الإثنين، 07 سبتمبر 2026 — 23 ربيع الأول 1448 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
الجزائر

الجزائر تتمسك بتوثيق أرقام هواتف مستخدمي “واتساب” رغم اعتماد أسماء المستخدمين

Author
صبرينة عيلان 14 أغسطس 2026
X Facebook TikTok Instagram

وضعت الجزائر إطارا تنظيميا واضحا للتعامل مع ميزة “أسماء المستخدمين” الجديدة على تطبيق واتساب، في خطوة تجمع بين الاستفادة من التطورات التكنولوجية المرتبطة بحماية الخصوصية وتعزيز الثقة الرقمية، وبين الحفاظ على متطلبات التحقق من هوية أصحاب الحسابات.

وتأتي هذه الخطوة في ظل الانتشار الواسع لتطبيقات المراسلة الفورية، وما تفرضه من تحديات متزايدة في مجالات حماية البيانات والوقاية من الاحتيال وانتحال الهوية والجرائم الإلكترونية.

وأبدت وزارة البريد والمواصلات السلكية واللاسلكية موافقتها على استخدام ميزة “أسماء المستخدمين” باعتبارها خيارا إضافيا يتيح للمستخدم التواصل دون الكشف عن رقم هاتفه للأشخاص الذين يتعامل معهم عبر المنصة، مع التأكيد في المقابل على ضرورة استمرار ارتباط كل حساب واتساب نشط أو مفعّل داخل الجزائر برقم هاتف نقال صحيح وموثق لدى أحد المتعاملين الوطنيين.

ويعكس هذا الموقف توجه الجزائر نحو تحقيق توازن بين حماية خصوصية المستخدمين والاستفادة من الخصائص الجديدة التي توفرها منصات التواصل، وبين ضمان وجود آلية موثوقة للتحقق من الحسابات والحد من الاستخدامات غير المشروعة للفضاء الرقمي. كما تسعى السلطات من خلال هذا الإطار إلى تعزيز مستوى الثقة في الخدمات الرقمية، دون المساس بمحتوى الاتصالات المحمية بالتشفير التام بين الطرفين.

ويأتي ذلك بالتزامن مع متابعة الوزارة لتفعيل الميزة الجديدة من قبل شركة “ميتا بلاتفورمز”، المالكة لواتساب، حيث تم توجيه مراسلة رسمية تحدد شروط استخدامها في السوق الجزائرية، وعلى رأسها عدم السماح بإنشاء أو استمرار حسابات تعتمد حصرياً على أسماء المستخدمين دون ربطها برقم هاتف صحيح وموثق، مع مطالبة الشركة بتقديم توضيحات مكتوبة بشأن آليات ضمان هذا الشرط.

الجزائر أمام نموذج هجين للهوية الرقمية.. خصوصية أكبر دون التخلي عن التوثيق

أكد صهيب بولعراق، خبير في الرقمنة ونظم تنظيم الذكاء الاصطناعي، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن موقف الجزائر من ميزة “أسماء المستخدمين” الجديدة على تطبيق واتساب يعكس توجها تنظيميا يقوم على تحقيق التوازن بين حماية خصوصية المستخدمين والحفاظ على آليات موثوقة للتحقق من الهوية ومكافحة الاستخدامات غير المشروعة للفضاء الرقمي.

وأوضح بولعراق أن ميزة “أسماء المستخدمين” تمثل تطوراً مهماً في مقاربة الخصوصية داخل واتساب، كونها تتيح للمستخدم التواصل مع الآخرين دون الاضطرار إلى الكشف عن رقم هاتفه، غير أن ذلك لا يعني إلغاء الرقم باعتباره أساساً لعملية التسجيل والتحقق من الحساب.

وأشار إلى أن الميزة الجديدة تضيف طبقة خصوصية فوق البنية الأساسية للحساب، لكنها لا تستبدل آلية التوثيق برقم الهاتف، وهو تمييز اعتبره ضروريا لفهم الموقف الرسمي الجزائري من هذه الخاصية.

ويرى الخبير أن الجزائر لم تتخذ موقفاً معارضاً للميزة الجديدة، بل قبلت بها باعتبارها خياراً إضافياً يمكن أن يعزز حماية المستخدم، مع التشديد في المقابل على ضرورة استمرار ارتباط الحسابات النشطة والمفعلة داخل البلاد بأرقام هاتف صحيحة وموثقة لدى المتعاملين الوطنيين.

وقال إن هذا التوجه يسمح بالاستفادة من المزايا التي توفرها أسماء المستخدمين، خصوصاً في مجال حماية أرقام الهواتف من الظهور أمام أطراف غير معروفة، دون الانتقال إلى نموذج يقوم على مجهولية الهوية بشكل كامل.

وأضاف أن الفصل بين هوية الحساب ورقم الهاتف الظاهر للآخرين لا يعني الفصل بين الحساب وآلية التحقق منه، موضحاً أن الرقم يظل جزءاً من البنية الأساسية لإدارة الهوية والولوج، بينما تعمل خاصية اسم المستخدم على مستوى مختلف يتعلق بكيفية ظهور المستخدم وتواصله مع الآخرين.

4 أبعاد وراء الموقف الجزائري

وبحسب بولعراق، فإن المقاربة الجزائرية تستند إلى أربعة أبعاد رئيسية، أولها البعد التشريعي المرتبط بحماية المعطيات الشخصية، وثانيها البعد الأمني المتعلق بالحد من مخاطر الاحتيال والهندسة الاجتماعية، وثالثها البعد القضائي الذي يضمن قابلية تتبع الحسابات عند وقوع جرائم إلكترونية، ورابعها البعد التقني الذي يفصل بين آليات التحقق من الهوية والتشفير وحماية محتوى المحادثات.

وأوضح أن تقليص تداول أرقام الهواتف يمكن أن يساهم في الحد من بعض أشكال المضايقات والاستهداف والاحتيال، خاصة أن رقم الهاتف قد يشكل مدخلاً لهجمات الهندسة الاجتماعية والرسائل غير المرغوب فيها.

وفي المقابل، فإن الإبقاء على رقم موثق للحساب، حسب المتحدث، يوفر مرجعية مهمة في حالات انتحال الهوية أو الاحتيال أو التهديد، ويمنح الجهات المختصة إمكانية اللجوء إلى الآليات القانونية المتاحة للتحقيق، تحت إشراف الجهات القضائية المختصة.

وفي الجانب التقني، أوضح خبير الرقمنة أن الميزة الجديدة يمكن أن توفر حماية ملموسة للمستخدمين، خصوصا عند التواصل مع أشخاص لا يعرفونهم مسبقا، إذ يصبح اسم المستخدم هو المعرف الظاهر بدلاً من رقم الهاتف في الحالات التي تنطبق عليها الخاصية.

وأشار إلى أن هذا الأمر يمكن أن يقلل من فرص جمع أرقام الهواتف بصورة آلية من قبل أطراف مجهولة، ويحد من إمكانية استغلالها لاحقاً في حملات الاحتيال أو الإزعاج أو الاستهداف الرقمي.

غير أنه شدد على أن هذه الحماية ليست مطلقة أو بأثر رجعي، إذ قد يظل الرقم معروفاً للطرف الآخر إذا كان محفوظاً لديه أصلاً، كما أن مستوى الخصوصية يرتبط بتفعيل المستخدم للخاصية وطبيعة العلاقة السابقة بين الطرفين.

ويرى بولعراق أن الإبقاء على شرط الرقم الموثق يمكن أن يشكل عاملاً مساعداً في الحد من إنشاء الحسابات الوهمية وشبكات الاحتيال، لأن إنشاء الحسابات سيظل مرتبطاً ببنية اتصالات حقيقية بدلاً من الاعتماد حصرياً على معرف رقمي قابل للإنشاء دون مرجعية هاتفية.

كما أن ربط الحساب برقم موثق يوفر، وفق المتحدث، آلية إضافية لإثبات ملكية الحساب واستعادته عند الاختراق أو انتحال الشخصية، ويعزز إمكانية متابعة الحالات التي تتعلق بالنصب الإلكتروني أو التهديد أو الابتزاز.

وشدد في المقابل على ضرورة عدم اعتبار التوثيق الهاتفي حلاً نهائياً لمشكلة الحسابات الوهمية، لأن مكافحة الاحتيال الرقمي تتطلب منظومة متكاملة تشمل أدوات المنصة، والرقابة التنظيمية، والتوعية الرقمية، وآليات التبليغ والاستجابة للجرائم الإلكترونية.

ما الذي تطلبه الجزائر من “ميتا”؟

وبخصوص المراسلة التي وجهتها وزارة البريد والمواصلات السلكية واللاسلكية إلى شركة “ميتا بلاتفورمز”، أوضح بولعراق أن المطالب الجزائرية تركز أساسا على تثبيت استمرار ارتباط الحسابات النشطة داخل الجزائر بأرقام هاتف صحيحة وموثقة.

كما تتضمن المقاربة، وفق تحليله، ضرورة عدم السماح بإنشاء أو استمرار حسابات تعتمد على اسم المستخدم وحده، إلى جانب مطالبة الشركة بتقديم توضيحات مكتوبة وخطة تنفيذية وجدول زمني في حال تطلب الأمر إدخال تعديلات تقنية مرتبطة بالسوق الجزائرية.

واعتبر أن أهمية هذه المطالب تكمن في تثبيت الموقف التنظيمي الجزائري بشكل واضح واستباقي، خصوصا مع تطور خصائص منصات التواصل وتغير نماذج الهوية الرقمية مستقبلا.

وشدد بولعراق على أهمية التمييز بين التوثيق والتشفير، موضحا أن الإبقاء على رقم هاتف موثق لا يعني المساس بمحتوى المحادثات المشفرة بين الطرفين.
وقال إن إدارة هوية الحساب والتحقق من صاحبه تعمل في طبقة مختلفة عن الطبقة التي تحمي محتوى الرسائل، وبالتالي فإن اشتراط وجود رقم هاتف موثق لا يعني بالضرورة المساس بالتشفير التام بين الطرفين.

ويرى أن هذا التمييز مهم في النقاش العام، لأن حماية الخصوصية لا تتعارض بالضرورة مع وجود آليات تحقق من الهوية، ما دام الوصول إلى البيانات ومعلومات الحساب يخضع للأطر القانونية والإجراءات القضائية المعمول بها.

نحو نموذج هجين للهوية الرقمية

وخلص خبير الرقمنة ونظم تنظيم الذكاء الاصطناعي إلى أن المقاربة الجزائرية يمكن وصفها بأنها “نموذج هجين للهوية الرقمية” يجمع بين إخفاء رقم الهاتف في التفاعلات التي تسمح بها الميزة الجديدة، والإبقاء عليه كمرتكز أساسي لتوثيق الحساب.

وأكد أن هذا النموذج يحقق، من الناحية النظرية، معادلة تقوم على خصوصية أكبر أمام الأطراف الأخرى، مقابل قابلية أعلى للتحقق والمساءلة على المستوى التنظيمي والقانوني.

ودعا بولعراق إلى مواصلة متابعة تطور الميزة وتطبيقها في الجزائر، مع تعزيز دور الهيئات المختصة في حماية المعطيات الشخصية والاتصالات، وتكثيف حملات التوعية حول كيفية استخدام أسماء المستخدمين وإعدادات الخصوصية، إلى جانب متابعة أي تغييرات مستقبلية في سياسات المنصة.

كما شدد على أهمية مواكبة المؤسسات المحلية للتحولات التي يشهدها مجال الهوية الرقمية، خصوصا مع توسع استخدام حلول واتساب للأعمال، بما يضمن حماية بيانات الزبائن وعدم تحويل التطور التقني في مجال الخصوصية إلى مدخل جديد لتسريب البيانات أو إساءة استخدامها.

ويرى بولعراق أن التحدي الحقيقي أمام الجزائر لا يتمثل في قبول أو رفض ميزة “أسماء المستخدمين”، وإنما في كيفية إدماجها ضمن منظومة وطنية متكاملة للثقة الرقمية، تحمي خصوصية المواطن، وتحد من الاحتيال وانتحال الهوية، وتحافظ في الوقت نفسه على قدرة المنظومة القانونية على التعامل مع الجرائم الرقمية.

Author صبرينة عيلان
صبرينة عيلان صحفية بموقع الأيام نيوز، أكتب في جميع المواضيع، خريجة كلية علوم الاعلام والاتصال تخصص اتصال وعلاقات عامة، مساري المهني بدأته بجريدة الخبر حوادث سنة 2019 ثم بجريدة الفجر بعدها انتقلت إلى جريدة النهار ثم الشروق اليومي، كما تقلدت منصب رئيسة التحرير بعدة مواقع إلكترونية منها دزاير توب ، صوت الأحرار، الجزائر اليوم، إلترا نيوز، وأفريكا نيوز، ثم انتقلت إلى الحصاد اليومي ومنها إلى شبكة الأيام الجزائرية، وفي عام 2022 تحصلت على جائزة رئيس الجمهورية للصحفي المحترف في فئة الإعلام الإلكتروني