الخميس، 11 يونيو 2026 — 24 ذو الحجة 1447 هـ
جاري التحميل... الجزائر
الأيام نيوز
PDF
Journal
حديث الساعة

الجزائر تستكشف فرص التعاون ضمن الشراكة الإفريقية-الكورية

Author
ربيعة خطاب 01 يونيو 2026
X Facebook TikTok Instagram

تشارك الجزائر في الاجتماع الوزاري للشراكة الإفريقية-الكورية الذي ينعقد اليوم ويستمر إلى الغد بالعاصمة “سيول”، ويكتسي هذا الموعد أهمية خاصة بالنظر إلى كونه يهدف إلى تقييم مخرجات القمة الإفريقية-الكورية الأولى وبحث آفاق الارتقاء بالتعاون بين الجانبين بما يخدم أهداف التنمية الإفريقية. وفي هذا السياق، تحدثت “الأيام نيوز” إلى خبراء لقراءة أبعاد هذه المشاركة الجزائرية واستشراف رهانات الشراكة الإفريقية-الكورية.

وبتكليف من رئيس الجمهورية، حلّ أمس الأحد وزير الدولة، وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية، أحمد عطاف، بالعاصمة الكورية سيول، للمشاركة ابتداء من اليوم الاثنين في أشغال الاجتماع الوزاري للشراكة الإفريقية-الكورية، المقرر أن يستمر إلى يوم غد 2 جوان الجاري، وفق ما أفاد به بيان لوزارة الشؤون الخارجية.

وأوضح البيان أن هذا الاجتماع، الذي يجمع وزراء خارجية الدول الإفريقية بنظيرهم الكوري، سيُخصص لتقييم مستوى التقدم المحرز في تنفيذ مخرجات القمة الإفريقية-الكورية الأولى التي احتضنتها سيول في جوان 2024، إلى جانب بحث آفاق الارتقاء بالشراكة بين الجانبين والتحضير للاستحقاقات المقبلة المرتبطة بها.

وأكد المصدر ذاته أن مشاركة الجزائر في هذا الموعد تندرج ضمن التزامها المتواصل بتعزيز علاقات التعاون والشراكة الإستراتيجية التي تجمعها بجمهورية كوريا، كما تعكس حرصها على الإسهام في توجيه مسار الشراكة الإفريقية-الكورية نحو مشاريع ومبادرات تخدم أهداف التنمية المستدامة في القارة، وتنسجم مع الرؤية التي كرستها أجندة الاتحاد الإفريقي 2063 لبناء إفريقيا أكثر اندماجا وازدهارا وقدرة على مواجهة التحديات المستقبلية.

الجزائر.. بوابة الشراكة نحو إفريقيا

في هذا السياق، يلفت محمد زريق، الباحث بجامعة صون يات سين الصينية، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، إلى أن العالم يمر بمرحلة اقتصادية دقيقة دفعت العديد من الدول، خاصة الاقتصادات الكبرى، إلى البحث عن مسارات جديدة للنمو وفرص بديلة قادرة على تعزيز الاستقرار الاقتصادي. ويربط ذلك باحتدام المنافسة الدولية على الأسواق والموارد، الأمر الذي جعل القوى الاقتصادية الكبرى تتجه بصورة متزايدة نحو الفضاءات التي تمتلك إمكانات واعدة للاستثمار والتوسع.

محمد زريق، الباحث بجامعة صون يات سين الصينية

وفي هذا الإطار، تبرز القارة الإفريقية كإحدى أهم الوجهات الاستراتيجية في حسابات العديد من القوى الاقتصادية، حيث تنظر إليها كوريا الجنوبية باعتبارها مجالا حيويا لتوسيع شراكاتها الاقتصادية وتعزيز حضورها الدولي. ويعزو الباحث هذا الاهتمام إلى ما تزخر به القارة من ثروات طبيعية ضخمة تشمل المعادن والطاقة والمواد الأولية التي تمثل ركائز أساسية للصناعات الحديثة، ما يجعلها محل تنافس متزايد بين الدول الصناعية الساعية إلى تأمين احتياجاتها من الموارد الاستراتيجية.

ولا تتوقف أهمية إفريقيا عند حدود مواردها الطبيعية، بل تمتد كذلك إلى موقعها الجغرافي الذي يمنحها وزنا متناميا في حركة التجارة العالمية. وفي هذا الصدد، يوضح زريق، الذي يشغل منصب الأمين العام لمعهد دراسات الشرق الأوسط، أن القارة تقع على تقاطع عدد من أهم الممرات البحرية والتجارية الدولية، ما يجعلها شريكا محوريا في سلاسل الإمداد العالمية ومعبرا استراتيجيا يربط بين أسواق متعددة عبر العالم.

وعند الحديث عن الجزائر، يبرز المتحدث ما تتمتع به من مكانة جيوسياسية داخل القارة الإفريقية، مستندا إلى موقعها الاستراتيجي وشبكة علاقاتها الواسعة مع مختلف الدول والمنظمات الإقليمية والدولية. ويرى أن هذا الرصيد السياسي والدبلوماسي يمنحها قدرة معتبرة على الإسهام في تعزيز التعاون الاقتصادي بين إفريقيا وشركائها الدوليين، فضلا عن تعزيز جاذبيتها للاستثمارات الأجنبية الباحثة عن بيئات مستقرة وآفاق نمو واعدة.

وانطلاقا من هذه المعطيات، يعتقد الباحث أن التعاون الجزائري-الكوري يمتلك فرصا حقيقية لتحقيق مكاسب متبادلة للطرفين. فبينما راكمت كوريا الجنوبية خبرة متقدمة في مجالات التكنولوجيا والصناعة والابتكار، تمتلك الجزائر مؤهلات معتبرة في قطاعات الطاقة والمناجم والبنية التحتية، إضافة إلى موقعها الذي يؤهلها للاضطلاع بدور بوابة نحو الأسواق الإفريقية. كما أن تعميق هذه الشراكة من شأنه أن يفتح آفاقا أوسع للتعاون الاقتصادي والاستثماري، ويعزز فرص بناء نموذج ناجح للتكامل بين آسيا وإفريقيا بما يخدم المصالح المشتركة للبلدين ويدعم جهود التنمية على المدى الطويل.

نحو تموقع جديد للجزائر داخل الاقتصاد العالمي

وتتلاقى هذه القراءة مع الرؤية التي يقدمها الدكتور خثير شين، عميد كلية الاقتصاد بولاية إليزي، والذي يضع الشراكة الإفريقية-الكورية ضمن منظور استراتيجي أوسع يرتبط بموقع الجزائر في التحولات الجارية داخل الاقتصاد العالمي. وفي تصريحه لـ”الأيام نيوز”، يذهب إلى أن “توظيف الجزائر للشراكة الإفريقية-الكورية لا ينبغي أن يفهم فقط في إطار تعزيز العلاقات متعددة الأطراف، بل في إطار أعمق يتعلق بإعادة تموقعها داخل النظام الاقتصادي العالمي الجديد القائم على سلاسل القيمة المعقدة والتكامل التكنولوجي”.

الدكتور خثير شين – عميد كلية الاقتصاد بإليزي

وبحسب تحليله، يعكس هذا التوجه تحولا في المقاربة الاقتصادية الجزائرية، التي لم تعد تكتفي بالسعي إلى توسيع الأسواق أو تنويع الشركاء التجاريين، بل أصبحت تستهدف الاندماج في حلقات الإنتاج العالمية ذات القيمة المضافة المرتفعة. ومن هذا المنطلق، تبرز كوريا الجنوبية كشريك يمتلك تجربة تنموية وصناعية رائدة، نجحت في تحويل اقتصاد محدود الإمكانات إلى قوة صناعية وتكنولوجية عالمية خلال فترة زمنية وجيزة.

وفي هذا السياق، يوضح الخبير الاقتصادي – في تصريح لـ”الأيام نيوز” – أن “كوريا الجنوبية تمثل نموذجا متقدما في التحول الصناعي القائم على التكنولوجيا والابتكار، وهو ما يجعل التعاون معها فرصة للجزائر للانتقال من اقتصاد يعتمد على تصدير المواد الأولية إلى اقتصاد يسعى إلى الاندماج في سلاسل الإنتاج ذات القيمة المضافة العالية”.

ولا ترتبط أهمية هذه الشراكة، في تقديره، بحجم المبادلات التجارية أو الاستثمارات المباشرة فقط، بل بقدرتها على إحداث تحول نوعي في بنية الاقتصاد الوطني. ولهذا يشدد على أن “القيمة الحقيقية لهذه الشراكة تكمن في نوعيته، أي في القدرة على نقل المعرفة، توطين التكنولوجيا، وبناء شراكات إنتاجية مشتركة داخل الجزائر وإفريقيا”.

ويستمد هذا التصور أهميته من المقومات التي تمتلكها الجزائر حاليا، سواء من حيث قدراتها الطاقوية أو موقعها الجيو-اقتصادي أو ارتباطها المتنامي بالأسواق الإفريقية. وفي هذا السياق، يرى شين أن “الجزائر تمتلك اليوم قاعدة طاقوية وموقعا جيو-اقتصاديا مهما، ما يؤهلها لتكون منصة إقليمية للتعاون الصناعي والتكنولوجي مع الفاعلين الآسيويين، وفي مقدمتهم كوريا الجنوبية”.

كما يحدد جملة من القطاعات التي يمكن أن تشكل قاعدة عملية لهذا التعاون، وفي مقدمتها الصناعات الإلكترونية الدقيقة، وصناعة السيارات ومكوناتها، والطاقات المتجددة، والرقمنة والذكاء الاصطناعي، إلى جانب البنية التحتية الذكية والنقل الحضري المتطور. ويمنح الصناعات التحويلية أهمية خاصة، معتبرا أنها قد تتحول إلى رافعة حقيقية للتنمية إذا ارتبطت بسياسات فعالة لنقل التكنولوجيا بدل الاكتفاء بالاستيراد.

من المساعدات إلى بناء القدرات.. رهان أجندة إفريقيا 2063

وعلى المستوى القاري، يربط الخبير مستقبل هذه الشراكة بمدى مساهمتها في تحقيق أهداف أجندة إفريقيا 2063، من خلال الانتقال من أنماط التعاون التقليدية إلى شراكات إنتاجية أكثر قدرة على بناء القدرات الاقتصادية داخل القارة. وفي هذا الصدد يرى أن “مساهمة الشراكة الإفريقية-الكورية في دعم أهداف أجندة إفريقيا 2063 ترتبط أساسا بقدرتها على الانتقال من منطق التعاون التقليدي القائم على المساعدات أو المبادلات التجارية، إلى منطق الشراكات التحويلية التي تستهدف بناء القدرات الإنتاجية داخل القارة”.

ويستند هذا الطرح إلى قناعة مفادها أن إفريقيا تحتاج اليوم إلى اندماج فعلي في الاقتصاد العالمي عبر التصنيع والرقمنة وتطوير البنى التحتية. ومن هنا يبرز الدور الذي يمكن أن تؤديه التجربة الكورية في مرافقة مسارات التحول الصناعي والتكنولوجي داخل القارة.

ورغم الآفاق الواعدة التي تفتحها هذه الشراكة، إلا أن تجسيدها على أرض الواقع يظل رهينا بتجاوز عدد من التحديات البنيوية. وفي هذا الإطار، يلفت شين إلى أن “التحدي الجوهري يكمن في فجوة التنفيذ التي كثيرا ما تفصل بين القرارات السياسية والواقع الاقتصادي”، موضحا أن ضعف التنسيق بين الدول الإفريقية، وتفاوت مستويات الجاهزية المؤسساتية، فضلا عن تحديات التمويل والاستقرار الاقتصادي، ما تزال تشكل عوائق حقيقية أمام تحويل الاتفاقيات إلى مشاريع ملموسة.

وفي سياق متصل، يتوقف الدكتور خثير شين عند مسألة استيعاب التكنولوجيا باعتبارها أحد المفاتيح الأساسية لنجاح هذه الشراكات، مشيرا إلى أن “أحد أبرز التحديات يتمثل في القدرة على بناء نماذج محلية قادرة على استيعاب التكنولوجيا ونقلها وتكييفها مع السياقات الإفريقية”. وترتبط هذه المسألة، بحسبه، بمستويات التأهيل البشري وكفاءة المنظومات التعليمية والتكوينية.

كما يربط نجاح التحول الاقتصادي المنشود بجملة من الإصلاحات الداخلية الضرورية، مؤكدا أن “بدون تطوير رأس المال البشري، وتحسين مناخ الأعمال، وتعزيز الحوكمة الاقتصادية، ستظل العديد من الاتفاقيات في إطارها النظري”. وهو ما يعكس رؤية تعتبر أن نقل التكنولوجيا لا يتحقق بمجرد توقيع الاتفاقيات، بل يتطلب منظومة متكاملة من الكفاءات والمؤسسات والسياسات الاقتصادية القادرة على استيعابها وتوظيفها في خدمة التنمية.