الجديد، وللمحافظة على هذا الوضع الاجتماعي والثقافي الجديد تم بطبيعة الحال تأسيس منظومة أمنية تتماشى مع هذا الظرف كالشرطة الليلية والكاميرات، مع ضمان إمكانية التنقل سواء بسيارات الأجرة أو الميترو والقطارات وغيرها من وسائل النقل”.

وأضاف البروفيسور زبيري، أن “الحركة الليلية في عواصم العالم، مربوطة أغلبها بالسياحة التي تعتبر مصدرا اقتصاديا هاما، كما جرى تهيئة شعوب هذه الدول اجتماعيا وثقافيا مع هذا المعطى الاقتصادي”، مشيرا إلى أن “فكرة الاقتصاد الليلي في المدينة هي فكرة رأسمالية بامتياز، وهو الرأس المال الذي يريد اكتساح المساحات والفضاءات لكسب زبائن أكثر وبيع منتوجاته” -حسبه-، “ففي هذه المدن، أكبر المحلات المستفيدة من الاقتصاد الليلي هي المنتجات الرأسمالية كالفنادق والمشروبات العالمية وغيرها على حد قوله”.

وبالعودة إلى عقود مضت من الزمن، كانت العاصمة الجزائرية تعيش حركية مستمرة ليلا، وكانت تتوفّر على عدة مرافق تسمح للمواطن بالخروج مع عائلته، فمعظم المحلات لم تكن تقفل أبوابها سوى في ساعة متأخرة من الليل، وكانت هناك نشاطات كثيرة تجلب إليها عددا كبيرا من الناس، فقاعات السينما كانت مفتوحة وتبث أفلاما كل السهرات، أفلام تلبي كل الأذواق، إلى جانب المسرحيات والسهرات الغنائية التي كانت تستهوي الكثير من سكان العاصمة وزوارها.

كما تجدر الإشارة، أن العاصمة الجزائرية حازت على جائزة السعفة الذهبية سنة 1956 نظير نمطها العمراني الهندسي الرائع ومظاهر الجمال التي كانت تميّزها آنذاك، حتى أنها صُنّفت ثاني عاصمة في البحر المتوسط بعد برشلونة.

وللعلم، ركود الحركة الثقافية ليلا في عاصمة الجزائر، يقتصر فقط على ثلاث فصول هي الشتاء الخريف والربيع، أما بالنسبة لفصل الصيف فهناك نشاط ليلي مكثف ومتميّز لا يتوقف حتى ساعات متأخرة من الليل.