السبت، 06 يونيو 2026 — 19 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
اقتصاد

الجزائر تتجه نحو ترسيخ مكانتها كقوة صاعدة في صناعة الحديد والصلب

Author
بثينة صايفي 02 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تشهد الجزائر، خلال السنوات الأخيرة، تحولات لافتة في قطاع الحديد والصلب، جعلتها تتقدم بثبات نحو موقع متقدم ضمن الخارطة الصناعية العربية، مدعومة بمشاريع كبرى واستثمارات استراتيجية تعيد رسم ملامح هذا القطاع الحيوي.
وبينما تعكس المؤشرات الحالية ارتفاعًا في القدرات الإنتاجية، يظل السؤال الأهم مطروحًا حول مدى قدرة هذا الصعود على التحوّل إلى قوة صناعية مستدامة وذات تنافسية إقليمية ودولية.

المرتبة العربية الثالثة.. موقع قابل لإعادة التشكل
وفي هذا السياق، يرى الخبير في الطاقة، أحمد طرطار، أن موقع الجزائر الحالي في صناعة الحديد والصلب، والمتمثل في المرتبة الثالثة عربيًا، لا يعكس سقف الطموحات بقدر ما يعكس مرحلة انتقالية تشهد فيها البلاد إعادة تموضع صناعي تدريجي، ويؤكد أن هذا التصنيف، رغم أهميته، يبقى قابلاً للتغيير في ظل الحركية الاستثمارية المتسارعة، وتوسع المشاريع الهيكلية في عدد من المناطق الصناعية، خصوصًا في عنابة وجيجل، حيث تتشكل ملامح أقطاب إنتاجية جديدة يمكن أن تغيّر ميزان القوة في هذا القطاع خلال السنوات المقبلة.

أحمد طرطار خبير في الطاقة
أحمد طرطار خبير في الطاقة

كما يشير طرطار إلى أن احتلال الجزائر للمرتبة الثالثة عربيًا في صناعة الحديد والصلب يجب فهمه في سياق ديناميكي وليس ثابت، فحسبه، هذا الموقع يعكس مرحلة من التطور الصناعي بدأت تتعزز تدريجيًا، لكنه لا يمثل النهاية، بل بداية مسار تصاعدي يعتمد على مدى نجاح البلاد في رفع وتيرة الاستثمار وتحسين الأداء الصناعي، ويضيف أن المنافسة الإقليمية في هذا المجال أصبحت أكثر حدة، ما يجعل الحفاظ على هذا الترتيب أو تحسينه مرتبطًا بقدرة الجزائر على تسريع وتيرة الإنجاز وتعزيز سلاسل الإنتاج.

غارا جبيلات.. مشروع تحولي في بنية الصناعة المعدنية
ويؤكد الخبير أن مشروع غارا جبيلات لا يمكن النظر إليه كمجرد مشروع منجمي، بل كتحول استراتيجي في بنية الصناعة المعدنية الوطنية، فالمشروع، بحسبه، يفتح الباب أمام إعادة تشكيل سلسلة القيمة من المنبع إلى المصب، عبر توفير خام الحديد بكميات معتبرة، مع إدماج عمليات التحويل والتنقية في وحدات صناعية قيد الإنجاز، خاصة في منطقة بشار، ويشير إلى أن هذه المرحلة ستسمح برفع جودة المادة الأولية بشكل كبير، ما ينعكس مباشرة على تنافسية المنتوج الجزائري في السوقين المحلية والدولية.
ويعتبر طرطار أن التطور المرتقب في إنتاج الحديد سيقود في مرحلة أولى إلى تعزيز الاكتفاء الذاتي، خصوصًا أن الطلب الداخلي يُقدَّر بأكثر من خمسة ملايين طن سنويًا، لكنه يشدد على أن الهدف الاستراتيجي الأعمق يتمثل في خلق فائض إنتاجي قد يتجاوز خمسة ملايين طن إضافية خلال فترة تتراوح بين سنتين وثلاث سنوات، هذا الفائض، في حال دعمه ببنية لوجستية وتسويقية فعالة، يمكن أن يحوّل الجزائر من بلد يغطي احتياجاته الداخلية إلى فاعل محتمل في سوق التصدير الإقليمي.
وفيما يخص المؤشرات الإنتاجية، يوضح الخبير أن الجزائر تستهدف الوصول إلى عتبة عشرة ملايين طن من الحديد، بينما تُقدّر القدرة الإنتاجية الحالية بحوالي 8,7 ملايين طن. ويرى أن هذا الفارق لا يُعدّ عائقًا بقدر ما هو هامش قابل للاستغلال، خاصة مع دخول مشاريع جديدة حيز التشغيل وتحسن كفاءة الوحدات الصناعية القائمة، ويؤكد أن التطور في هذا القطاع لن يكون قفزة مفاجئة، بل مسارًا تدريجيًا يرتبط بنضج البنية التحتية الصناعية واستقرار سلاسل التموين.

القيمة المضافة وتعزيز الحضور في السوق الإقليمي
ويختم طرطار بالإشارة إلى أن الأهمية الحقيقية لهذا التحول لا تكمن فقط في رفع حجم الإنتاج، بل في إعادة توجيه الحديد نحو الصناعات التحويلية التي تخلق قيمة مضافة أعلى للاقتصاد الوطني، كما أن امتلاك فائض إنتاجي قابل للتصدير من شأنه أن يمنح الجزائر قدرة أكبر على التموقع في الأسواق الإقليمية، مستفيدة من موقعها الجغرافي الذي يتيح لها النفاذ بسهولة إلى الأسواق العربية والمتوسطية، ما يعزز من فرصها لتصبح فاعلاً صناعيًا أكثر تأثيرًا في هذا القطاع الاستراتيجي.

صعود صناعي متسارع نحو تموقع إقليمي جديد
في سياق متصل، يرى الخبير في الاقتصاد، هواري تيغرسي، أن صعود الجزائر في قطاع الحديد والصلب لا يمكن اختزاله في تحسن ظرفي في المؤشرات، بل يجب قراءته كتحوّل صناعي هيكلي يتدرج نحو إعادة تموضع البلاد ضمن القوى الصناعية الإقليمية، ويؤكد أن دخول الجزائر ضمن الثلاثي العربي الأول من حيث القدرات الإنتاجية يعكس بداية مسار جديد، غير أن التحدي الحقيقي لا يتعلق بحجم الإنتاج بقدر ما يرتبط بقدرة الاقتصاد الوطني على تحويل هذه القدرات إلى صناعة متكاملة ومستدامة قادرة على المنافسة إقليميًا ودوليًا.

هواري تيغرسي خبير اقتصادي
هواري تيغرسي خبير اقتصادي

كما يشير تيغرسي إلى أن قطاع الحديد والصلب في الجزائر يشهد، خلال السنوات الأخيرة، ديناميكية لافتة، تعكس انتقالًا تدريجيًا من اقتصاد يعتمد على الاستيراد إلى اقتصاد يسعى إلى بناء قاعدة إنتاج وطنية، ويعتبر أن هذا التحول، رغم أنه ما يزال في مرحلة التأسيس، إلا أنه يضع الجزائر على سكة إعادة بناء صناعية حقيقية، خاصة مع توسع المشاريع الكبرى ودخول وحدات إنتاج جديدة حيز التشغيل، ما ساهم في رفع القدرات الإنتاجية بشكل ملحوظ.
ويؤكد الخبير أن أحد أهم محركات هذا التحول يتمثل في توسع الاستثمارات في الصناعات الثقيلة خلال الفترة الأخيرة، سواء من خلال المركبات الصناعية الكبرى أو المشاريع الجديدة في مجال الحديد والصلب، هذه الديناميكية، حسبه، ساهمت في إعادة تنظيم القطاع تدريجيًا، وتقليص التبعية للخارج، مع تعزيز البنية الإنتاجية المحلية التي كانت في السابق محدودة وتعتمد بشكل كبير على الاستيراد لتلبية الطلب الوطني.

الميزة الطاقوية كرافعة تنافسية حاسمة
وفي هذا السياق، يبرز تيغرسي أن الجزائر تمتلك ورقة استراتيجية مهمة تتمثل في وفرة الموارد الطاقوية، خصوصًا الغاز الطبيعي والكهرباء بأسعار تنافسية نسبيًا، ويعتبر أن هذه الميزة تشكل عنصرًا حاسمًا في صناعة الحديد والصلب، التي تُعد من أكثر الصناعات استهلاكًا للطاقة، ما يمنح الجزائر أفضلية نسبية في التحكم في كلفة الإنتاج مقارنة بعدد من المنافسين الإقليميين والدوليين، إذا ما تم استغلالها بشكل عقلاني وفعال.
ويضيف الخبير أن التحوّل الحقيقي في هذا القطاع يرتبط بمدى قدرة الجزائر على بناء سلسلة قيمة متكاملة، انطلاقًا من استغلال الموارد المنجمية، خاصة خام الحديد في الجنوب، ويرى أن مشاريع مثل هذه تمثل فرصة استراتيجية للانتقال من اقتصاد يعتمد على استيراد المواد الأولية، إلى اقتصاد يدمج بين الاستخراج والتحويل الصناعي، ما يعزز الاستقلالية الصناعية تدريجيًا ويرفع من القيمة المضافة داخل البلاد.

الطلب الداخلي والموقع الجغرافي كفرص توسع
كما يشير تيغرسي إلى أن الطلب المحلي المتزايد، الناتج عن مشاريع السكن والبنية التحتية والسكك الحديدية والمشاريع الكبرى، يوفر قاعدة استهلاكية مستقرة تدعم استمرارية الإنتاج وتقلل من تقلبات السوق، وإلى جانب ذلك، يبرز الموقع الجغرافي للجزائر كعنصر استراتيجي مهم، حيث يؤهلها لأن تكون نقطة عبور ومنصة تصدير نحو الأسواق الإفريقية والأوروبية، خاصة في ظل تنامي الطلب العالمي على مواد البناء والصلب.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، يؤكد الخبير أن الطريق نحو ترسيخ مكانة صناعية قوية لا يزال يواجه عددًا من التحديات، يأتي في مقدمتها اتساع الفجوة بين القدرات النظرية والإنتاج الفعلي، إذ يشدد على أن امتلاك طاقات إنتاجية كبيرة لا يضمن بالضرورة تحقيق أداء صناعي مستقر وفعال دون رفع مستوى الحوكمة الصناعية وتحسين استغلال الموارد.
كما يلفت إلى أن كلفة اللوجستيك والنقل تمثل أحد أبرز التحديات، نظرًا لاعتماد الصناعات الثقيلة على شبكات نقل وموانئ وسكك حديدية فعالة، وهو ما يجعل أي خلل في هذا المجال عاملًا مباشرًا في تقليص القدرة التنافسية.
ويضيف تيغرسي أن الجزائر تواجه أيضًا منافسة قوية من منتجين عالميين يمتلكون خبرة أوسع وشبكات تصدير أكثر تطورًا وكلفة إنتاج أقل، كما يشير إلى أن التحول العالمي نحو “الحديد الأخضر” يفرض تحديًا إضافيًا، يستدعي من الجزائر الاستثمار في تقنيات إنتاج منخفضة الانبعاثات، إذا ما أرادت الحفاظ على موقعها وتعزيزه مستقبلًا في سوق تتجه تدريجيًا نحو المعايير البيئية الصارمة.

الإدماج الصناعي.. الرهان الحاسم للمستقبل
ويختم الخبير بالتأكيد على أن التحدي الأهم يكمن في مدى تعميق الإدماج الصناعي، أي الانتقال من إنتاج المواد الأولية أو شبه المصنعة إلى تطوير صناعات تحويلية متقدمة قادرة على خلق قيمة مضافة أعلى داخل الاقتصاد الوطني، ويرى أن هذا المسار هو ما سيحدد فعليًا ما إذا كانت الجزائر ستتحول إلى قوة صناعية حقيقية أو ستبقى في حدود الإنتاج الخام.
ويخلص تيغرسي إلى أن الجزائر تمتلك اليوم مقومات حقيقية تؤهلها لأداء دور صناعي إقليمي مهم في قطاع الحديد والصلب، غير أن المرحلة القادمة لن تُحسم بحجم الإنتاج فقط، بل بمدى القدرة على بناء منظومة متكاملة تربط بين الطاقة والمناجم واللوجستيك والتكنولوجيا والتصدير، فالمعادلة، بحسبه، لم تعد مرتبطة فقط بكم ننتج، بل بكيف ننتج، ولمن ننتج، وبأي مستوى من الكفاءة والتنافسية.